رفع أسعار الحديد يقوض سوق البناء والعقارات في تونس

قرار الحكومة التونسية رفع أسعار مادة الحديد سيزيد في كلفة العقارات ويدفع صغار المطورين نحو مغادرة السوق بسبب الركود وعدم قدرتهم على تحمّل الأعباء الجديدة.
الأربعاء 2021/03/31
الحلم بسكن لائق ممنوع في تونس

أثار الترفيع المتواتر في أسعار حديد البناء جدلا واسعا داخل سوق العقارات في تونس، حيث أربكت الزيادات أعمال شركات البناء، فيما تعالت تحذيرات فاعلين في القطاع العقاري من تداعيات هذه الخطوة المفاجئة ومن انعكاساتها السلبية على صغار المطورين المعرّضين للإفلاس وتسريح عدد كبير من العمالة بالنظر إلى زيادة الأعباء وقلة الإنتاجية.

تونس- سجلت أسعار حديد البناء في تونس زيادة جديدة بنهاية الأسبوع الماضي ما أربك سوق المقاولات والبناء، حيث ينذر القرار برفع كلفة العقارات وبالتالي الضغط على صغار المطورين ودفعهم إلى مغادرة السوق بفعل عدم قدرتهم على تحمل أعباء جديدة في وقت تكافح فيه تونس أزمة سكن حادة وارتفاعا كبيرا في أسعار الإيجارات.

وحسب بيانات رسمية بلغت نسبة الزيادة نحو 10 في المئة، لتصل في أقل من أسبوعين إلى 25 في المئة، وهو ما اعتبره فاعلون في المجال زيادة مجحفة لا تراعي قدرات المطورين والشركات العقارية في ظل تداعيات جائحة كورونا التي استنزفت مختلف مفاصل الأعمال.

ودعت الغرفة النقابية الوطنية لمؤسسات البناء والأشغال العمومية إلى التراجع عن زيادة أسعار مادة الحديد المعلن عنها مؤخرا على الأقل، أو الإذن بإمكانية مراجعة الأسعار التعاقدية بما يتناسب مع هذه الزيادات، مطالبة بخلاص مستحقات المقاولين في أقرب الآجال وإلغاء احتساب خطايا التأخير والفوائض الناتجة عنها.

عصام المنصوري: المواطن غير قادر على الاقتراض وعمل المهندسين مهدد

وشددت في بيان على ضرورة التسريع في إعادة تنفيذ المشاريع المعطلة فورًا بما يمكن من المحافظة على ديمومة هذه المؤسسات وعلى فرص العمل التي توفرها.

وأكدت على ضرورة أن “تتخذ السلطات الإجراءات اللازمة لإنقاذ قطاع حيوي قادر على القيام بدور محوري في تنشيط الاقتصاد المحلي في مرحلة ما بعد كورونا والمساهمة الفاعلة في تنمية البلاد، وتفادي انهيار العديد من المؤسسات المرتبطة بنشاطه”.

ويساهم القطاع بنحو 9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، ويوفّر أكثر من 500 ألف فرصة عمل، وتمثل استثمارات البناء وحدها 14 في المئة من حجم السوق الذي تراجع خلال السنوات الماضية بنحو 25 في المئة عمّا كان عليه في 2010.

وتشير البيانات المتخصصة إلى أن 80 في المئة من الناشطين في القطاع العقاري هم من صغار المطورين. ويرى مراقبون أن الترفيع في سعر الحديد سيزيد في كلفة العقارات ويدفع صغار المطورين نحو مغادرة السوق بسبب الركود وعدم قدرتهم على تحمّل الأعباء الجديدة.

وقال أيمن الكنزاري وكيل شركة مقاولات وصاحب متجر لبيع مواد البناء إنه “من غير المقبول أن يرتفع سعر الحديد في أقل من شهر من 19 دينارا إلى 26 دينارا (9.3 دولار)، ما أدى إلى إيقاف العمل في عدة حضائر بناء”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أنه “في كل مرة نخصص كميات معينة ثم نفاجأ بزيادة في الأسعار ما ينعكس بشكل لافت على التكلفة، ويخلّ بالتزاماتنا مع الزبائن”.

ودعا الكنزاري السلطات إلى “ضرورة الإعلام مسبقا عن هذه الزيادات دون إقرارها المفاجئ ومراقبتها، لأنها ستنعكس سلبا على الإيفاء ببقية التعهدات (رواتب العاملين والالتزامات المهنية والعائلية والظروف المعيشية)”.

ولم يخف المتحدث “ارتفاع حجم المضاربة والاحتكار لمادة الحديد الضرورية والإسمنت، فضلا عن تهريبها إلى ليبيا، علاوة عن غياب الجودة المعهودة في مواد البناء”، قائلا “وجدنا أنفسنا في إشكاليات مع العملاء، وحتى الحديد والآجر جودتهما أصبحت رديئة”.

واعتبر فاعلون في القطاع أن التدعيات السلبية للزيادة ستنعكس على مختلف المتدخلين في قطاع المقاولات والبناء، ورجحوا تحمل المواطن ضريبة هذه الزيادات بسبب عدم قدرة المطورين على تقاسم الأعباء مع مشتري العقارات.

أيمن الكنزاري: ترفيع سعر الحديد أدى إلى إيقاف العمل في عدة حضائر بناء

وأفاد عصام المنصوري مهندس معماري في تصريح لـ”العرب” أن “المشكلة جماعية والمواطن غير قادر في الظرف الاقتصادي الراهن حتى على الاستعانة بالقروض، وبالتالي عمل المهندسين أصبح مهددا”.

وأضاف “هناك العديد من المشاكل الأخرى على غرار أن المطورين العقاريين التابعين للدولة التي أوكلت إليهم سابقا مهمة البناء الشعبي غيروا من مهامهم، وإذا كان المواطن غير قادر على شراء قطعة أرض للبناء، سيستغني آليا عن نشاط المهندسين المعماريين ويضطر لاختيار أراض زراعية فيجد نفسه أمام مشكلة بناء فوضوي وبناء دون ترخيص”.

ودعا المنصوري الهياكل المتخصصة في البناء إلى ضرورة إيجاد حلول، فضلا عن تكثيف النشاط البلدي في هذا الاختصاص لتدارك هذا الوضع.

وسبق أن تم الإعلان عن زيادة في أسعار حديد البناء بنسبة 15 في المئة خلال شهر يناير الماضي، ما جعل المؤسسات المباشرة لمشاريع تم التعاقد بشأنها قبل هذه الزيادات غير قادرة على تحمل هذه الأعباء وتتعرض إلى مخاطر كبرى قد تصل إلى الإفلاس.

ويتولى مصنع الفولاذ الحكومي في مدينة منزل بورقيبة التابعة لولاية بنزرت إنتاج الحديد وتزويد السوق المحلية مع 5 وحدات أخرى بنحو نصف مليون طن سنويا، غير أن الشركة تواجه أزمة ارتفاع التكاليف التشغيلية وتقلص الطلب المحلي، ما جعل إنتاجها يتراجع بشكل غير مسبوق. وأظهر تقرير لوزارة المالية أن المؤسسة راكمت خسائر بقيمة 268 مليون دينار (97.4 مليون دولار) إلى حدود نهاية 2018.

وتؤكد بيانات المعهد الوطني للإحصاء أن حجم المبيعات العقارية تراجع بنحو 9.1 في المئة خلال الربع الثالث من العام 2018، مقارنة بنفس الفترة من 2017، ما يعكس بوضوح حجم الأزمة.

وتشهد أسعار مواد البناء ارتفاعا كبيرا بسبب تدهور قيمة الدينار، ما نتج عنه تضخم وارتفاع هام في الكلفة ما ينذر بإفلاس العديد من المؤسسات.

كما تراكمت مشكلات مصانع الإسمنت البالغ عددها 8 منها 3 مملوكة للدولة، وهي توفر سنويا قرابة 10 ملايين طن وكانت تقوم بتصدير قرابة خمس الإنتاج إلى الأسواق الخارجية بما فيها السوقين الليبية والجزائرية.

وانعكست دوامة تضخم الأسعار على الإيجارات أيضا والتي ارتفعت بشكل لا يطاق لتجد معظم الطبقات الاجتماعية نفسها في متاهة لا يمكن لأحد أن يتنبأ متى ستنتهي.

بلغت نسبة الزيادة نحو 10 في المئة، لتصل في أقل من أسبوعين إلى 25 في المئة

وتتصاعد تحذيرات المستثمرين من عواقب انهيار هذا القطاع وتداعياته على الاقتصاد التونسي خاصة وأنه لم يحظ بنفس الاهتمام الذي حظي به قطاع السياحة بعد الهجمات الإرهابية التي ضربت البلاد في 2015.

ويطالب مطورون عقاريون بتحفيز القطاع عبر خفض التمويل الذاتي للقرض العقاري من 20 في المئة إلى 10 في المئة وزيادة مدة سداد القرض العقاري لتصل إلى 30 عاما بدلا عن 20 أو 25 عاما، مع العمل على إعادة جدولة القروض.

وعمقت جائحة كورونا أزمة سوق العقارات حيث أدت إجراءات الحكومة إلى تعليق العمل في الحضائر واضطرت العديد من شركات البناء إلى تأجيل خطط أعمالها في ظل ركود سوق العقارات.

10