رفقي الرزاز يرسم بمزاج أسطوري يثق بالواقع

الأحد 2018/01/21
الرزاز من القلة التي تنسج قلقها على هيئة لوحات

أن يكون المرء رساما مصريا فذلك أمر صعب أما أن يكون رساما مصريا حديثا فذلك أمر بالغ الصعوبة.

ولأن الحضارة المصرية هي بمثابة كنز للمفردات البصرية فقد سعى الكثير من الفنانين إلى استعارة تلك المفردات لتكون رمزا لمصريتهم.

ستكون حينها أمام “مصرية” جاهزة”. هوية لن يكون التعرف عليها بيسر أمرا مثيرا ومغريا.

بعيدا عن المصرية الجاهزة

ذلك هو السؤال المحرج الذي حاول عدد من الفنانين المصريين تفكيك عناصره والتعرف على أسراره قبل الإجابة عليه من أجل الخروج بوصفة تقنية ترتقي بمفهوم “الهوية المصرية” إلى مستوى المعاصرة.

رفقي الرزاز الذي ينتمي إلى الجيل الفني الذي ظهر في ثمانينات القرن الماضي يمد بصره إلى ما هو أبعد. أن يكون مصريا وأفريقيا في الوقت نفسه. حساسية مصرية خالصة في فضاء جمالي أفريقي.

يمكنك أن تتعرف على أعماله من غير أن تقع عيناك على توقيعه. هل هذا يكفي؟

بالنسبة للرزاز فإن ذلك يشكل بوابة لانعتاقه من تلك المصرية الجاهزة سعيا وراء مصرية معاصرة ليس إلا.

يولي الرزاز اهتماما بما يراه من مظاهر الحياة الشعبية. يفعل ذلك بشغف غير أنه لا يستهلك الكثير من عاطفته من أجل القيام بذلك. يعطل الرزاز عاطفته من أجل ألا تقوده إلى أماكن رخية، يستسلم من خلالها فنه لتبسيط لا يخدم طريقته في النظر إلى الفن.

غير أن الفنان يحيل كل شيء يراه إلى بعده الأسطوري.

“خرافة أن تكون مصريا” تلك عبارة يمكن أن تشكل خلاصة لفن الرزاز.

كل عناصر البيئة المصرية يمكن أن يراها المرء في لوحات الرزاز من غير أن يقوم الفنان برسمها، ذلك لأنها لا ترسم. شيء ما يشبه الرائحة.

يذهب الرزاز إلى الرسم بقوة الإيحاء. لذلك كان التعبير لديه أقوى من الرمز الذي يمر عابرا. لقد غمرته التجريدية بهوائها فصار فنه يغرف من المرئيات ما يشاء من غير أن يظهر منها شيء.

لقد اكتفى الفنان بما يعتبره الخلاصة. مصر في ترابها ورائحتها ونكهتها وعبق هوائها. رسومه تنطوي على الكثير من المزاج المصري الذي لا يمكن التعبير عنه بالصورة. إنه مزاج نثري سيكون من الصعب دائما التعبير عنه من خلال فن انفعالي مثل الرسم.

خرافة أن يكون المرء مصريا

حين أهداني الرزاز عددا من لوحاته في لفتة كريمة منه امتلأ منزلي بمزاج مصري لا يمكن القبض عليه مجسدا إلا بطريقة استثنائية. ما يفعله الفنان حين يرسم يشبه محاولة للقبض على هواء في قفص.

ولد الرزاز عام 1958 في قرية كفر سنجا، مركز ميت غمر، محافظة الدقهلية، وتخرج من كلية التربية الفنية بالزمالك. عام 1983 أقام أول معرض شخصي له، وقد شغلته يومها فكرة إعادة رسم الأعمال الفنية متأثرا بما فعله بابلو بيكاسو يوم أعاد رسم لوحة سلفه فيلاسكيز.

بين الشغب والحرية

سافر إلى الأردن وأقام ثلاثة معارض هناك في المركز الثقافي الملكي ومؤسسة عبدالحميد شومان، وعاد إلى مصر عام 1991. ليقيم بعد عامين معرضه الشخصي في مجتمع الفنون بالقاهرة في ظهور فني ثان.

يقول الرزاز “إن الفنان الرائد راغب عياد هو الأقرب إلى نفسه غير أنه يشعر بأن هناك ضرورة لإكمال مسيرة منير كنعان”. صلته بكنعان يمكن أن تنبعث من الرغبة في الخروج من نمطية الشخصية الفنية المصرية بكل عناصرها المتاحة والمستهلكة، إلى فضاء تنفتح فيه أمام تلك الشخصية آفاق عالمية، تستعيد من خلالها قوتها في التأثير من موقع إيجابي.

كان ذلك الهاجس الذي سكنه منذ سنوات دراسته قد سبب له الكثير من المتاعب التي امتزج الفني من خلالها بالسياسي، فكان الرزاز يتعرض لسوء مستمر بسبب اعتراضه الحيوي على سكونية الحياة الثقافية وخضوعها لهيمنة السائد والمكرس من المقولات حتى اعتبره البعض مشاغبا.

غير أن المغامرة الكبرى التي خاض الرزاز غمارها تكمن في إصراره على أن يهب نفسه للفن بشكل كامل، بحيث اختار التفرغ للفن من غير أن يحصل على منحة أو دعم من جهة ما.

بتفرغه تحرر الرزاز من المؤسسة الفنية ووهب اختلافه مشروعية الفعل الخلاق الذي يتسق مع حريته.

مرويات بصرية في العزلة

يختلف الرزاز عن سواه من الرسامين المصريين حين يتعلق الأمر بالمفردات الجمالية المستعارة من الواقع. فهو لا يستغرق كثيرا في تفاصيل عناصرها والأهم أنه لا ينجر وراء سحر الحكاية التي تنطوي عليها كل مفردة كما لو أنها صفحة من كتاب خرافي. وهي عادة مصرية نجح الفنان في تجنب الانزلاق برسومه إليها.

مشروعية الفعل الخلاق

دفعه الإخلاص إلى صورة الشيء إلى أن يتأمل مع ذلك الشيء كما لو أنه كان كيانا تجريديا. وهو ما يسر أمامه أن يقيم علاقة ما بين تلك الأشياء التي تشير بقوة إلى الحياة اليومية وبين ما ينعم به الرسم علينا من كائنات ومساحات ومفردات تنتمي في حقيقتها إلى عالم لا يمت إلى الحياة المباشرة بصلة.

تجريديات الرزاز لا تدير ظهرها للواقع وفي المقابل فإنها لا تحتفي به. إنها تحيده باعتباره علامة. وبعدها تضمه إلى مقتنياتها باعتباره مصدر إيحاء تصويري.

لا تنطوي رسوم الرزاز على مرويات بصرية غير أنها في الوقت نفسه تهبنا صورا، يمكن اعتبارها نوعا من التأليف الذي يمزج الواقعي بالخيالي كما هو حال الكائنات التي تحفل بها الحكايات الخرافية. تمتزج المساحات والخطوط التجريدية بالأشياء كما لو أنها انعكاسها الذي يظهر في المرآة. وكما يبدو فإن الرزاز كان قد قرر أن يستخرج لغته التصويرية من ذلك المزيج الصادم بين لغتي عالمين، يجمع ما بينهما أن كل واحد منهما يقيم على حافة انقطاعه عن جذوره. هي لغة تستحضر من خلال قوة هذيانها عالما ليس من اليسير أن ننسبه إلى مكان أو زمان بعينه.

رسوم الرزاز تقرأ ما تنطوي عليه من لذائذ في مرآة عزلتها.

يلقي خطوته حيثما يشاء

وارث حضارات ووارث فنانين رفقي الرزاز هذا. إنه يمد يده بحرية وباطمئنان إلى كل مكان كما لو أن تلك اليد تتجول في حقولها الخاصة. لقد استطاع هذا الرسام بجرأة أن يتخطى حاجز محليته عموديا وأفقيا.

غير أن الساحر في رسومه أن كل شيء يجري كما لو أنه يحدث بطريقة إلهامية من غير تخطيط مسبق. يستند الرزاز إلى إرث مصري تتقاطع فيه صور الحضارات الفرعونية والقبطية والإسلامية غير أنه لا يكتفي بذلك فيبقي الجملة مفتوحة لتضم أفريقيا بكسائها وعريها وبكل ما ألهمته من مفردات جمالية، كان لها أكبر الأثر في إحداث التحول الفني العظيم في القرن الماضي من خلال تكعيبية بيكاسو وبراك.

ميزة الرزاز أنه يلقي خطوته حيثما يشاء. لقد تعلم أن يكون حرا من الأسلوب الذي يقيد ومضى قدما وراء مزاجه الذي يصنع أسلوبا، هي صدى لشغف يديه التلذذي. اتخذ هذا الرسام من متعة مزاجه التصويري مركبا يحط به بين مختلف الموانئ. ولأنه يثق بمصفاة خياله فإنه لا يشعر بالخوف. إنه يفعل ما يراه منسجما مع روح الرسم.

رفقي الرزاز من القلة التي تنسج قلقها على هيئة لوحات.

9