رفض اشتراط الزواج الثاني بموافقة القضاء في مصر

تدني مستوى معيشة الأبناء وانقسام العائلات غير كافيين لتقنين تعدد الزوجات.
الاثنين 2020/11/09
رغبة الرجل في الزواج من امرأة ثانية محكوم بالقدرة على العدل بين الزوجتين

فشلت الأوساط الحقوقية في مصر في إقناع المؤسسة الدينية بتحجيم ظاهرة “مثنى وثلاث ورباع” عبر الاحتكام إلى القضاء عند الزواج الثاني. ولم يكف الاعتراف بأن الدين وضع شروطا للتعدد، أهمها العدل بين الزوجات، في أن يكون عاملا مقنعا لدار الإفتاء المصرية التي اعتبرت أن اشتراط موافقة القضاء على زواج الرجل بامرأة ثانية يخالف تعاليم الدين الإسلامي.

أعاد رفض دار الإفتاء المصرية، قبل أيام، مقترحا نسويا بأن يكون تعدد الزوجات مرهونا بإذن المحكمة وبناء على أسباب موضوعية من الرجل، النظر في عدم الاعتماد على مؤسسة القضاء لفرض العدل الأسري، وتحجيم ظاهرة “مثنى وثلاث ورباع” دون الاعتراف بأن الدين وضع شروطا للتعدد، أهمها العدل بين الزوجات.

وقالت الإفتاء المصرية، إن اشتراط موافقة القضاء على زواج الرجل بامرأة ثانية مخالف للإسلام، لكن الحقيقة أنه يخالف العرف الذي يرفض الانتصار للمرأة على حساب الرجل، بدليل أن هناك دولا عربية نجحت في فرض الاستقرار الأسري عبر منظومة العدالة بتقرير القاضي وحده، هل يحق للرجل التعدد أم لا، بناء على اشتراطات مادية وجسدية ونفسية؟

ومعضلة الإفتاء في بعض الدول العربية، أن القائمين عليه يرفضون مبدأ النقاش حول تفويض القضاء بتحجيم التعدد واستسهال الاحتماء بالشرع، ولم يدركوا أن الأنظمة التي تطبق هذا النظام، تستند هي الأخرى على الشريعة الإسلامية، لكنها فسّرت النص القرآني حول تعدد الزوجات بشكل إنساني وعقلاني، مستندة إلى أن النص اشترط على الرجل العدل والاقتدار قبل زواجه بأخرى، وإلا اكتفى بواحدة فقط.

ويتفق القانون في كل من الجزائر والمغرب على السماح بالزواج بأكثر من امرأة في حدود الشريعة الإسلامية، متى وجد المبرر المقنع وتوافرت شروط ونية العدل والاقتدار، وعلى الرجل أن يقدم طلب الترخيص بالزواج إلى القاضي، ويوافق برخصة الزواج الجديد أم لا، شريطة تأكده من موافقة السيدتين (الأولى والثانية) وقدم الرجل أسبابه وأدلة قدرته على توفير العدل.

وأزمة الكثير من النساء مع تعدد الزوجات، أنه صار يُستخدم أداة للإذلال والتنكيل بهن، وغالبا ما يهتم الرجل بالثانية، ويهمل الأولى، وأغلبهن يتعرضن لخديعة كبرى، فلا يعرفن أن أزواجهن أصبح لهن زوجات أخريات، إلا بالصدفة، وهناك من ينجب أولادا ويلتحقون بمؤسسات تعليمية، ويخفي عن شريكة حياته ذلك.

بعض الحكومات تخشى تغيير معتقدات راسخة عن مؤسسة الزواج ، حتى لا تدخل في مواجهة مع تيارات دينية متشددة

وعند فتح باب النقاش مع السواد الأعظم من الرجال عندنا حول أسباب اللجوء لتعدد الزوجات، يكون أول مبرر بأن الشرع أحلّ لهم ذلك، وبسؤال نفس الشريحة عن اشتراط العدل والمساواة والمقدرة المادية، يأتي الرد بأن “الله لو أراد للرجل أن يتزوج بامرأة واحدة لفعل ذلك”، وهي نفس القناعات التي يروّج لها بعض رجال الدين.

وتخشى بعض الحكومات العربية تغيير معتقدات وتقاليد راسخة عن مؤسسة الزواج والعلاقات الأسرية، للنأي بنفسها عن الدخول في مواجهة مع تيارات دينية متشددة، لا تعرف عن الدين سوى النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، دون محاولة تفسيرها وأقلمتها مع الواقع، وتطبيقها بشكل إنساني لا يلحق الضرر بأحد، في حين أنه يمكن تفعيلها بطريقة تخدم كل الأطراف دون تعارض مع الشرع.

رغم أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي ضربت العديد من الأسر العربية، ولم يعد بوسع أغلب الرجال أن يكونوا معيلين لأكثر من أسرة، وتحمّل نفقات زوجة أو اثنتين أو ثلاث بأبنائهم. وما زال مفهوم التعددية القديم، يطبّق بشكل أعمى، ولم تجن العائلات سوى الانقسامات والصراعات وتدنى مستوى المعيشة للأولاد.

وأكدت انتصار السعيد المحامية في القضايا الأسرية، ورئيسة مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، أنه لم يعد هناك أي بديل أمام الحكومات لتكريس الاستقرار الأسرى، سوى تجريم تعدد الزوجات كما يحدث في تونس، أو تقييده بتطبيق النظام المعمول به الجزائر والمغرب، لأن التعدد المطلق تسبب في انتكاسات عائلية، مع أن الشرع الإسلامي بريء من الاحتماء به لهدم الأسرة.

وأضافت لـ”العرب”، أن حصول الرجل على موافقة كتابية من القاضي قبل الزواج بأخرى الضمانة الوحيدة لإثبات أنه مؤهل لأداء واجباته الأسرية، وبإمكانه التعامل بشكل عادل بين زوجاته وأبنائه.

وطبق المغرب العدل الزوجي من خلال القضاء منذ عام 2003، وخلال سبع عشرة سنة لم تتخط حالات الزواج الثاني ألف عقد فقط.

يرى مؤيدون للتوسع في الاحتكام للقضاء لضبط العلاقة الأسرية، أنه يجب استثمار رفض تعدد الزوجات بشكل مطلق، وتأكيد أن استخدام الرجل حقه الشرعي مرتبط بشروط وضوابط صارمة، للقيام بثورة تشريعية تفوّض للقضاء مهمة التحري وراء توافر الشروط من عدمها، قبل التصريح بالزواج الثاني أو الثالث حفاظا على الأسرة.

لدى أحمد الطيب شيخ الأزهر، موقف استثنائي من تعدد الزوجات، حيث أكد مرارا، أن الإسراف في هذا الحق من جانب الرجال دمر بعض الأسر العربية، وتسبب في زيادة أنواع الجرائم الأخلاقية والاجتماعية والظواهر السلبية، وأفتى بأن ظلم الزوجة جراء زواج الرجل من أخرى وإهداره حقوق الأولى جريمة تفوق جريمة الزنا.

Thumbnail

وسهّل تراخي علماء الدين ودور الإفتاء عن شرح المغزى الديني من التعدد وأسبابه ومراحل اللجوء إليه، بشكل علمي وعقلاني، أن تسود لدى العامة فكرة مغلوطة عن تعدد الزوجات، واعتبر كثيرون أنه “تكليف إلهي”، وذهب آخرون إلى أنه حق مباح دون قيد أو شرط، وليس هناك أدنى مسؤولية عليهم طالما توافقت نزواتهم مع الحلال.

قال أحمد صابر، إمام بوزارة الأوقاف المصرية، إن النص القرآني اشترط العدل قبل التفكير في التعدد، ويحق شرعا لكل حكومة إقامة العدل من خلال منصات القضاء، للوقوف على قدرة الرجل على الزواج بأخرى، ومنع الضرر والظلم الذي يلحق بالمرأة والأبناء، فإذا كان الإسلام سمح بالتعدد فإنه لم يشرعن ذلك لتشريد الأبناء وحرمانهم من أقل الحقوق والواجبات وهدم الكيان الأسري.

وأوضح لـ”العرب”، أن بعض دعاة التدين الظاهر يزرعون في أذهان الناس أن الأصل في الزواج التعدد، وبعضهم ذهب إلى أنه تقرب إلى الله، وطالما أن إباحته مقيّدة بالعدالة حتى لا تُظلم الزوجة أو تنهار الأسرة يحق لولاة الأمر أن يستعينوا بقضاة العدل لضبط هذه المنظومة بحكم أن الغرض إنساني في المقام الأول.

وتخشى بعض الأصوات من أن يترتب على الاستعانة بالقضاء لمنح تراخيص التعدد أو رفضها، اتساع دائرة الزواج العرفي، للتحايل على شروط العدالة، سواء ما يتعلق بموافقة الزوجة الأولى والثانية قبل الحصول على الرُخصة، أو إثبات المقدرة المادية والجسدية والنفسية، وهو ما يحدث فعليّا في كل من المغرب والجزائر، وسط دعوات من منظمات حقوقية بالبحث عن حل للزواج السري.

ويعتقد هؤلاء، أن سنّ تشريعات تعالج تعدد الزوجات ليكون القاضي صاحب الكلمة لن تنجح وحدها في تغيير المعتقدات والموروثات، لكن قد تقنن الظاهرة بنسبة كبيرة، ومن الضروري تدعيم ذلك بقوانين تعاقب محاولة الالتفاف والتحايل على النظام القائم، خاصة ما يرتبط بلجوء البعض إلى الزواج غير الموثق.

وتحتاج مواجهة التعدد بالقضاء إلى تشريع مكمّل يعاقب الرجل بالحبس إذا لجأ إلى الزواج السري، ويكفي ما ينتج عنه من مشكلات إثبات النسب وحرمان المرأة من الميراث وتشريد الأبناء، والأهم أن تكون هناك إرادة تنتصر للعلاقة الزوجية والأسرية على حساب الآراء التي تشوّه صورة الإسلام وتقنع الناس بالتعدد وكأنه وحي إلهي.

21