رفعت السعيد يساري هزمته شهوة التمسك بكرسي رئاسة الحزب

السبت 2015/01/03
رفعت السعيد معارض مبارك وعدو الإخوان

لم يشفع له تاريخه السياسي ولم توفر له سنوات عمره التي قضاها خلف القضبان، درعًا واقيًا من سهام النقد التي يوجهها له شباب حزب التجمع اليساري الذي يتربع على رئاسته، وثار ضده الشباب مع قيام ثورة 25 يناير 2011، رافضين تمسك رئيس الحزب “المعارض” بمقعده، في الوقت الذي تطالب مصر كلها بالتغيير، عقب الإطاحة برئيس الدولة نفسه، وذلك بعد أن تخطت مدته ثماني سنوات.

اليسار يقف اليوم مكتوف الأيدي، على الرغم من الاختبار الشعبي الصعب، الذي تخوضه الأحزاب في الانتخابات البرلمانية، قبل نهاية مارس المقبل، وهو ما دفع الكثير من الشباب في ذلك التيار إلى طرح السؤال الصعب، من الذي حول الحزب الأعرق في عهد مبارك إلى مجرد ديكور سياسي، يرضى بالفشل في الانتخابات التعددية، ولا يحصد، في أغلب الأحيان، أكثر من مقعد واحد في كل محافظات الجمهورية، ويسعد بمقعد واحد أيضًا في مجلس الشورى، وهو المقعد الذي كان يمنح لرئيس الحزب بالتعيين، من قبل الرئيس الذي يفترض أن الحزب يسعى لإسقاطه ديمقراطيًا ليحكم مكانه؟

الأحداث والأسئلة الصعبة الكثيرة، وضعت رئيس حزب التجمع الدكتور رفعت السعيد في مأزق، بعد أن وصل الأمر إلى إعلان شباب الحزب اللجوء إلى الاعتصام، حتى رحيل ذلك الرجل الذي عاصر الأحداث واعتصرته التجربة طوال عشرات السنين، عايش خلالها العهد الملكي وخمسة رؤساء.

رفعت السعيد، اضطرته الظروف إلى الانصياع للحالة الثورية داخل حزبه، والإيمان بحق التغيير، فأخلى منصب الرئيس في أول انتخابات، لكنه رفض الرحيل نهائيًا، بالتوصل إلى صيغة توافقية بمقتضاها استحدث الحزب ما يسمى بالمجلس الاستشاري للحزب ترأسه بنفسه، لكن مع مرور أكثر من عامين على تشكيل المجلس، لم يفلح أحد في إفاقة اليسار من غيبوبته، وهو ما ترك مساحة للتيارات المتاجرة بالدين للتحرك في الأوساط الشعبية.


خلف القضبان


قضى السعيد الكثير من سنوات عمره خلف قضبان السجون والمعتقلات، بسبب ممارسة السياسة، وكتاباته التي هاجم خلالها الأنظمة الحاكمة، لكن تجربته مع المعتقلات بدأت مبكرًا بشكل لا يصدق، حيث تم اعتقاله وهو لايزال في الخامسة عشرة من عمره، فوقف أمام وكيل النائب العام بالشورت، فقال المحقق للضابط: “أنتم جايبين لنا عيال”، لكن صغر سنه لم يشفع له، كما لم يشفع له كبر سنه تجنيبه الحساب السياسي من شباب حزبه.

لحظة ميلاد السعيد كانت في مدينة المنصورة بدلتا مصر، في اليوم الذي بكت فيه مصر أمير شعرائها أحمد شوقي 11 أكتوبر 1932، وشب وسط أسرة ميسورة، لجد ورث ورشة ميكانيكية عن أبيه، الأولى من نوعها في الوجه البحري والأقدم في المدينة منذ عهد محمد علي في تصنيع الآلات الزراعية، وكانت تلك الورشة محور حياة الأسرة كلها، ومصدر رزقها.

مع الدعوة إلى مظاهرات الـ 25 من يناير العام 2011، التي تحولت إلى ثورة باستجابة الملايين لها، يخرج السعيد ببيان يرفض فيه التظاهر في ذلك اليوم

السياسة كانت مصدر إزعاج للسعيد منذ الصغر، فاعتقل في عهدي جمال عبد الناصر والسادات أكثر من مرة، أما مع نظام مبارك فقد طالته بعض الاتهامات بالمهادنة، وعثر السعيد على الكنز مبكرًا تمثل في مكتبة كبيرة تضم أمهات الكتب تركها جده بعد وفاته فاستحوذ، وهو ابن الثالثة عشرة، على الكثير منها، فكانت سببًا في تكوين شخصيته الثقافية.

الرجل الذي يعمل في السياسة منذ أكثر من أربعين عامًا، كانت أمه تكره تلك الكلمة التي أودت بحياة أبيها عوض سلامة، تاجر القطن الذي كان ينتمي إلى حزب الوفد، حيث لقي حتفه في مظاهرة للمطالبة بالدستور في العام 1930 بالتزامن مع الزيارة الشهيرة لمصطفى النحاس باشا رئيس الوزراء في ذلك الوقت للمنصورة، فانتهت بمأساة وصدام عنيف مع الشرطة، وأصابته رصاصة أودت بحياته، إلا أن حكومة الوفد عندما عادت إلى السلطة في العام 1936 أنشأت نصباً تذكارياً لشهداء هذه المظاهرات، فكانت أمه تصحبه كل جمعة لقراءة الفاتحة عند النصب التذكاري.

هذه الحادثة كانت لها بالغ الأثر في نفس السعيد الذي أكد لـ “العرب”، أن الحادث كان أحد الأسباب التي جعلته يعمل في السياسة، حيث كان ناقمًا على كل سلطة وحاكم، مما فعلته حكومة إسماعيل صدقي التي جاءت سنة 1946 وأمرت بتدمير النصب التذكاري، وكان سبب تدمير النصب التذكاري أن إسماعيل صدقي هو الذي أمر بإطلاق النار على المتظاهرين الذين كان بينهم جده، فقتلوا، ومع سقوط تلك الحكومة تم تكريمهم بنصب تذكاري.


الاتهام بالشيوعية


الشيوعية كانت أول اتهام طال رفعت السعيد وكان عمره 15 عامًا، عندما تفجرت مظاهرات مساندة للفلسطينيين، فهاجم التلاميذ محل عزرا دويك الحلواني وهو يهودي مصري، وعندما وقف رفعت وعددا من زملائه يمنعون حجارة زملائهم عن صاحب المحل، رصدته عينا مخبر سري متهمتين إياه بالانتماء إلى الشيوعية التي كان ينادي فكرها بالفصل بين الصهيونية كحركة واليهود كديانة، فألقت المباحث القبض عليه، إلا أنه أخلي سبيله من سراي النيابة بلا ضمانات لصغر سنه، فأصدر رئيس المباحث أمر اعتقاله بتهمة الانخراط في خلية شيوعية سرية.

الظروف تضطره إلى الانصياع للحالة الثورية داخل حزبه، والإيمان بحق التغيير، فيخلى منصب الرئيس في أول انتخابات، ولكنه يرفض الرحيل نهائيا

لا يزال رفعت السعيد يؤمن بأن منظمات الهجرة الصهيونية استهدفت تهجير اليهود العرب عامة والمصريين خاصة خارج أوطانهم، ومن ثم توظيفهم في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، ومن سافروا إلى أوروبا، أيضًا، وألقى السعيد باللوم على الحكومات العربية، لأنه، حسب رؤيته، كان يجب عليها حماية من يرغب في البقاء في وطنه، فشخصية مثل المحامي شحاتة هارون وطنية مع أنه يهودي مصري رفض الهجرة، وأوصى بناته بألا يحضر أي إسرائيلي الصلاة على جثمانه بعد موته، وابنته ظلت في مصر وتولت فيما بعد رئاسة الطائفة اليهودية في مصر.

في المعتقل، تعلم الصبي الكثير وتلقى دروسًا رسخت في وجدانه، فخرج ليواصل العمل مع الشيوعيين وتولى مهمة تجنيد أعضاء جدد، ومع بدء منظمة “حدتو” في توسعة نشاطها عام 1952 وتفجر العمل الفدائي، سافر شيوعيون إلى مدن القناة لمقاومة الاحتلال البريطاني، وتفجرت المظاهرات في القاهرة والمنصورة، بعد مذبحة قوات الأمن في الإسماعيلية لعدم رضوخ الشرطة المصرية للاحتلال، وانفجرت المظاهرات في المنصورة تطالب بالانتقام، وبينما كانت القاهرة تحترق صباح 26 يناير 1951 كانت هناك حملة اعتقالات واسعة لمختلف القوى السياسية، وفرضت الأحكام العرفية واعتقل المئات، فاعتقل السعيد للمرة الثانية، لمدة شهر.

عقب ثورة 1952 طلب الرئيس عبدالناصر، مقابلة شباب الطليعة، وكان رفعت السعيد من المدعوين، وعندما جاء دوره في الحديث قال للرئيس: “حضرتك أفرجت عن الناس وقلت خذوا التنظيم الطليعي واشتغلوا فعندما اشتغلنا تم اعتقال الناس لعقدهم اجتماعات، فماذا نفعل، قال: “اتصرفوا أحمل صليبك على كتفك مثل سانتيفر بمعنى أنك ستظل خاطئاً مدى حياتك”، وهو ما وصفه السعيد بالموقف الصادم.

في العام 1959 سجن رفعت السعيد خمس سنوات بحكم صدر عن المحكمة العسكرية بتهمة التخطيط لقلب نظام الحكم، لكن الطريف أنه خرج بعد ذلك وهو يجيد التصالح مع الأنظمة، فعمل مع الرئيس أنور السادات عندما كان نائبًا لرئيس الجمهورية، في إعداد المؤتمرات الدولية، ويرى السعيد في السادات أنه “سياسي محنك وداهية”، يرضي الجميع بالكلمات المعسولة ويفعل ما يشاء.


معارضة مستأنسة


السعيد يرى أن عبدالناصر كان صادما بينما كان السادات عبقريا يظهر عكس ما يبطن ومبارك كان يتجسس على معارضيه

في عهد مبارك بدأ السعيد في لعبة المعارضة المستأنسة، القريبة من النظام، ليكون في مأمن من البطش، فنال عن ذلك مكافآت سياسية، تمثلت في تعيينه نائبًا بمجلس الشورى لسنوات عدة وحتى آخر مجلس، الذي حل مع قيام ثورة 25 يناير، على الرغم من علمه بمساوئ النظام وفساده وتنصته على معارضيه، حيث اعترف هو شخصيًا بالوقائع قائلًا:”أحزاب المعارضة تحت السيطرة وما زالت حتى الآن”.

تأكيدًا على المعارضة الشكلية دون تحركات فعلية تسهم في تداول السلطة، وحتى مع الدعوة إلى التظاهر في 25 يناير 2011، التي تحولت إلى ثورة باستجابة الملاييين لها، خرج السعيد ببيان رفض فيه التظاهر في هذا اليوم، وقال: “كان كمال الشاذلي (القيادي السابق بالحزب الوطني) يصادر حق المعارضة في البرلمان فسألني صحفي عن رأيي فقلت هذه بلطجة سياسية وأنا عارف أنك لن تستطيع أن تنشر ذلك، ولم ينشرها الصحفي لكنه نقلها إلى الشاذلي، الذي نقل ذلك إلى مبارك، فاستدعاني وخالد محيي الدين، وأول ما جلسنا فتح الباب، ودخل مجموعة من المصورين، فقلت لمبارك : ‘سعادة الرئيس نحن لا نريد التصوير’، فأمره بالخروج، وقال له مبارك: ‘أنت لا تريد أن تتصور مع رئيس مصر؟’”.

احتار السعيد في هذا الموقف المحرج للغاية، ورد على مبارك بالإيجاب، وقال: “أريد، لكن أنا والأستاذ خالد حضرنا للحديث بقدر كبير من الصراحة، وغير ممكن أن نتكلم معا بصراحة والكلام سيحوي انتقادات، ثم ينتقل الكلام إلى الخارج”.

خرج السعيد من المعتقل في عهد السادات وعمره 35 عاما، وما زال في الصف الثاني من الجامعة بكلية الحقوق، ليواصل بعد ذلك دراسته والعمل السياسي حتى حصل على درجة الدكتوراه من ألمانيا، عن تاريخ الحركة الشيوعية، ليعود مرة أخرى إلى المعتقل عام 1978، بسبب كتابته مقالا اعتبر فيه الرئيس السادات أنه يمثل إساءة لزوجته جيهان وحمل المقال عنوان “يا زوجات الرؤساء اتحدن”.

تأسس حزب التجمع اليساري عام 1976 عندما أعاد السادات الأحزاب، وترأسه خالد محيي الدين أحد الضباط الأحرار، وقاد معارضة شرسة ضد الرئيس السادات عقب توقيعه اتفاقية كامب ديفيد، ومع رحيل خالد محيي الدين عام 2005، تولى رفعت السعيد رئاسة الحزب حتى أطيح بالسعيد في انتخابات الحزب عام 2013.


ديكور سياسي


حكومة إسماعيل صدقي تهدم نصبا تذكاريا لجده فيتمرد على السلطات ويقرر العمل في السياسة

قاوم السعيد مطالب شباب الحزب بالتغيير، وسط انتقادات من زعامات بالحزب، متهمين إياه بالانحراف بمسار الحزب والإضرار بشعبيته، من حزب معارض قوي في عهد السادات إلى مجرد ديكور في عهد مبارك، الأمر الذي دفع عدد من قيادات الحزب وشبابه إلى الانشقاق وتأسيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي.

ورغم اتهامات مهادنته لنظام مبارك، فلا يستطيع أحد من معارضيه إنكار أنه كان محاربا شرسا لأفكار جماعة الإخوان، التي ثار عليها الشعب المصري في 30 يونيو 2013، ووضعتها الحكومة المصرية على قوائم التنظيمات الإرهابية، فالسعيد، له العديد من المؤلفات الكاشفة لظلامية فكر تنظيم الإخوان، وتورطه في جرائم العنف منذ تأسيس حسن البنا للتنظيم، ومن تلك المؤلفات “ضد التأسلم” و”حسن البنا متى كيف لماذا؟”.

لكن السياسي الذي اعتقل طفلا، وصل إلى محطة الهزيمة في حزبه، والانتصار على الإخوان خصمه اللدود، فهل سينتصر هو ومجلسه الاستشاري في الانتخابات المقبلة ليعيد اليسار شغل المساحة الفارغة في ملعب السياسة، خاصة وأن اليمين الديني بات منبوذا، أم سيواصل الفشل؟

13