رفقة دودين تجيب عن أسئلة الإبداع النسوي

في كتابها “خطاب الرواية النسوية العربية المعاصرة”، الصادر عن منشورات أمانة عمّان الكبرى، تحاول الناقدة الأردنية الراحلة الدكتورة رفقة دودين، الإجابة عن أسئلة الإبداع النسوي، بافتراض أنها تحقق الذات النسوية وتهتمّ بها.
السبت 2015/06/13
الروايات العربية في مرحلة التأسيس شهدت مشاركة فاعلة للنساء

اتخذت الناقدة الأردنية الراحلة الدكتورة رفقة دودين أمثلتها في كتابها “خطاب الرواية النسوية العربية المعاصرة”، من خلال بعض الروايات النسوية، أبرزها: “وصف البلبل” لسلوى بكر، “الوطن في العينين” لحميدة نعنع، “خشخاش” لسميحة خريس، “الميراث” لسحر خليفة، “من يرث الفردوس” للطفية الدليمي، “سمية تخرج من البحر” لليلى العثمان، و”ذاكرة الجسد” لأحلام مستغانمي.

وظّفت دودين في تحليل هذه الروايات منهج النقد النسوي، الذي يفترض في النصوص معايير متعددة، من أهمها: تبنيه لقضايا المرأة وبناء معرفة بذلك، بوصف الأدب حاملا معرفيا تصاغ فيه المعرفة بلغة تنقله إلى مستوى الأثر الجمالي الذي يحقق أدبية النص.

في تمهيدها للكتاب سعت دودين إلى ضبط المصطلح النقدي، وحدود اشتباكه مع الحقول المتعددة فكرا ونقدا، ووجدت نفسها في ما يتعلق بذلك أمام ثلاث قضايا، الأولى: القضية النسائية “Feminism”، وهي الممثلة للموقف السياسي حينما ينادي بتحرر المرأة، الثانية: مصطلح الأنثوية “Fenaleness”، وهو يعنى بالفروق البيولوجية بين النساء والرجال، والثالثة: مصطلح النسوية “Femininity”، وهو مصطلح مؤسس في الإبداع النسوي، ويعني مجموعة من الخصائص التي تحددها الثقافة والشروط الاجتماعية والاقتصادية، مرسمة بها الأدوار بين الرجال والنساء.

في الفصل الأول، الذي جاء بعنوان “الرواية النسوية العربية، الريادة على طريق تشكيل هوية ثقافية”، درست دودين الرواية النسوية العربية عبر مسيرتها التطورية منذ بداية ما يسمى بعصر النهضة العربية، الذي يحدّد عادة بالنصف الأول من القرن التاسع عشر، بما يثبت مشاركة المرأة العربية للرجل في حقل الريادة، خاصة باعتبار رواية زينب فواز “حسن العواقب”، الصادرة عام 1894، أول رواية عربية، وهي سابقة لرواية محمد حسين هيكل “زينب” بأكثر من خمس عشرة سنة. وألقت دودين الضوء، في الفصل الثاني المعنون بـ”لإشكاليات الرواية العربية، ثيمات أساسية”، على أهم أسئلة الإبداع الروائي النسوي العربي، مبينة مدى ملامسة هذا الإبداع لقضايا المرأة ومشكلاتها، ومدى تحقيقه للذات النسوية المحكومة بمفهوم تحرير المرأة بموازاة جهود الإصلاح السياسي، استنادا إلى ميراث التفرقة، الذي هو ميراث تراكم عبر زمن طويل، وتعايش فيه الأيديولوجي والأسطوري والأنثروبولوجي، وأن خلخلة بنى هذا الميراث القارة كانت من مرامي الروايات التي درست كنماذج دالة، والتي استنبطت علاقاته المتراتبة في بنية المجتمع العربي الأبوي (البطرياركي)، وطوباوية الفكر الذي يربط بين تحرر المرأة وتحرر المجتمع. كما وقفت دودين في هذا الفصل أيضا على الإشكالية المتعلقة بجسد المرأة بوصفه هوية متجددة، تتجاوز معايير الاختلاف الجنسي باتجاه آفاق إنسانية رحيبة.

في تمهيدها للكتاب سعت دودين إلى ضبط المصطلح النقدي، وحدود اشتباكه مع الحقول المتعددة فكرا ونقدا

أما في الفصل الثالث، وهو فصل الدراسة الفنية الذي يحمل عنوان “البناء السردي في الرواية النسوية العربية”، فقد درست دودين توظيف الأمكنة المغلقة (البيت، المقهى، والسجن)، والمفتوحة (البحر، والمدينة) في الروايات من زاوية الفكر النسوي المتمثل في البناء الروائي الذي يمزج الواقع بالمتخيّل، ويعيد النظر في المسلمات المرجعية التي يتشكّل منها مفهوم المكان من زاوية الخاص والعام باتجاه منظور جديد يمزج بينهما. وكذلك الأمر في ما يتعلق بالزمان الذي درسته الناقدة وفق دائرية الزمن النسوي المفارق للزمن الذكوري الخطي الغائي، والمرتبط بظواهر زمنية تعيشها المرأة بما يضمن تكرارها كظواهر الحمل والحيض، وهو زمن سردي خالد، حسب رأيها، يعلي من شأن الزمانية الأنثوية، التي ترصد بوصفها خارجة عن المنظومة الزمنية الخطية المهيمنة، ويعلي من شأن تقنيات السرد بالبوح والذاتية، إضافة إلى دراسة تقنيات الزمن السردية المتعارف عليها في الدراسات النقدية، مثل الاسترجاع والاستباق والمشهد، ومحاولة رصد خصوصية توظيفها في المتون الروائية.

توصلت دودين في خاتمة الكتاب إلى عدد من النتائج أبرزها أن الدراسات النسوية، تنظيرا وتطبيقا نصيّا، لم تصل بعد إلى حدود الاستقرار كنظرية مستقلة بمنهجية ذات استراتيجيات محددة، وتنظيراتها تتقاطع مع الجهود الفكرية المختلفة على صعيد الفكر والنقد معا، ولا سيما النقد الثقافي ودراسات ما بعد الكولونيالية، وأن الروايات العربية في مرحلة التأسيس شهدت مشاركة فاعلة للنساء.

17