رفع أسعار الصحف المصرية يمهد لإعلان وفاة بعضها

طموحات الصحافيين في نقل نبض الشارع، تصطدم بسياسة تحريرية ترفض الخروج عن النص.
الخميس 2019/07/04
السياسة التحريرية فوق الجميع

دخل قرار الهيئة الوطنية للصحافة (مؤسسة حكومية مصرية) زيادة أسعار الصحف الصادرة عن المؤسسات الصحافية القومية بقيمة جنيه، لكل من الصحف اليومية والأسبوعية، الاثنين 1 يوليو حيز التنفيذ.

 القاهرة - اعتاد محمود كامل، وهو موظف بشركة كهرباء شمال القاهرة، شراء صحيفة يومية ومطالعتها داخل عربة مترو الأنفاق أثناء ذهابه إلى العمل، حتى فوجئ الاثنين بزيادة سعر الجريدة جنيها واحدا، لتصبح ثلاثة جنيهات، وهو نفس قيمة تذكرة المترو، فاتخذ قرارا بمقاطعة شراء الصحف.

استغرق النقاش بين محمود الموظف وحمدي بائع الجرائد نحو خمس دقائق، كلاهما يعدد للآخر مساوئ زيادة أسعار الصحف على نسب التوزيع، وحجم عزوف الجماهير عن الشراء، حتى قال الموظف “عندما يكون سعر الجريدة موازيا لثمن تذكرة المترو فالامتناع عن شرائها أفضل قرار”.

استمعت “العرب” لتفاصيل الحوار عن قرب، والذي أكد فيه البائع “أن الصحف لا تقدم محتوى متميزا وقراءة صحيفة واحدة في اليوم تساوي مطالعة جميع الصحف”.

اللافت، أن كلام البائع يتردد على لسان المسؤولين عن إدارة وتنظيم عمل المؤسسات الصحافية كنوع من إبراء الذمة، فهذا كرم جبر رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، يقول في تصريحات تلفزيونية “مشكلة الإصدارات الصحافية الورقية، أنها متشابهة في المحتوى، وكأن الجمهور يقرأ جريدة واحدة”.

يمثل اعتراف جبر، ومن قبله مكرم محمد أحمد رئيس المجلس الأعلى للإعلام، بغياب التنوع والإبداع وسيطرة التغطيات التقليدية على مجريات الأحداث، انتكاسة من نوع آخر، لأن الأمر يعني أن كل شخص يسعى للقفز من السفينة قبل غرقها تماما.

لكن متابعين لحال الصحافة في مصر يرون أن تحول مسؤولين في جهات معنية بتنظيم عمل المؤسسات الصحافية إلى الهجوم ربما يكون متعمدا لتسريع تطبيق قانون تنظيم الصحافة الذي تنص بعض بنوده على “إمكانية دمج وإلغاء إصدارات أو مؤسسات صحافية”، لأن بعضهم رددوا “دعم الحكومة للإصدارات والمؤسسات الخاسرة لن يستمر طويلا”.

يعكس تكرار هذا الحديث عدم استبعاد وجود خطة للارتقاء بالمواقع الإلكترونية دون معالجة أزمات الإصدارات الورقية، حجم اليأس من تحسن الأوضاع، وأن اختفاء بعضها من المشهد أصبح حتميا، وقرار زيادة الأسعار مقدمة لتغيير المشهد الصحافي.

وأشار يحيى قلاش نقيب الصحافيين الأسبق إلى أن تحريك أسعار الجرائد الورقية يمهد لإعلان وفاة إصدارات صحافية ودمج أخرى مع بعضها، لأن بعض المجلات مثلا، سوف تقترب نسبة التراجع في توزيعها لأرقام قياسية، أي أنها بالنسبة للحكومة ستكون بلا جدوى.

ولفت في تصريح لـ”العرب” إلى أن تعويض اختفاء الصحف الورقية بالمواقع الإلكترونية يوازيه تغييب للوعي وتدمير سلاح مهم للغاية في مخاطبة الناس، لأن قرابة نصف المصريين أميون في التكنولوجيا، وبالتالي فإن التراخي في حل أزمات الصحافة الورقية وتركها تحتضر غرضه خلق ذريعة للغلق أو الدمج.

وتبرر المؤسسات الصحافية قرار تحريك الأسعار بنسبة 33 بالمئة بأن تكلفة النسخة من الصحيفة تصل لثمانية جنيهات، وتباع بجنيهين فقط، ما تسبب في خسائر فادحة للصحف الكبيرة التي كانت تطبع مئات الآلاف من النسخ يوميا لجذب المزيد من الإعلانات، وبعضها لا يتجاوز الآن الثلاثين ألفا.

أزمات المؤسسات الصحافية مستمرة طالما اقتصرت المعالجة على الشق الاقتصادي
أزمات المؤسسات الصحافية مستمرة طالما اقتصرت المعالجة على الشق الاقتصادي

وحسب تقديرات شبه رسمية، يتراوح إجمالي توزيع الصحف حاليا (حكومية وخاصة وحزبية) بين 280 ألفا إلى 320 ألف نسخة في اليوم الواحد، ومتوقع أن يستمر التراجع بعد الزيادة الجديدة في الأسعار.

وقال إبراهيم، بائع جرائد شهير في حي الدقي، لـ”العرب” إن نسب البيع انخفضت حوالي 50 بالمئة حتى ظهر الاثنين من تطبيق قرار زيادة الأسعار.

ولا تقتصر المشكلة على الصحافة المصرية، لكن دولا كثيرة تبتكر طرقا عديدة لتجاوز هذه المحنة، بينما يصر المسؤولون عن إدارتها في القاهرة على تغافل المتغيرات العالمية والتعامل مع الأزمة بالطرق التقليدية والإصرار على الإصدار الورقي وعدم تطوير المحتوى الإلكتروني.

وما يكرس احتضار الصحف الورقية في مصر، أن هؤلاء يبرئون “القيود الحكومية” من تهمة غياب المهنية والتنوع، في حين أن أكثر ما ينشر بالصحف أصبح عبارة عن بيانات رسمية، محظور تجاهلها، كما أن هناك قضايا وموضوعات باتت بعيدة عن متناول معالجتها مهنيا.

وينفي البعض من الخبراء وجود خصام تلقائي بين القراء والصحف اليوم، لأنهم سيقبلون عليها ورقيا أو إلكترونيا، إذا وجدوا فيها أنفسهم وسلطت الضوء على مشكلاتهم ومطالبهم ونقلت أصواتهم ووقفت إلى جوارهم وخففت من المجاملات والموضوعات التاريخية، وحتما سوف تجذبهم التحقيقات الصحافية المثيرة التي تهز الرأي العام وتعزل مسؤولين. وتصطدم طموحات الصحافيين في نقل نبض الشارع والقيام بتحقيقات جيدة وخوض معارك ضد المتخاذلين والفاسدين، بسياسة تحريرية ترفض الخروج عن النص الذي ترسمه جهات اعتادت التدخل في ما يُنشر، كما أن هناك ظاهرة جديدة تتعلق برغبة رؤساء مجالس الإدارات والتحرير في إبعاد أنفسهم عن المشكلات، ومحاولة التكيف مع ما تريده حتى لو تحولت صحفهم إلى نشرات مليئة بالبيانات الرسمية.

وأكد يوسف علي، وهو اسم مستعار لصحافي يعمل في جريدة حكومية، لـ”العرب” أن السواد الأعظم من الصحافيين غير راضين عن الموضوعات التي يكتبونها في جرائدهم، فما بالك بالقارئ العادي الذي يشتري الصحيفة؟ وعندما قرروا رفع أسعار الصحف عرض بعض زملائي على رئيس التحرير أفكارا طموحة لجذب الناس لشراء المطبوعة، لكنه رد بضرورة الحفاظ على السياسة التحريرية القائمة من دون تغيير، “ولو لم يشترها شخص واحد”،
وهي العبارة الأثيرة لدى الكثير من رؤساء التحرير الآن، ممن يريدون راحة أنفسهم وضمان البقاء في مواقعهم الوثيرة ماديا.

ولن تنتهي مشكلات المؤسسات الصحافية طالما أن المسؤولين عنها حصروا أزماتها في الشق الاقتصادي فقط، لأن تجاهل الشق المهني كارثة، ومهما ارتفعت أسعار الصحف واستمر الصوت الواحد في تناول الأخبار، فلن تجني المهنة سوى المزيد من التعثر.

18