رفعت العقوبات ولم ترفع سطوتها.. هل وقّعت إيران على سراب

جنت إيران على نفسها، هذا ما يمكن استنتاجه من تطورات رفع الحصار الدولي على إيران. فقد استطاع النظام الوصول إلى اتفاقات تمكنه من الحصول على الحد الأدنى للحياة، لكن دون الحصول على تحرير مطلق لاقتصاده، ويكمن السبب دائما في أن آليات الاقتصاد الإيراني مرتهنة بيد عناصر نافذة في النظام خاصة ضباط الحرس الثوري.
الأربعاء 2016/05/25
محاولات يائسة لجلب الاستثمار

طهران - بدأت الآمال في عودة إيران للاندماج بسرعة في الأسواق العالمية بعد اتفاقها النووي مع القوى الدولية وجلب الاستثمارات وإتاحة الفرص أمام الشباب تتحول إلى شعور بالإحباط، والسبب في ذلك هو الغموض الذي يكتنف مناخ الأعمال في إيران وعدم وضوح الصورة السياسية في الولايات المتحدة الأميركية.

وتعج فنادق طهران برجال الأعمال الحريصين على اقتناص شريحة من سوق ناشئة جديدة كبيرة في إيران، والتي تعتبر الأكثر تطورا من الناحية الصناعية من أغلب الدول الغنية بالنفط والغاز لكنها معزولة منذ الثورة الإسلامية التي قامت عام 1979 وحولت إيران إلى دولة منبوذة من معظم الدول الغربية وكثيرين من جيرانها في الشرق الأوسط. فالمسألة ليست اقتصادية فقط بل هي بالأساس تعود إلى طبيعة النظام الذي ينزع نحو التوسع إقليميا على حساب أمن جيرانه وأمنه الداخلي أيضا.

ومع ذلك فقد اكتشف المستثمرون الأجانب أن رفع العقوبات الدولية مقابل فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني ليس إلا جانبا واحدا من الحكاية.

الخوف من الانفتاح

من العوائق التي تحول دون دخول المستثمرين مقاومة من المتشددين داخل إيران، إذ يخشون أن يؤدي الانفتاح على العالم إلى تقويض مصالحهم الراسخة بالإضافة إلى سريان الخوف بين المستثمرين الأجانب من مخالفة عقوبات أميركية لا تزال سارية على إيران.

وتؤكد تقارير داخلية ودولية أن الطرف الأساسي الذي كان مستفيدا من الحصار هو عناصر الحرس الثوري الإيراني الذي استغل الحصار ليؤسس تجارة كاملة لصالحه ويدعم المكاسب الاقتصادية الأخرى التي تحت يديه.

وبمقتضى الاتفاق النووي رفعت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات دولية في يناير كانون الثاني الماضي، ومن العقوبات الأميركية التي لا تزال سارية حظر على المعاملات بالدولار المتصلة بإيران والتي تمر عبر النظام المالي الأميركي وكذلك العقوبات المفروضة على أفراد ومؤسسات بعينها على أساس أنها تدعم “الإرهاب الذي ترعاه الدولة”.

لكن في المقابل، رفع الحصار أو جزء منه يضمن لإيران الحد الأدنى من التحرك الاقتصادي في الحين الذي تبحث فيه إيران عن رفع تام للحصار وهذا ما يمثل مشكلا حقيقيا في انتعاش اقتصادي يكون مقترنا بالتسلح ومحاولات الوصول إلى قنبلة نووية إيرانية.

سعيد ليلاز: أصحاب المصالح أصبحوا أثرياء بسبب الأزمة الاقتصادية وهم لا يريدون رفع العقوبات

والهدف الرئيسي من العقوبات التي ترمي إلى محاربة الإرهاب هو الحرس الثوري وهو القوة التي تنفذ من خلالها المؤسسة الدينية استراتيجيتها في الداخل وتمثل قوتها الضاربة في الخارج، كما أن الحرس الثوري يقف وراء إمبراطورية أعمال تغطي قطاعات من الإنشاءات إلى البنوك وقد اكتسب خبرات كبيرة في إخفاء دوره.

ويخشى المستثمرون والبنوك الأجنبية الكبرى أن يؤدي تحرك أميركي إلى إخراجهم من النظام البنكي العالمي إذا ما أجروا تعاملات حتى ولو عن طريق الخطأ مع مؤسسات خاضعة للعقوبات.

ويقول محللون إيرانيون ومديرون تنفيذيون أجانب إن ما يزيد الغموض في هذه الفترة هو صعود نجم دونالد ترامب الملياردير الأميركي الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى من الفوز بترشيح الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة هذا العام بعد أن هدد بتمزيق الاتفاق النووي مع إيران، وحتى دون هذا العنصر الغامض تجد الأطراف الساعية لإبرام اتفاقات الأبواب مغلقة أمامها.

أملاك الحرس الثوري

ويقول تنفيذيون أجانب يسعون لإبرام اتفاقات في إيران إنهم عندما يتفحصون حقيقة ملكية الشركات التي يتواصلون معها يكتشفون في الكثير من الأحيان صلات تربطها بالحرس الثوري.

ويقول كلود بيجل الرئيس التنفيذي لشركة سيمبيو سويس المتخصصة في اللوجستيات والبنية التحتية إنه وجد أن مشروعا استكشافيا واحدا كشف عن وجود صلات من هذا النوع.

وقال في إشارة للحرس الثوري “أجرينا كثيرا من الفحوص اللازمة وتوصلنا إلى أن أسماء المؤسسات التي تظهر على قائمة العقوبات الخاصة بمكتب الرقابة على الأصول الأجنبية (التابع لوزارة الخزانة الأميركية) تعود ملكيتها إلى ضباط كبار في تلك المؤسسة المسلحة التابعة للمرشد الأعلى”.

وأضاف "عندما تتفحص هيكل الملكية في المستوى الثاني أو الثالث تجد أن الملاك الحقيقيين عسكريون". وتابع “في أحيان كثيرة جدا عندما تتفحص شركات إيران الناجحة يمكنك أن ترى ذلك.

وما لم تكن هذه الشركات مستعدة لتعديل هياكل مجالس إدارتها فسيكون من الصعب جدا تدبير تمويل دولي للعمل مع مثل هذه الكيانات”.

وتتمثل المشكلة الرئيسية للمستثمرين الأجانب المحتملين في الخوف من أن يسفر اتصال حتى ولو عن غير قصد بطرف إيراني تسري عليه العقوبات عن فرض عقوبات ضخمة من جانب وزارة الخزانة الأميركية تمنعهم فعليا من العمل من خلال الأسواق المالية الأميركية وهو عامل قوي مثبط لأي نشاط تجاري له وجود عالمي.

ويقول الكسندر جورجينيا الذي شارك في وفد الأعمال الألماني الثاني الذي يزور إيران منذ أغسطس 2015 “المشكلة الكبرى هي البنوك”.

مجرد شعارات

ورغم أن الشركات والبنوك قد تحظى بموافقة ألمانية على العمل في إيران فإن مكتب الرقابة على الأصول الأجنبية الأميركي يحمّل الشركة الأجنبية مسؤولية التحقق مما إذا كانت الشركة الإيرانية نظيفة.

وقال جورجينيا “على الشركة الأجنبية أن تتحقق من الشركة الإيرانية وما إذا كانت تربطها صلة بالحرس الثوري الإيراني أو بجزء منه”.

وأضاف “عليها أن تتحرى تعاملات الشركة والطريقة التي تعمل بها وراء الكواليس، وعلينا أن نتعامل مع شركات لديها أموال في جيوبها وأغلبها جزء من الحرس الثوري، هذا ما توضحه لنا معلوماتنا”.

ويشكو عدد من المستثمرين الآخرين من أن الشركات الأوروبية تشعر بأن كل هذه اللوائح جزء من خطة تنفذها الإدارة الأميركية لمنع إبرام الأعمال بين أوروبا وإيران. ويكمن جزء من المشكلة في أن وحدات من الحرس الثوري تتدخل في عدد من الحروب في الشرق الأوسط.

ففي العراق تقف إيران في صف الولايات المتحدة في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، لكنها تقف في سوريا موقفا مغايرا مع روسيا لدعم حكومة الرئيس بشار الأسد.

وفي اليمن تؤيد طهران تمرد الحوثيين الشيعة الذي دفع المملكة العربية السعودية في العام الماضي لشن حرب جوية عبر حدودها

الجنوبية. ولا يتوقع أحد تقريبا أن تخفف الولايات المتحدة عقوباتها على الحرس الثوري وامبراطوريته الاقتصادية في ضوء ذلك.

خوف بين البنوك

ورغم أن رجال الأعمال الغربيين يفترضون عموما أن نظراءهم الصينيين والروس سيكونون أقل اكتراثا بالعقوبات الأميركية فقد أشار مدير تنفيذي صيني في طهران طلب عدم نشر اسمه إلى أن البنوك الدولية ترفض التعامل مع إيران حتى الآن خشية إغلاق أسواق المال الأميركية في وجهها.

وأشار المسؤول الصيني الذي يمثل شركة لمعدات النفط والغاز إلى أنه زار إيران عدة مرات بعد الاتفاق النووي لكنه لم يوقع اتفاقا واحدا حتى الآن.

وقال إن أغلب الشركات الإيرانية “ليست لديها أموال لدفعها” رغم الطلب الواضح على معدات الحفر التي يعرضها عليها، ويضيف “يطلبون من البائعين توفير التمويل. لكن هذا مستحيل لأنه لا يوجد في العالم أي بنك أجنبي يجرؤ على إبرام صفقات مع بنوك إيرانية لأنه خائف، إلى حد أن تشرع البنوك الكبرى في إبرام صفقات غير أن البنوك الأوروبية مازالت خائفة من البنوك الأميركية”.

ويشكو قادة إيرانيون من أنهم تعرضوا للخديعة في ما يتعلق بتخفيف العقوبات مقابل الاتفاق النووي لأنهم كانوا غير نزهاء حسب مراقبين.

وقال آية الله علي خامنئي الشهر الماضي “على الورق تسمح الولايات المتحدة للبنوك الأجنبية بالتعامل مع إيران لكنها في الواقع العملي تخلق خوفا من إيران حتى لا يبرم أحد صفقات معها”.

ويقول بيجل المدير التنفيذي السويسري إن الرئيس حسن روحاني طلب من رئيس سويسرا خلال زيارة لطهران في وقت سابق من العام الحالي الضغط حتى تبدأ البنوك السويسرية تمويل عمليات أجنبية في إيران.

ويضيف “لكن بالطبع لا يمكن للحكومة السويسرية أن تأمر شركة خاصة بأن تفعل ذلك، يمكنها الإشارة إلى أنها ستعتبر ذلك خطوة إيجابية بل ويمكنها أيضا النظر في بعض الضمانات لكنه في نهاية الأمر قرار البنك نفسه”.

تطرف أيديولوجي

وثمة عقبات أخرى فالحرس الثوري ومراكز قوى أخرى كونها المتشددون المحيطون بخامنئي يشعرون بالعداء تجاه دخول الاستثمار الأجنبي إلى الاقتصاد الإيراني وذلك نتيجة عقد أيديولوجية لا يزال المسؤولون الإيرانيون يعانون منها منذ الثورة.

وقد قدم خامنئي الذي تفوق سلطاته صلاحيات المسؤولين المنتخبين في البرلمان والرئاسة تأييده للاتفاق النووي الذي عزز وضع الرئيس روحاني المنتمي لتيار الوسط الإصلاحي.

واستطاع روحاني بالتحالف مع الإصلاحيين والمحافظين المستقلين انتزاع السيطرة على البرلمان من المتشددين في الانتخابات التي أجريت في فبراير- شباط.

ويعتقد بعض حلفائه أن هذا سيسهل على الحكومة استحداث قوانين لتحسين مناخ الأعمال، لكن الأمر يبدو صعبا نظرا لارتهان المؤسسات الاقتصادية بقرارات عناصر نافذة في الحرس الثوري، المؤسسة الأيديولوجية المركزة التي تحافظ على بقاء نظام أشبه بالنظام الفاشي.

قادة إيرانيون يشكون تعرضهم للخديعة في ما يتعلق بتخفيف العقوبات مقابل الاتفاق النووي والسبب أنهم كانوا غير نزهاء

ومع ذلك فقد أقر البرلمان قبل أربع سنوات قانونا يهدف إلى تقليص دور الدولة في الاقتصاد وفرض لوائح ذات مصداقية وضمانات للمستثمرين وحمل مؤسسات مثل الحرس الثوري على سداد الضرائب، ولكن في نهاية المطاف لم ينفذ هذا القانون.

ويعتقد بعض المحللين الإيرانيين أن روحاني يجسد التوقعات الشعبية التي يبدو أن مراكز القوى المرتبطة بالحرس الثوري عازمة على إحباطها لأن العقوبات مكنتها من تحقيق السيطرة على الاقتصاد والاحتفاظ بها. وهذا ما يمثل جوهر المعضلة في بنية النظام الإيراني، ففي النهاية يؤكد جل المراقبين أنه لا نظام سياسيّا في إيران بل إن الأمر لا يعدو سوى أن يكون قرارات ممركزة بيد المرشد الأعلى ينفذها ضباط كبار في الحرس الثوري.

ويقول سعيد ليلاز الاقتصادي الذي تربطه صلة وثيقة بروحاني “هناك جماعات كثيرة من أصحاب المصالح أصبحت ثرية للغاية بسبب الأزمة الاقتصادية وهي لا تريد رفع العقوبات”.

والقصد من الجماعات التي لها مصالح هو الحرس الثوري الذي استطاع بناء منظومة اقتصادية سوداء تقوم على التهريب والاقتصاد غير الرسمي وغير المعلن، وقد تأسست تلك المنظومة على الدعاية الدينية الإيرانية في أنها ربطت مسارات تجارية مع الجماعات الشيعية المحيطة في المنطقة العربية على أساس طائفي، وهذا ما يفسر شدة تمسك النظام الإيراني بحلفائه في المنطقة العربية لأنهم يمثلون متنفسا اقتصاديا له محاولا بذلك التفرغ لبناء قوة نووية موجهة ضد أمن المنطقة العربية.

وكان ليلاز قد دخل السجن بعد حملة القمع التي شنها متشددون لإخماد الاحتجاجات على انتخابات الرئاسة التي تردد أنها تعرضت للتلاعب وأسفرت عن فوز محمود أحمدي نجاد بفترة ولاية ثانية عام 2009.

وقال ليلاز إنه لا يقلل من حجم عداء مراكز القوى لمزيد من الانفتاح الاقتصادي. وأضاف “أعتقد اعتقادا جازما أن شطرا واضحا من النظام استفاد من مشروع خلق العقوبات ضد إيران لإخفاء سوء الإدارة والنهب المنظم للثروة الاقتصادية”، وتابع أنه لتغيير المناخ العام للأعمال في البلاد لابد من اتفاق الزعيم الأعلى والحرس الثوري والنظام القضائي على ذلك.

وقال “هذه عناصر في غاية الأهمية لجذب الاستثمار الأجنبي، فتأييد البرلمان وحده لا يفلح على الإطلاق. ولهذا السبب ليس لدي تفاؤل كبير بذلك”.

ويقول حسين زغفار أستاذ الاقتصاد بجامعة الزهراء في طهران إن الاقتصاد الإيراني أرغم على الركوع من خلال سوء الإدارة أكثر منه بسبب العقوبات. وبذلك فقد جنت إيران على نفسها بهذه السياسات وأدت بالمنطقة إلى الاضطراب الذي سوف يكلف إيران الكثير.

6