رفض الاحتفال بعيد ميلاد الطفل يصيبه بانتكاسة عاطفية

الطفل الذي لا يجد من أسرته ما يشعره بذاتيته واحترام الأهل لوجوده بينهم ككيان مستقل، ولا يجد المحبة تحيط به من أفراد الأسرة، ولا تُعدّ له أسرته ما تعده أُسر أصدقائه لأطفالها في ذكرى ميلادهم، في الغالب سيتعرض إلى نكوص في بناء نُموه العاطفي، مما سيؤثر سلبًا على بناء شخصيته الاجتماعيّة المستقبليّة، وسيعرضه للكثير من الأزمات النفسية.
الاثنين 2016/05/02
الاحتفال بعيد الميلاد يوفر للطفل الصحة النفسيّة

النمو أو النبوغ العاطفي للطفل، أو ما يسميه بعض الباحثين الأميركيين، ومنهم عالم النفس جون ماير، بـ “التفوُّق الاجتماعيّ” صار من الضروري تنميته لدى الطفل ومنذ مرحلة الطفولة المبكرة.

وتفسّر دراسة أعدها باحثون ألمان في جامعة لايبتزغ هذا النبوغ بأنه النتيجة الإيجابيّة التي يحصل عليها المجتمع مستقبلاً من إحساس الطفل بذاتيّته، واستقلاليّته، وما يجده من احترام ومحبة.

وقد وجدت الباحثة يوليا رورير المنتمية إلى هذه الجامعة، والمتخصّصة في دراسة مراحل نمو الذكاء الاجتماعي لدى الأطفال، الكثير من الحقائق حول ضرورة تنمية الروح الاجتماعيّة لدى الطفل.

واستخلصت في أحد بحوثها التي نشرتها في صحيفة بورسن تسايتونغ الألمانية، أن أحد أسباب أزمة المصارف العالميّة التي حدثت في الولايات المتحدة الأميركية عام 2008 وهزت الاقتصاد العالمي ــ على سبيل المثال ــ افتقار المصرفيين إلى الذكاء الاجتماعي. لذلك بدأت المصارف بالاهتمام بهذا الجانب بعد الكارثة، فبعثت مديريها إلى دورات الغرض منها تعلم التفاعل العاطفي مع الناس.

وأوصت الباحثة رورير في دراستها بضرورة أن تبدأ الأُسر بتنمية الجانب العاطفي لدى أطفالها ابتداء من الاحتفال بعيد ميلاد الطفل، وإشعاره بحب المحيطين به، والاهتمام بأصدقائه من خلال دعوتهم إلى حفلة عيد ميلاده أو إلى الدراسة معه في المنزل، مما سيؤدي بهذا الطفل للنظر إلى ذاته نظرة إيجابيّة، ويجعله هذا الشعور ينعم بحالة نفسية صحية، يكون بعدها قادرا على التفاعل الاجتماعي في المستقبل.

وأكدت الباحثة يوليا “على أن الأُسر التي تحتفل مع أطفالها بالمناسبات – التي تبدأ من جلسة الفطور الصباحي وترديد الحمد لله على خيراته وأعياد ميلادهم، وتفوقهم في جانب اجتماعي أو دراسي أو رياضي، أو عند ظهور موهبة لديهم – ستوفّر لهم الصحة النفسيّة، ما يجعلهم قادرين على مواجهة متغيّرات الحياة.

الأُسر تنمّي الجانب العاطفي لدى أطفالها ابتداء من الاحتفال بعيد ميلاد الطفل

إضافة إلى ذلك سيخلق الاحتفال بالمناسبات الأسريّة – كعيد الأم، وعيد الحب، وذكرى زواج الأبوين – المتعة لدى الأطفال، ويخلق لديهم الشخصية الإجتماعيّة المُحبّة للحياة، المرحة، والمتفائلة. وكل مناسبة سعيدة ستمحو آثار ما انعكس على الطفل من مظاهر القلق، الذي يتلقاه من معايشته لأبوين معرّضين لضغوط الحياة ومصاعبها”.

وأوضحت يوليا” أن القلق الذي يصاحب حياة الأسرة ينتقل عادة إلى الأطفال بشكل أو بآخر، ودون أن يشعر الأهل بالضرر النفسي البالغ الذي يسببه قلقهم لأطفالهم”.

ويقول رئيس جمعية “فضاء الحياة” بمدينة الرباط هشام معروف (باحث متخصص في السياسات الإجتماعية، ولجمعيته خبرة طويلة امتدت لـ 14 عامًا في التعامل مع الأطفال) “إن العناية والاهتمام بتربية وتنشئة فئة الأطفال لهما أهمية قصوى، وقد وجدنا من خلال تجربتنا في جمعية “فضاء الحياة”، أن حتى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة يُعتبر الاهتمام بتنمية شخصياتهم المعنوية من المهام الضرورية، والتي تنص عليها البرامج الحكومية، وغير الحكومية والمواثيق الدولية، كما إنَّها محط اهتمام البحوث العلمية، ومن مختلف الحقول المعرفية، وذلك لتفادي التهميش، والإقصاء المبني على الخرافات والأساطير التي خضعت لها هذه الفئة من المجتمع، والتي أثرت تأثيرا سلبيّا على حياتها وتربيتها واندماجها الاجتماعي”.

ويضيف معروف” من البديهي القول إن كل ما يراه الطفل، وما يعيشه من تجارب سيبني شخصيته المستقبلية. فإذا قمنا بخلق الفرص لإظهار فرحنا، ومباركتنا لإيجابيات الطفل، وما يبدر منه من إشارات تدلّ على التفوق والموهبة، أو فرحنا معه كأسرة واحدة بعيد ميلاده أو تفوقه، فإن ذلك سيعزز بناء ذاته المستقلة. وعلى سبيل المثال، في عام 2012 قامت سيدة أميركية تدعى تشينولت من ولاية تكساس بحفلات عيد ميلاد للأطفال المشردين، وذلك لزرع الأمل في نفوسهم. وقلَّدتها سيدات في ثماني مدن أميركية، وهي الآن تشرف على 8 مؤسسات للعناية بهؤلاء الأطفال”.

الاحتفال بالمناسبات الأسريّة سيخلق المتعة لدى الأطفال، ويخلق لديهم الشخصية الإجتماعيّة المُحبّة للحياة، المرحة، والمتفائلة

ويقول المعالج النفسي مبارك فيلالي لـ”العرب” ( وهو يعمل في منظمة “أطباء العالم للتنمية ورعاية الطفولة”) “وجدت في الكثير من دور الحضانة ورياض الأطفال، والتعليم الأساسي، التي زرتها في مناطق مختلفة أن الأطفال الذين لم يحظوا برعاية أسرهم يعانون من التهميش.

وأوضح قائلا “لأن أُسرهم بسبب فقرها أو جهلها لم تقم لهم بأي احتفاء سواء في ذكرى ميلادهم أو نجاحهم أو فوزهم في مباريات رياضية أو فنية، لذلك بقوا خاملين وبلا نشاطات تذكر. وهم عادة لا يشاركون في الأنشطة، ويعتريهم الخجل عندما يتحدث معهم أحد”.

وأضاف “أما الأطفال الذين وجدوا جوّا أسريّا متضامنا، ولم تترك أسرهم فرصة إلا وأشركتهم وأصدقاءهم فيها، وجدتهم يتحدثون بمرح وحيوية بالرغم من محدودية قواميسهم اللغوية والإشارية”.

وأضاف فيلالي”من الضروري رعاية الأطفال وإشباع شعورهم العاطفيّ بالانتماء إلى الأسرة، وإلى المجتمع من خلال علاقتهم بأصدقائهم. فالذات تجد تكاملها، وتقضي على مخاوفها الموروثة من خلال مُعَاشَرة بني جنسها.

وكلما ذابت الذات في صلب جسم الأسرة، وتوحدت مع آمال وأحلام وأفراح العائلة، قويت هذه الذات وصارت تستطيع مواجهة صعوبات الحياة في المستقبل، ومشاركة الناس أفراحهم وحياتهم، مهما كانت صعوباتها. كما إنَّها ستخلق لديهم روح المبادرة الخلاقة وروح المنافسة لصنع فرص النجاح. ونصيحتي للآباء: إذا طلب طفلك أن تحتفل بعيد ميلاده فلا تخذله لئلا يصاب بمرض النكوص العاطفي. وهو مرض سيؤثر عليه في المستقبل، ويجعل شخصيته انطوائية، اكتئابية، لا تؤمن بالمجتمع، ولا يهمها إلا ذاتها، وغير مبدعة، ولا تحقق علاقات ناجحة مع الغير."

21