رفض التماثيل العارية تقابله صدارة في تصفح المواقع الإباحية

المجتمعات العربية تعاني من الشيزوفرينيا: افعل ما تريد طالما أن الناس لا يعرفون ماذا تفعل.
السبت 2018/04/07
تمثال عين الفوارة بات قضية رأي عام في الجزائر

القاهرة - لا تمثل محاولة تحطيم تمثال المرأة العارية بعين الفوارة بالجزائر حادثة منفردة، بل هي تجسيد لصراع أزلي بين حدود الخيال الفني والتقاليد، تشهده بعض الدول العربية، التي حرّمت تدريس النموذج العاري بكلياتها للفنون، ولم يسلم فنانوها حتى الآن من الانتقاد العنيف بسبب لوحات فن العراة “Nudes Art”.

تبدو الإشكالية متضخمة في المجتمعات التي تحاول تغطية عورات التماثيل أو إعادة البرقع على وجوه شخوص لوحات التشكيل، وفي ذات الوقت تحتل المراتب الأعلى في تصفح المواقع الإباحية وفقا لأكثر من إحصائية أبرزها لموقع غوغل لعام 2016، والتي جاءت فيها مصر والمغرب ضمن الدول الخمس الأولى بتصفح المواقع الجنسية.

 

يمثل “الفن العاري” إشكالية لا تنتهي في الدول العربية، ما بين التشكيليين الذين يعتبرونه توصيفا فنيا لجمال خلق الإنسان لا يثير الغرائز، وبين هجوم عنيف من تيارات دينية تلقى قدرا من القبول في مجتمعات تدافع عن تحفظها الظاهري، رغم أنها تتصدر إحصائيات الدخول إلى مواقع الأفلام الإباحية عالميا

قبل ثلاثة أعوام، واجهت مجلة “باليت” العراقية الشهرية أزمة مع الجماهير بسبب نشرها لوحة “الميدوزا” للفنان الفرنسي يودور جريكو، التي تحكي مأساة تحطم سفينة فرنسية قبل قرنين أمام سواحل أفريقيا، في سياق معالجتها لقضية غرق المهاجرين بالمتوسط، وتعلقت المشكلة بوجود شخوص عارية ضمن اللوحة التي تم رسمها عام 1817.

وفي المغرب، اتخذ حارس أمن بمتحف محمد السادس للفن الحديث بالرباط، قرارا بتغطية بعض اللوحات الفنية للفنان مالك نجمي بغطاء ملون، ومنع الجمهور من مشاهدة تلك اللوحات بحجة أنها مخالفة للتقاليد.

وحين قدم الفنان السوري يوسف عبدلكي معرضا في “غاليري كامل” بالأسود والأبيض تراوحت بين موضوع الموديل العاري والطبيعة الصامتة في 2016، ليتلقى هجوما عنيفا من الإسلاميين واليساريين على حد سواء، ووصل الأمر إلى حد التشكيك في وطنيته، ما دفعه إلى الهروب إلى باريس عارضا لوحاته في غاليري “كلود لومان”.

يمثل الجسد البشري للفنانين فضاء واسعا للتجسيد ما بين وصف العضلات وإبرازها، ونحت الأوردة الممتلئة في المعارك، والأرجل القوية بأوتارها في السباقات، وهو ما يجعل التماثيل واللوحات المصمتة الثابتة مليئة بالحركة، وتحمل مزجا بين انفعالات الوجه ولغة الجسد، لكن الثقافات الدارجة في البلدان العربية لا تزال تعتبره من المحرمات وتهاجم تياراته الفنية.

يتفق علماء الاجتماع وعدد كبير من التشكيليين العرب على أن الازدواجية في الوطن العربي مغزاها “العلانية”. فالكثير من طبقات المجتمع ترفض فكرة عرض تماثيل عارية في الشوارع وتتقبلها المتاحف، مثلما ترفض مشاهدة المضامين “الخارجة” في الأماكن العامة، ولا تعترض عليها كثيرا في الغرف المغلقة بل قد تعتبرها حرية شخصية لا يمكن إسقاطها.

في عرف الفن التشكيلي، فإن نتوءات الجسم وتعرجاته وامتداداته، هي مجرد تقنيات حسابية يجب أن يراعيها الفنان ويأخذها في الحسبان جيدا، ولا يتعدى دورها كذلك، لكن في المقابل تمثل لدى الكثير من المجتمعات العربية مفاتن ورذائل لا يجب عرضها على المجتمع، ويمتد الأمر إلى فكرة تحريم النحت والفن التشكيلي ذاته.

ومنذ اعتبر الإغريق “العري للفنان كالحب للشاعر”، تجد موجات من الفنانين تعيده إلى الواجهة باعتباره دمجا بين الروح والجسد وسموا روحانيا يركز على جماليات العمل الفني، وليس إثارة للشهوة، ووسيلة لعودة النقاء للبشر، في عصر باتت الملابس وسيلة للتمييز والتفاخر الاجتماعي بين الطبقات.

ويرى الكثير من التشكيليين أن “الفن العاري” لا يثير شهوات جنسية لدى المجتمعات إلا في أصحاب العقول التي تعاني من لوثة جنسية.

واقع متشابك

حمدي أبوالمعاطي: المجتمعات العربية تعاني من عقم فكري وارتداده ثقافيا نحو الخلف
حمدي أبوالمعاطي: المجتمعات العربية تعاني من عقم فكري وارتداده ثقافيا نحو الخلف

لم تمثل الرسومات والمنحوتات العارية أزمة في معظم الدول العربية، إلا مع سطوة التيارات الدينية المتشددة التي استطاعت إصدار قرار بمنع الموديل العاري بكليات الفنون الجميلة في مصر بعد 70 عاما من استخدامه، بحجة مخالفته للدين والشرع، والمشكلة أن جماعة الإخوان المسلمين رحلت عن الحكم لكن الفيتو الذي وضعته لا يزال ساريا.

وفي سوريا، قبل الحرب، تساءل الكثير من طلاب كلية الفنون الجميلة بدمشق عن غياب الموديل العاري من أروقة الكلية خلال العقدين الماضيين، بل إن بعضهم بات “يندب حظه” لأنه سيتخرج في الكلية دون أن يحظى برسم جسد كامل.

ويرى البعض أن التيارات المحافظة أصبح أكثر تأثيرا على المجتمع السوري ما انعكس سلبا على مسار الحركة التشكيلية، فخرجت أصوات تنادي الجيل الجديد من الفنانين بالعودة إلى الموروث الإسلامي.

وفي سوريا، لا توجد فترة زمنية محدّدة لغياب الموديل العاري. ويرجّح أن يكون قد بدأ يختفي تدريجيا مع تقليص الميزانية المخصصة لهذا الدور من قبل إدارة كلية الفنون الجميلة. وترافق هذا الاختفاء التدريجي مع تقلص ظهور العري في الأعمال الفنية السوريّة بشكل عام.

أما في لبنان، فأول موديل عار عُرف في الأربعينات، في الأكاديمية اللبنانيّة للفنون الجميلة، ثم في معهد الفنون الجميلة الذي تأسس منتصف الستينات، مع تطور الحركة الفنية التشكيلية المعاصرة.

وبعد الحرب الأهلية اللبنانية في التسعينات. مُنع الموديل العاري بتأثير من الأحزاب السياسية الدينية.

وقبل السبعينات من القرن الماضي كانت فكرة تحرّر الجسد سائدة في موضة ملابس الفتيات في الشوارع وأفلام السينما المصرية واللبنانية والسورية والتي لم تمنعها الرقابة في تلك الفترة رغم أن التحرر وصل إلى حد تصوير النساء عاريات الصدر في الحمّامات، وعاريات تماما كفيلم “الفهد” عن رواية حيدر حيدر، وإخراج نبيل المالح في 1972، لكن التشكيليين الذين واكبوا تلك الفترة قالوا إن فنهم لم يكن يوما شهوانيا كالسينما.

استخدم تشكيليون مصريون اللوحات العارية كوسيلة للانتقاد السياسي كلوحة “الكورس الشعبي” التي عرضت للفنان عبدالهادي الجزار سنة 1949 بمعرض جماعة الفن المعاصر، ووضع لها عنوان “رعاياك يا مولاي” لتضم صفا من البشر بينهم امرأة عارية، يقفون خلف صف من الأطباق الفارغة لتغضب ملك مصر فاروق الأول في ذلك الوقت ويأمر بحبسه.

ويؤكد حمدي أبوالمعاطي، نقيب التشكيليين المصريين، أن المجتمعات العربية تعاني من حالة عقم فكري وارتداده ثقافيا نحو الخلف، فالتماثيل واللوحات العارية هي قضية فنية بحتة تخضع لمعايير جودة الرسم أو النحت وليست لها علاقة من قريب أو بعيد بالدين أو الجنس.

الرسومات والمنحوتات العارية لم تمثل أزمة في الدول العربية إلا بعد سطوة التيارات الدينية المتشددة

وأضاف أبوالمعاطي لـ”العرب”، أن معظم كليات الفنون في الدول العربية ألغت تدريس الموديل العاري رغم أهميته للفن باعتباره يخلق لدى الفنان وعيا بالكتلة والحجم، تحت وطأة اشتداد عود الجماعات والتيارات الدينية التي منعت تدريسه عام 1975، وبدأت بعض الدول في إلغائه على مراحل بتدريس الموديل نصف العاري ثم أوقفته تماما.

ويرى خبراء اجتماع أن الارتداد الحاصل في بعض المجتمعات العربية، يعود إلى ثقافة التلقين والحفظ والتمسك بالتراث دون أي معرفة حقيقية بالدور الذي يلعبه الفن، وكلما جرت الاستجابة لنداء الانغلاق كلما ازدادت الأمراض المجتمعية، فالفن الراقي، بصرف النظر عن طبيعة الصورة أو اللوحة، هو عمل مهم يساهم في تهذيب الأخلاق وليس العكس.

ولم يعبأ الفن بالتقاليد في مصر منذ نشأة أول مدرسة للفن الجميلة عام 1905. وهناك اثنان من العمال المساهمين في بنائها هما عبدالعزيز وعبدالوهاب هيكل، تطوعا للعمل خدمة للفن، بل إن الأخير لم يرفض عمل ابنته الصغيرة كموديل في الكلية أيضا، وكان كل منها يتقاضى نحو 13 جنيها مصريا.

وأوضح أبوالمعاطي أن العرب لا يزالون يعانون من انغلاق فكري. ورغم التقدم العلمي ودراسة التشريح في كليات الطب باعتبار أنه لا خجل في العلم، فإن المشكلة تثور عندما يتعلق الأمر بالفن التشكيلي، حتى أن البعض لا يزال يعتبر التماثيل حراما من الأصل سواء أكانت عارية أم لا. وأخذت إشكالية الفن العاري طابعا فلسفيا مع دخول علماء الأنثروبولوجيا على الخط والذين يعتبرون الملابس شيئا يفصلنا عن الطبيعة حرفيا ورمزيا ويؤثر على الطريقة التي ندرك بها أنفسنا، فهي (الملابس) حائل بيننا وبين الأشياء الأخرى حولنا.

وفي المقابل يرد أنصار الحفاظ على تقاليد وأعراف المجتمع بأن العري هو تخلف، فالإنسان البدائي كان عاريا، وعندما تطور ابتكر الملابس وطورها، معتبرين أن العري كان عقابا لآدم وحواء بعدما أكلا من الشجرة المحرمة في قصة خروجها من الجنة.

سياقات مجتمعية

Thumbnail

تعتقد سوسن فايد، أستاذة علم الاجتماع بمصر، أن بعض الفئات في المجتمعات العربية تعاني ازدواجية فكرية. وأن محركها الرئيسي هو المصلحة وليس الإيمان بقضية ما أو الاقتناع بها، مدللة على ذلك بأن الهجوم على الفن لم يشتد إلا مع فوز الإسلاميين بالسلطة في مصر والذين وصلت بهم الجرأة إلى حد المطالبة بهدم تماثيل الفراعنة باعتبارها أوثانا.

وتقول فايد إن القضية ليست في الفن، لكن في سياقات مجتمعية وسياسية هدفها القضاء على الجمال والتاريخ والثقافة، فالتنظيمات المتطرقة تعاني من كره دفين لـ”الاستاطيقا” أو فلسفة الجمال باعتبار أنه والتشدد نقيضين لا يجتمعان أبدا، وبالتالي استهدفت في المقام الأول المدن ذات الحضارة لتدميرها وليس الأخلاق.

وتؤكد فايد لـ”العرب”، أن بعض الفئات في المجتمعات العربية تعاني من انفصام الشخصية أو “شيزوفرينيا” في التعامل مع قضية العيب، فالسلوك الخاطئ عند البعض يتوقف على المكان الذي يتم ارتكابه فيه وتأخذ بعض التقاليد محل الدين ويتم الخلط بينهما، والمحصلة النهائية هي محاولات لخلق المزيد من السدود أمام حرية الإبداع.

ويبدو تعامل المجتمعات العربية مع الفن العاري مناهضا لفكرة السوسيولوجيا أو النشاط البشري المستمد من أنماط معتادة ومكتسبة ومتعلمة ومتكررة للفرد من سلوك السابقين، فالأجيال القادمة كانت ذات نظرة أكثر تسامحا مع الفن عكس الأجيال الجديدة التي تخضع لمعيار مطاط هو الأخلاق.

ويفسر بعض الخبراء هذه المواقف المتزمتة مقارنة بالإقبال العربي الكبير على المواقع الإباحية، بالازدواجية التي تطغى على الثقافة العربية، وتقوم على السرية، بمعنى افعل ما تريد طالما أن الناس لا يعرفون ماذا تفعل. وهي ثقافة بالية تنخر المجتمع واعتادت أن تتفنن بالتخفي لتتجنب العقاب ومخالفة التقاليد.

وتميل المجتمعات العربية المنفتحة إلى التعامل مع الظواهر المتعلقة بالفن والحرية الشخصية بطريقة مرنة، فهناك أشياء كثيرة مباحة، شريطة أن تلتزم بالقانون ولا تضر أحدا. والمهم الاتساق مع النفس وعدم جر المجتمع إلى ثنائيات تنطلق من مقولات دينية فقط وتقوم أساسا على فكرة الحرام والحلال قبل تعلّم الصواب والخطأ.

20