رفض التعديلات على القانون الانتخابي يُربك الائتلاف الحاكم بتونس

بعد صمت أثار سلسلة لا تنتهي من التكهنات المُتضاربة، أكدت الرئاسة التونسية أن الرئيس الباحجي قائد السبسي قرر رفض التعديلات على القانون الانتخابي وعدم التوقيع عليها.
الاثنين 2019/07/22
لا للإقصاء

ينهي قرار الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي برفض التعديلات على القانون الانتخابي رهان حركة النهضة وحليفها يوسف الشاهد بإخلاء المعركة الانتخابية من المتنافسين، بما يسمح باستمرار تحالفهما إلى مرحلة ما بعد الانتخابات.

 تونس- عاد الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي ليُمسك من جديد بزمام المبادرة وضبط الإيقاع السياسي في البلاد، بقرار لافت حسم به الجدل المُتصاعد حول التعديلات التي أدخلت على القانون الانتخابي في سياق عملية وُصفت بأنها تغيير لقواعد اللعبة الديمقراطية على مقاس حركة النهضة الإسلامية وحليفها يوسف الشاهد.

وبعد صمت أثار الكثير من الغموض الذي تخللته سلسلة لا تنتهي من التكهنات المُتضاربة والتخمينات المُتناقضة، أكدت الرئاسة التونسية أن الرئيس قائد السبسي قرر رفض تلك التعديلات، وعدم التوقيع عليها لتصبح غير نافذة، وذلك قبل يومين من فتح باب قبول القائمات المُترشحة للانتخابات التشريعية المُقرر تنظيمها في السادس من أكتوبر القادم.

وأطاح هذا القرار الذي تباينت القراءات السياسية لأبعاده، برهانات رئيس الحكومة يوسف الشاهد، الذي تبنت حكومته تلك التعديلات التي تُوصف بـ”الإقصائية”، ودفعت بها إلى البرلمان للمصادقة عليها، كما أربك حسابات رئيس حركة النهضة الإسلامية راشد الغنوشي، الذي دخل في دائرة رياح باتت تعصف به وبحركته.

نورالدين بن تيشة: الرئيس يرفض التوقيع على تعديلات جاءت على المقاس
نورالدين بن تيشة: الرئيس يرفض التوقيع على تعديلات جاءت على المقاس

ويُراهن الشاهد وحزبه على أن يُساهم تمرير تلك التعديلات في إبعاد بعض المنافسين المُفترضين خلال الانتخابات التشريعية والرئاسية، برزوا بشكل لافت خلال استطلاعات الرأي وعمليات سبر الآراء الأخيرة، بينما تتمحور حسابات الغنوشي الذي قرر خوض الانتخابات التشريعية، حول بلورة مشهد جديد بعد الانتخابات يُحافظ فيه على سطوة حركته على مفاصل الدولة.

ويخشى الشاهد، وكذلك أيضا الغنوشي، من بروز تحالفات جديدة لها امتداد شعبي لمواجهة تحالفهما، خاصة بعد اللقاء الذي جمع بين حافظ قائد السبسي رئيس حركة نداء تونس، ونبيل القروي رئيس حزب “قلب تونس” الذي تستهدفه مباشرة تلك التعديلات.

وتزايد الحديث حول إمكانية انضمام جمعية “عيش تونسي” إليهما لتشكيل جبهة انتخابية تكون قادرة على خلق قوة توازن مع التحالف المُعلن بين حركة النهضة وحزب “تحيا تونس”.

وقالت مصادر مقربة من القصر الرئاسي لـ”العرب”، إن الرئاسة ستُصدر الاثنين أو الثلاثاء على أقصى تقدير، بيانا توضيحيا لهذا القرار، وأن الرئيس قائد السبسي سيتوجه بكلمة تلفزيونية إلى الشعب التونسي الخميس المقبل، وذلك بمناسبة عيد الجمهورية يكشف فيها الدوافع التي جعلته يرفض تلك التعديلات، إلى جانب التطرق إلى مسائل أخرى، منها الجدل الذي أحاط بوضعه الصحي.

وقبل ذلك، أكد نورالدين بن تيشة، المستشار السياسي للرئيس قائد السبسي في تصريحات لوسائل إعلام محلية، أن “الرئيس لم يُوقع القانون الأساسي المتعلق بإتمام وتنقيح قانون الانتخابات والاستفتاء والذي كان مجلس نواب الشعب (البرلمان) قد صادق عليه في الثامن عشر من يونيو الماضي”.

وأرجع ذلك إلى أن الرئيس قائد السبسي “يرفض منطق الإقصاء ويرفض أن يُوقع تعديلات جاءت على المقاس لجهات معينة”، مؤكدا في هذا السياق أن الرئيس قائد السبسي “هو الحامي لدستور يناير 2014، والضامن لإجراء انتخابات نزيهة وشفافة”.

ورغم إجماع غالبية القوى السياسية على أن تلك التعديلات “إقصائية” وتتناقض مع روح الدستور، فإن قرار الرئيس قائد السبسي برفض التوقيع عليها، أثار زوبعة لدى الأطراف الداعمة لها، وخاصة منها الائتلاف الحاكم الذي يتألف من حزب “تحيا تونس” برئاسة يوسف الشاهد، وحركة النهضة الإسلامية برئاسة راشد الغنوشي، وحركة مشروع تونس برئاسة محسن مرزوق.

محسن مرزوق: قائد السبسي خرق الدستور، لأنه ليس من حقه عدم التوقيع على تلك التعديلات
محسن مرزوق: قائد السبسي خرق الدستور، لأنه ليس من حقه عدم التوقيع على تلك التعديلات

ولم يصدر أي بيان رسمي عن حزب “تحيا تونس”، غير أن الصحبي بن فرج، القيادي في هذا الحزب، لم يتردد في توجيه انتقادات حادة لقرار الرئيس قائد السبسي، وسط تشكيك مقصود في صحة الرئيس قائد السبسي، وفي دستورية قراره، حيث تساءل في تدوينة له قائلا “هل رفض الرئيس الإمضاء؟ أم أنه في الواقع معزول في قصر قرطاج، عاجز عن الإمضاء وفاقد للسيطرة على قراره؟”.

ومن جهته، ذهب محسن مرزوق، في تدوينة له، إلى القول إن الرئيس قائد السبسي بقراره المُعلن “خرق الدستور، لأنه ليس من حقه عدم التوقيع على تلك التعديلات”، مُعتبرا أنه كان يتعين عليه “إما إعادة قانون تلك التعديلات إلى البرلمان وإما أن يطلب استفتاء إذا لم يعجبه القانون”.

وعلى وقع هذا الجدل الذي ارتفعت حدته، دخلت حركة النهضة الإسلامية على الخط، حيث أعربت في بيان صادر عن مكتبها التنفيذي، عن “انشغالها” إزاء عدم توقيع الرئيس قائد السبسي على تلك التعديلات.

ودعت في المقابل “الكتل البرلمانية والأحزاب إلى المسارعة بالاجتماع والتشاور من أجل معالجة تداعيات هذه الوضعية واقتراح الترتيبات المناسبة للخروج منها”، وذلك في الوقت الذي أكد فيه أنيس الجربوعي، عضو الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، أنه لن يتم اعتماد تلك التعديلات خلال الانتخابات القادمة.

وأشار إلى أنه “سيتم اعتماد وتطبيق القانون الانتخابي الساري المفعول المُعتمد في الانتخابات السابقة عند قبول ترشحات القائمات الانتخابية للانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها يوم 6 أكتوبر القادم، وبالتالي عدم تطبيق ما تضمنه القانون الانتخابي المُنقح من قبل مجلس نواب الشعب والذي لم يتم ختمه من قبل رئيس الجمهورية”.

ويُرجح المراقبون أن يتواصل الجدل حول هذا المُستجد السياسي غير المسبوق، على أكثر من صعيد خلال الأيام القادمة، وسط قراءات تدفع باتجاه حدوث مُتغيرات قد تعصف بالائتلاف الحاكم، ولا تنتهي عند بروز تحالفات جديدة بدأت ملامحها تتشكل لاسيما في هذه الفترة التي دخل فيها السباق نحو الانتخابات مراحله النهائية ولحظاته الحاسمة.

4