رفقا بالوزن الزائد

تحول الموضوع إلى تجارة واسعة يروّج فيها المسوقون لمعايير الجسم الصحي والجميل، ويحمّلون من خلالها المسؤولية عن كل الأمراض والعلل والكوارث للوزن الزائد، لتتحول الحمية الغذائية إلى بديل كسول عن الحركة والنشاط والرياضة والعمل الشاق.
الخميس 2021/05/06
دعوات للمصالحة مع النفس والوزن الزائد

منذ العام 1992 تحول السادس من مايو إلى يوم عالمي لمقاومة الدعوة إلى الحمية الغذائية، في ذلك اليوم أطلقت الناشطة النسوية البريطانية ماري إيفنز يونج حملتها منادية بضرورة التصدي للشركات التجارية التي حوّلت الحمية إلى صناعة تغزو بها العالم، وتمارس من خلالها ضغطا على أصحاب الأوزان الزائدة، حتى أصبح اتّباع الحميات القاسية هوسا يضرب الشعوب والمجتمعات، ويتسبب في أمراض عدة من بينها اضطراب الأكل وسوء الهضم والقهم (فقد الشهية) العصابي وتراجع الخصوبة والاكتئاب وغيرها.

في هذا العام، وكالأعوام السابقة، هناك حملة على مواقع التواصل الاجتماعي يدعو أصحابها للانضمام إليهم في تحدي ثقافة النظام الغذائي من خلال تعزيز العلاقات الصحية مع الطعام والحركة وصورة الجسم “أنت تستحق أن تعيش حياة كاملة، خالية من ضغوط ثقافة النظام الغذائي المحرضة على كره الذات، عندما نحارب هذه الظواهر المجتمعية يفوز الجميع”.

 في وقت مبكر من القرن الثامن عشر خضع الطبيب الإنجليزي البدين جورج تشيني لخسارة هائلة في الوزن عن طريق تناول الخضار وشرب الحليب فقط والامتناع تمامًا عن تناول اللحوم. ثم أوصى بنظامه الغذائي لجميع الذين يعانون من السمنة، وكتب مقالًا بعنوان “مقال عن الصحة والحياة الطويلة”، نصح فيه بالهواء النقي وتجنب “الأطعمة الفاخرة”، ومن هناك ولدت الحميات الأولى. وفي العام 1863 ابتكر المتعهد الإنجليزي ويليام بانتينج أول نظام غذائي مخصص لفقدان الوزن ويتكون من أربع وجبات من اللحوم والخضراوات والفاكهة.

في العام 1918 نشر الكاتب والطبيب الأميركي لولو هانت بيترز أول كتاب في العالم عن فقدان الوزن بعنوان “النظام الغذائي والصحة: ​​مع مفتاح السعرات الحرارية” وطرح من خلاله فكرة احتساب السعرات الحرارية في كل ما يأكله المرء، ومنذ ذلك الحين، تم تطوير أكثر من 1000 نظام غذائي لإنقاص الوزن، لكن معظمها يركز على استهلاك كمية قليلة من السعرات الحرارية، أو الدهون، أو الكربوهيدرات أو السكريات. ومع ظهور التلفزيون، ثم الإنترنت، خضعت نسبة مهمة من البشر لهاجس السمنة والبحث عن الرشاقة. لقد تحول الموضوع إلى تجارة واسعة يروّج فيها المسوقون لمعايير الجسم الصحي والجميل، ويحمّلون من خلالها المسؤولية عن كل الأمراض والعلل والكوارث للوزن الزائد، لتتحول الحمية الغذائية إلى بديل كسول عن الحركة والنشاط والرياضة والعمل الشاق، وإلى حالة نفسية واجتماعية قبل أن تكون متعلقة بالجسم والصحة، زاد في تكريسها اعتماد موديلات عارضات الأزياء ونجمات السينما باعتبارهن الأكثر شهرة وحيوية وثراء نتيجة النحافة التي يتميزن بها، رغم أنها غالبا ما تطيح بمقوّمات الأنوثة الحقيقية.

خلال السنوات الماضية برزت للعلن دعوات ملحة إلى أن يتصالح الإنسان مع نفسه من خلال المصالحة مع الوزن الزائد لجسده، وأن يعيش حياته على طبيعتها، شريطة أن يتجنب الكسل والخمول والنهم المرضي، وأن يعتمد على الغذاء الصحي المنزلي ويتجنب الأكلات السريعة، ولا ينسى الداعون إلى ذلك التحذير من مخاطر التشدد في اتباع الحميات الغذائية، والمطالبة بنقض فكرة الشكل الأمثل للجسم، وبمناهضة فوبيا البدانة، وتشديد العقوبات على المتنمرين بأصحاب الأوزان الزائدة، إضافة إلى كشف النزعة التجارية خلف شركات صناعة الحمية ووسائل الغش التجاري التي تتبعها.

لو بحثنا عن أصل "الدايت" لوجدنا أن جذوره تعود إلى الإغريق وهو يتعلق أساسا بالتوازن العقلي والبدني، وليس فقط بتخفيض الوزن. ولو نظرنا في ثقافات الشعوب لوجدنا أن السمنة كانت رمزا للجمال قبل أن تنقلب الموازين لفائدة النحافة، ومع ذلك لا تزال بعض المجتمعات ترى في النحافة عيبا يقلل من حظ الفتاة في الزواج، فيتم تسمينها حتى تصبح كمن وصفها ﺍﻟﻤﺘﻮﻛﻞ ﺍﻟﻠﻴﺜﻲ "إذا تمشي تأود جانباها/وكاد الخصر ينخزل انخزالا/تنوء بها روادفها إذا ما/وشاحها على المتنين جالا".

24