رفعت سلام شاعر الفوضى المصرية الفريدة

الشاعر المصري رفعت سلام.. مبدع بدرجة مشاكس ومترجم بدرجة صيّاد لؤلؤ.
الخميس 2020/08/13
شخصية ثقافية مستقلة

هو شاعر يؤمن بدور الكلمة التفجيرية إلى أبعد حد، واثق بأن الثقافة هي الوقود الحقيقي للثورات والحركات الإصلاحية الكبرى. وهو دائما صاحب وجه واحد واضح، يحافظ عليه جيدا في الفراغ وفي الزحام، حتى وإن سُمّي الاعتزال خارج حظيرة التدجين انسحابا، واعْتُبِرَ الرفضُ خروجا عن النسق، وَوُصِفت المعارضة بأنها جريمة.

رفعت سلام، الشعر لديه مغامرة وجرأة وتجريب وتحليق في المجهول، مثلما أن الحياة مخاطرة وتحرر من مفسديها وتمرّد على مستعمريها وواضعي قيودها لأغراض نفعية دنيئة. أما الترجمة التي مارسها طويلا باصطبار واقتدار، فإنها ذلك البناء الشاقّ المنهك، في عالم ورقيّ هشّ، من أبرز أسمائه: العبث، والدمار، والانهيار.

من رحم الألم، اعتاد الشاعر المصري رفعت سلام صياغة الأمل، فقصائده على امتداد دواوينه الزاخمة تعتصر الوجع الإنساني ومرارة الواقع منتجة رحيقها الذي يُعين على المقاومة وتطبيب الجروح. وهو في محنته المرضية الأخيرة (حيث يُعالَج من سرطان الرئة) قَبِلَ التحدّي بروح وثّابة منضمًّا إلى كتيبة مُحاربي المرض العُضال: “سأتجاوز المحنة بإذن الله، جاعلا مرضي دعما لمن يصيبهم ابتلاء”.

كذلك الحال في إصغائه المتأني لصرخة “الفلاح الفصيح” في التاريخ المصري القديم، فهو لم يتوقف إلا عند ما هو إيجابي مثمر، حيث لا تحمل الصيحةُ العاليةُ معنى الانهزامية، وإنما تعني لديه المُطالبةَ المستمرّةَ بالعدل، وأن يصير الحاكمُ والميزانُ كيانا واحدا في وطن منشود، وفي حلم مؤجل لكنه ليس احتمالا ملغيا.

الإبداعي والسياسي

رفعت سلام، شخصية ثقافية مستقلة، يصعب المساس بها، فعلى الرغم من عدم توافقه مع المؤسسة الرسمية وانحيازه الدائم إلى صوت الانتقاد البنّاء والمعارضة المُسَبَّبة، فرضت أعماله المهمة من إبداعات شعرية وترجمات حضورها على دور النشر الحكومية والخاصة، كونها لا يمكن تقزيمها أو تهميشها أو تجاهلها، إلا أن الدولة لم تمنحه جوائزها، لأنه ليس من الأدباء الممالقين ولا الإعلاميين المهادنين المرضيّ عنهم.

شاعر منفتح بالكتابة، على قضايا مجتمعه وأحوال بلاده
شاعر منفتح بالكتابة، على قضايا مجتمعه وأحوال بلاده

درس سلام الصحافة في جامعة القاهرة، وعمل صحافيًّا بوكالة أنباء الشرق الأوسط حتى إحالته إلى التقاعد، واكتفى الرجل بجوائز إبداعية دولية مرموقة، من قبيل جائزة “كفافيس” للشعر عام 1993، وجائزة أبي القاسم الشابي عام 2019.

رسم لذاته مسلكًا منفردًا منذ بداياته، برفضه الانضمام المباشر إلى التنظيمات السياسية، على الرغم من احتكاكه الملموس باليسار واقترابه من شخصياته البارزة خصوصا المبدعين والنقاد، لكنه آثر المواجهة الفكرية لا السياسية من خلال الصوت الإبداعي الفردي، الذي يراه أقوى من التحزب والتكتلات والحركات الزاعقة على الأرض.

لكن، في ميدان الأدب المجرّد، انخرط سلام في شبابه في كل ما هو تأسيسي، حيث أسهم مع رفقاء جيل السبعينات من الشعراء المصريين في إصدار مجلة “إضاءة 77”، ومن بعدها مجلة “كتابات”، وحملت هذه الدوريات مانفستو الكتابة الجديدة لهذا الجيل الذي يعد سلام من علاماته، وقد اتخذ هذا الجيل من الشاعر محمد عفيفي مطر أبا روحيا.

وأحدث سلام ورفاقه إزاحة جذرية لقصيدة الستينات القومية المستقرة، المتشبثة بالقضايا الكبرى والشعارات والأحلام الجماعية، في لحظة باتت ملائمة للتشظي وتعدد الأنا الداخلية وخفوت اليقين والمطلق وسيادة المجازات المراوغة واللغة الفضفاضة كتوصيف للمتاهات.

كانت هذه الطبيعة القلقة التي تحكم تجربة سلام ونفسيته، وتلك النزعة إلى الخصوصية وتغليب قناعات الذات في الكتابة وفي استشراف الحياة بالكامل، وراء عدم تحمله روتين المهام الحكومية المسندة إليه بشكل مؤقت، ومن ثم فقد لجأ إلى الاستقالة من رئاسة تحرير سلسلة “آفاق عالمية” المعنية بالترجمة، التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة في عام 2017، معللا استقالته بالروتين والبطء في نشر الأعمال وتعمّد التدخل من جانب مسؤولي إدارة النشر في صلاحيات عمله.

ووصف هذه الأفعال بأنها جريمة ثقافية لا يمكن التواطؤ عليها، والمشاركة فيها، بأي شكل من الأشكال، وأنها “تكشف عن جهل مُزر من جانب مسؤولي النشر باللوائح المنظمة للعمل، وعدم فهم لحدود وطبيعة مسؤولياتهم الوظيفية، فضلا عن التحرش البيروقراطي الجِلف والمبتذل، بما لا تليق ممارسته في العمل الثقافي”.

شعرية الخوض

شاعر لا ينتقي الشكل وإنما يترك للنص السائل حرية الاختيار
شاعر لا ينتقي الشكل وإنما يترك للنص السائل حرية الاختيار

“مَأتَمُ القَريَةِ، أفوَاجُ المُعَزِّينَ، انتِظَار/ تَكنُسُ الرِّيحُ الحَوَارِي وَالأزِقَّةَ/ تَخلَعُ الفَتَيَاتُ أثوَابَ الزِّفَافِ، وَتَلبَسُ القَريَةُ أحزَانَ الحُقُول، وَتَرحَلُ الآن”.

منذ ديوانه الأول عام 1987، انحاز رفعت سلام إلى الوردة، كرمز للجمال، لكن وردته مختلفة بطبيعة الحال، فهي “وردة الفوضى الجميلة”، حيث ذلك العطر المتطاير في الأزمنة والأمكنة كرائحة الشتات، والدُّوار الأبديّ الذي دفعه إلى أن “يرعى الشياه على المياه”، مشحونا بتوترات ذاته وذبذباتها من مطلع الهاوية إلى نهاية الأرض.

شعرية صاحب “الإشراقات” الخوض في المستحيل، والسعي إلى المضي قدما عكس اتجاه الريح، ربما إلى المستقبل البعيد، أو “إلى النهار الماضي”، عنوان أحد مؤلفاته الشعرية. وفي ديوانه “هكذا تكلم الكركدن”، التقى الشاعر والفيلسوف، ليستحضرا معا تاريخ الإنسان البدائي، ذلك الكائن النقي الذي لا يراه سلام ماضويا ولا منقرضا، لكنه الفعل الحيّ المستمرّ، الذي يعين الحواس على التصدي للعالم الراهن الزائف. وهذا “الخوض” الذي يؤمن به الشاعر، هو ببساطة  الاقتحام، والمبادرة، وهو ضد الانتظار الذي لا يقترح من الحلول سوى النسيان، فالتاريخ يكتبه الفاعلون؛ لا المنتظرون والساكنون.

هكذا، لا يتجزأ الزمن لدى سلام، ولا تنسلخ منجزاته المتراكمة في الوعي والضمير من الكينونة الإنسانية الحاضرة رغم الشروخ، وفي هذا التجدد معنى الحياة، وسرّها الذي يثري الإبداعات والفنون، وعلى رأسها الشعر، الذي يخاطب الجوهر والطبقات الداخلية العميقة.

ولأن قصائده بهذا المستوى من الحشد، فقد جاءت منفتحة على تراكيب متشابكة، وتنويعات متلاحمة، كجداريات بصرية كبيرة، ففيها أصوات متعددة، يحاور بعضها البعض، ورسوم متداخلة، وإيقاعات موسيقية متباينة، تفعيلية وغير تفعيلية، وأجناس شعرية ونثرية شتى، وعوالم وحقول ومفردات متنافرة، كما قد تنقسم الكتابة إلى متن وهامش، وأبناط طباعية متفاوتة الحجم مختلفة الأشكال.

قصيدة سلام، التي يراها البعض ذات بنية معقدة، هي بمنظوره انعكاس تلقائي لذات مشوّشة وعالم بات أكثر تعقيدا وغموضا، فهو كشاعر لا ينتقي الشكل، وإنما يترك للنص السائل حرية اختيار وعائه وقالبه، وكأنما تكتب القصيدة ذاتها بذاتها، وتندلق الحروف على الورق، فيما الشاعر يترقب، ويتوقع، ويتعجب.

وحين يتدخل صياغيا فإنه يتدخل بحذر، متحللا قدر جهده من القصدية والوعي والإرادة، التي تقتل عفوية التدفق. ويبقى الرهان الأهمّ على الشعرية الخام، والقدرة على التكثيف والاختزال والاستقطار، بغض النظر عن طول النص أو قصره، وتعددية أصواته أو أحاديته.

حظيت كتاباته باهتمام النقاد والباحثين بشكل موسع، والتفت قامات النقد إلى معظم دواوينه، وصدر أكثر من كتاب متخصص في درس شعرية سلام، أحدثها “النهار الآتي” لمجموعة من الباحثين من إعداد أحمد سراج، إلى جانب أطروحات جامعية أكاديمية كثيرة حول أعماله، على الرغم من ذلك كله، فإن سلام يرى أن مثل هذه المتابعات النقدية في المشهد المصري والعربي غير كافية بشكل عام لتخليق تأسيس نقدي. الجهود النقدية المتناثرة، التي تحاول مواكبة الإبداع الجديد، جزئية مزاجية، ذات طابع فردي، وفيها أحيانا سمات الانطباعية، والعشوائية، وبالتالي لا تقود إلى نظريات نقدية تأسيسية عربية حول الظواهر الإبداعية الحديثة، كقصيدة النثر مثلا، تلك التي يراها لا تزال حالة برزخية انتقالية، ومصدرا للجدل، فبعد أن كانت عنوانا للحرية والآفاق المفتوحة في نماذجها الريادية وتمثلاتها الناضجة، انحدرت في السنوات الأخيرة إلى فخ التنميط والقوالب الجاهزة وإعادة استهلاك الإنتاج السابق.

ترجمات منتقاة

سلام يلج بجسارة عوالم شعراء كثر
سلام يلج بجسارة عوالم شعراء كثر

مثلما يتأنى سلام؛ الشاعر، طويلا في معرفة خطوه، وإعادة دمه إلى مدار جنونه، فإن سلام؛ المترجم، يتريث أكثر قبل الإقدام على فتوحاته الكبرى في ميدان الترجمة إلى العربية، تلك المغامرات التي جعلته بامتياز واحدا من أبرز الأسماء العربية في ترجمة الشعر على وجه الخصوص خلال النصف الأخير من القرن الماضي.

ريتسوس، كفافيس، بودلير، رامبو، بوشكين، والت ويتمان، ماياكوفسكي، اسم واحد من هؤلاء كفيل بإشفاق أي مترجم قبل الإقدام على نقل مؤلفاته إلى العربية، فإذ بسلام يلج بجسارة عوالمهم جميعا، وغيرهم، ولا يرتضي في معظم الأحوال سوى بترجمة “الأعمال الكاملة”، هو إخلاص نادر بالتأكيد للشعر الحقيقي، والعمل المنهجي الصعب الطويل المتعمق، وللقارئ العربي الجدير بالاطلاع على كنوز الإصدارات الشعرية العالمية.

المدهش أن الرجل، صاحب هذه الترجمات الاستثنائية كلها، يرى أنه انزلق إلى الترجمة كهاو ولم يخطط لها بشكل احترافي، تماما مثلما اختارته القصيدة التي لا يتعمّد كتابتها
كشاعر.

وقد كان عشقه لشعر بوشكين في سبعينات القرن الماضي سببا مباشرا في انجرافه إلى الترجمة للمرة الأولى، ولم يكن يهدف بتلك الترجمة إلى إصدار كتاب في بداية الأمر، بل كان مشغولا في الأساس بالترجمة لذاته، من أجل التعمق في قراءة شعرية الحداثة في روسيا.

مع تخصصه في ترجمة الشعر، دون سواه من الآداب، ظل سلام مفتونا بنماذج الحداثة من الروّاد والمؤسسين، ومع كل تجربة يترجمها إلى العربية، يذكّر سلام نفسه بأن المترجم حين يكون شاعرا عليه أن يتجرّد من ذاتيته تماما، وينسى أنه شاعر له رؤية ومفاهيم قد تكون مغايرة، ليمكنه أن يتعامل مع نصوص الآخرين بحيادية.

شهادة على العصر

“هَل نَرحَلُ، أَم أَنَّ الجَسَدَ يَضِيقُ؟ العَسَسُ اللَّيلِيُّ نَخِيلٌ مَسمُومٌ يَمتَدُّ إِلَى قَارِعَةِ العَالَمِ، وَيَضِيقُ، يَضِيقُ، فَتَنطَفِئِين، وَلاَ شَيء”.

الشعر لدى سلام مُغامَرة وجرأة وتجريب وتحليق في المجهول
الشعر لدى سلام مُغامَرة وجرأة وتجريب وتحليق في المجهول

لا يتقوقع رفعت سلام على ذاته، مكتفيا بقصائده وترجماته، وإنما هو منفتح، بالكتابة، على قضايا مجتمعه، وأحوال بلاده، وهموم أمته العربية، وله العديد من المقالات والتصريحات التي قدم من خلالها شهادته الأمينة على العصر، لاسيما عقب الثورات العربية التي تأججت في السنوات العشر الأخيرة.

يسلط الضوء، أكثر ما يسلطه، على وضعية المثقف المصري بعد ثورتين يُفترض أنهما انطلقتا جماهيريا ونجحتا ميدانيا بفضل جهود المثقفين في الأساس، كما يرى سلام، وعلى الرغم من ذلك، فإن المثقف الطافي حاليا على السطح، هو ذلك المثقف السلطوي الانتهازي المروَّض، الذي لا يفعل شيئا سوى إعادة ترديد بيانات السلطة وتعليماتها كببغاء، طمعا في الحظوة والمكافأة.

باستثناء عدد قليل من الأفراد المتمسكين بالاستقلالية والمرتضين بالتهميش والبقاء في ظل المشهد الثقافي الرسمي، فإن أغلبية المثقفين قد ارتضوا بالتأميم! وإن الحظيرة الثقافية التي كان يُشار إليها قبل ثورة يناير 2011 قد عادت من جديد لتُدار بالآليات النظامية ذاتها، وفق سلام، والعجيب أن رموزها الحاليين هم أنفسهم المثقفون اللامعون في عهد مبارك ووزير ثقافته فاروق حسني، وهم أيضا الذين رفعوا لواء الثورية والحرية، وتغنوا مع المتظاهرين في الميادين.

ومع اعترافه بدور الثقافة والإبداع في إشعال الثورات والحركات الكبرى في التاريخ، على اعتبار أن أصحاب الضمائر من المثقفين هم الذين يحافظون على قيمة الرفض ومعاني المعارضة في أحلك الأوقات، فإن سلام لا يعترف بالأدب الذي ينجم سريعا عن تلك الثورات والتغيرات المجتمعية والسياسية، ويراه أقرب إلى كتابة المناسبات التي تتوسل الحماسية وتقف عند حدود السطح ودغدغة مشاعر المتلقي.

أما الإبداع الحقيقي فهو أبطأ وأعمق في تعاطيه مع الأحداث الفارقة، ولذلك لا يزال الشعراء والروائيون والمبدعون بحاجة إلى المزيد من الوقت والتأمل، للتعبير الجاد عن الثورات المصرية والعربية.

12