رفع الحظر عن الكتاب العراقي

الجمعة 2018/02/02

بعد خمسة عشر عاما من تغيير النظام السياسي في العراق قررت -أخيرا- لجنة الشؤون الاقتصادية في مجلس الوزراء “السماح لدور النشر العراقية ومؤلفي الكتاب العراقي بتصدير مطبوعاتهم بدون الحصول على إجازة التصدير وللأغراض كافة”، وهذا يعني رفع الحظر عن الكتاب العراقي الذي كان مقيداً بموجب قرار سابق لمجلس قيادة الثورة المنحل الذي صدر بظرف الحصار المشدّد على العراق في التسعينات من القرن الماضي وظل ساري المفعول حتى 21 1- - 2018 وهو يوم قرار هذه اللجنة الذي اتخذته بعد أكثر من عشرين سنة، بقي فيها الكتاب العراقي يدور في حلقة محلية مفرغة ولا يستطيع الوصول حتى إلى أقرب دولة مجاورة، ليؤشر بذلك نوعاً من أنواع التعسف الذي مورس على حصار المثقف العراقي ضمن الحصار الاقتصادي الدولي العام على البلاد، لكنه كان حصاراً من الداخل إلى الداخل، لذلك سيجد الباحث والدارس والمؤرشف أن كثيراً من الكتب الأدبية في القصة والشعر والرواية والمسرح قد هوجرت كلياً وطواها النسيان في زحمة الإصدارات التالية ولم يعد أحد يهتم بها إلا من القلة القليلة، بل إن نسبة كبيرة من أصحابها قد هاجرت وهربت من البلاد في تلك الظروف المريرة التي لا ينساها العراقيون.

اليوم يعيد مجلس الوزراء عبر لجنته الاقتصادية الاعتبار إلى الكتاب العراقي وإطلاق سراحه وفك القيود عنه وفتح الحدود له، وهو أمر فيه نوع من الغرابة التي تثير سؤالاً مركزيا نتساءله بصدق: لماذا انتبهت اللجنة الاقتصادية إلى هذا الحظر اليوم وليس قبل 15 سنة؟ وما الذي جعلها تتأخر لمناصرة الثقافة العراقية وتوسيع رقعة انتشارها عبر السماح بتصدير كتبها إلى المعارض والمشاركة فيها.. حتى هذا الوقت؟

الطريف أن هذه الإشكالية هي اقتصادية وليست ثقافية، ومن اختصاص وزير التجارة وليس وزير الثقافة لأنها تدخل في باب الاستيراد والتصدير كأية سلعة تجارية مثل الرز والسكّر والشاي والحليب والجبنة والشوكولاتة. وبالتالي فوزارة الثقافة ليس لها “يد” في هذا التأخير، إنما وزارة التجارة التي نست أو تناست “الكتاب” لأنه لا يدخل ضمن فقرات البطاقة التموينية وأنه “سلعة” ليست مهمة إزاء فقرات “الغذاء” و“الدواء” التي تُناط مهمة استيرادها أو تصديرها بوزارة التجارة حصريا والتي تتكون مديرياتها وكوادرها البشرية والفنية من اقتصاديين لا عـلاقة لهم بالثقافة بمعناها المباشر، فثقافة الغذاء لها أولوية مطلقة أما ثقافة الفكر فهي أولوية ثانية أو ثالثة، حتى يتسنى لنا أن نفهم الكثير مما يحدث في هذه البلاد من تجاوزات على الثقافة بوصفها العام، لنشير بوضوح إلى أن إطلاق سراح الكتـاب العراقي ورفع الحظر عنه هما بسبب جدل طويل أثارته قطاعات جماهيرية واسعة ومنظمات المجتمع المدني ودور النشر وناشطون مدنيون وحقوقيون وبعض الصفحات الثقافية في صحفنا اليومية منذ أكثر من سنة، حتى وصل إلى مجلس رئاسة الوزراء ومن ثم وزارة التجارة، وقطعا وجدت وزارة الثقافة نفسها في موقف المطالِب برفع الحظر عن الكتاب العراقي، بعدما وجدت ذيوعه وانتشار مؤلفيه وحصدهم جوائز عربية وعالمية، وتوجّه الكتّاب إلى خارج البلاد لطبع مؤلفاتهم والترويج لها بدلاً من طبعها في الداخل لتقع ضمن الحصار القديم ولا يُسمح لها بالتصدير أو المشاركة في المعارض العربية والعالمية.

إن مرور خمسة عشر عاما على تغيير النظام وإيجاد علاقات اجتماعية وثقافية وسياسية جديدة لم تكن حاسمة كثيرا للانتباه إلى المؤلف العراقي والكتاب العراقي، بل وإلى الثقافة العراقية بوصفها الأكثر مضاءً وتأثيرا في اجتماعيات العلاقات الإنسانية والأدبية والأخلاقية، ومن ثم نرى أن مثل هذا القرار قد تأخر كثيرا وأن جيلا كاملا بعد 2003 لم يستفد منه إلا بالنزر اليسير.

كاتب عراقي

14