رفيق شرف الخارج لتوه من السيرة الهلالية

الرسام اللبناني حرر اللوحة من قيود تداولها النخبوي ليضعها بصريا في متناول العيون التي اعتادت أن ترى الحكايات المتخيلة مرسومة في محيطها.
الأحد 2015/10/18
رفيق شرف رسام صنع حداثته المختلفة

ستوكهولم - يمكننا أن نرى في رسومه الشيء الكثير من الفن الشعبي، غير أن رفيق شرف استطاع أن يلتقط اللحظات الجمالية في ذلك الفن ليعلو بها على الفطرة التي هي أساس نظرته إلى العالم.

سيفلسف نزعته الشعبوية حين يدعو إلى قيام فن أيقوني إسلامي على غرار الفن الأيقوني البيزنطي. كانت تلك الدعوة بمثابة نداء إلى الفنانين العرب للخروج من المنطقة التي تحصر الممارسة الفنية في نطاق التأثيرات الغربية، كانت الحكايات الشعبية مدخله الواسع إلى عالم اللوحة التي تنطق مفرداتها بهويتها.

لقد استعاد شرف تقنيات الرسم العربي في القرن الثاني عشر، مدرسة بغداد بأهم رموزها وهو الواسطي، لكن بخيال فنان معاصر، اكتسب خبرته من الدراسة الأكاديمية ومتابعة الفنون الشعبية في الوقت نفسه.

رسام حكايات شعبية فر بعاطفته

كانت هناك مسافة تفصل بينه وبين الوقوع في التوضيح سعى إلى الحفاظ عليها، بالرغم من أن عاطفته كانت تعصف به أحيانا وتدفعه إلى عبور الخطوط الوهمية. حينها تدخل لوحته في متاهة الزخرف والتزيين، وهي متاهة يلذ له القيام بنزهات تأملية بين دروبها بين حين وآخر.

بالرغم من ولعه بالحكايات الشعبية لم يغرق شرف في تفاصيلها. كان يبحر بالحكاية في اتجاه ما تنطوي عليه من حساسية رمزية، هي ما جعلت منه أقرب إلى أن يكون سارد حياة شخصية. فسيرته الشخصية كانت موجودة في كل ما فعله. في كل ما رسمه كان شرف يعيد تأمل سيرته.

شرف هو الزير سالم وعنترة وأبو زيد الهلالي والزناتي خليفة وسواهم من الأبطال الذين ألهموا الشعب معنى الحكاية وألهموا الرسام فتنة التلصص على حياة تقيم بين صفحات الكتب وعلة الألسن.

كانت لعبة الرسم لا تمارس لدى شرف إلا من خلال قناع. فكان الرسام الذي دعا الرسامين إلى الدخول في معترك الحياة المباشرة يمارس الرسم من وراء قناع.

رفيق شرف يظهر في الحياة التشكيلية، مثل الزير سالم وعنترة وأبو زيد الهلالي والزناتي خليفة وسواهم من الأبطال الذين ألهموا الشعب معنى الحكاية وألهموا الرسام فتنة التلصص على حياة تقيم بين صفحات الكتب وعلة الألسن

البطل الشعبي ينقذه من العدم

ولد رفيق شرف في بعلبك بداية الثلاثينات، درس الفن في الأكاديمية اللبنانية (الألبا)، وكان الفنان قيصر الجميل أقرب معلميه إليه، بعدها توجه إلى أسبانيا لمتابعة دراسته الفنية في أكاديمية سان فرناندو، ثم انتقل إلى إيطاليا لإكمال دراسته في أكاديمية بيترو فانوشي، ليعود من بعدها إلى بيروت حاملا تأثيرات الفكر العدمي.

تبدأ مرحلته الرمادية التي هي خلاصة لتجربته في تأمل المكان، حيث أحزمة البؤس التي تحيط ببيروت ولوعيه الشقي الذي لم يعد قادرا على اللهو بالجمال الفني وسط تعاسة البشر وآلامهم. وإذا ما عرفنا أن رفيق شرف وهو ابن الطبيعة النضرة التي ألهمته ميولا انطباعية كان قبل ذهابه إلى أوروبا ميالا إلى الطبيعة التي كانت بمثابة حاضنته الفنية الأولى، فإن ما حدث له بعد عودته من أوروبا يعد انقلابا عظيما في شخصيته.

وبالرغم من دراسته في أسبانيا فإن تأثيرات الفن الأسباني لم تظهر عليه في تلك المرحلة إلا من خلال بيكاسو، الذي هو ليس رساما أسبانيا خالصا. كانت ستينات القرن العشرين بالنسبة إلى شرف مختبرا تجريبيا لأفكاره العدمية في الرسم كما في الحياة، ولكن الفنان سرعان ما استعاد رغبته في خلق عالم جميل، يقف في موازاة الواقع الكئيب. كان ذلك العالم يستمد حيويته المطلقة من الحكايات التي كانت تملأ طفولته خيالا. كان لديه ما يقوله عن البطل الشعبي.

أيقونته القادمة من تراث، هو واحد من ورثته الذين يقفون في انتظار هباته التي يصح أن توصف بالنفائس. اخترق الفنان اللبناني يومها واقع الأمة الحزين ليستعيد لحظات قوة، كان العشق فيها مرآة لوجود الكائن، كما لو أنه لم يكن موجودا من قبلها. هكذا صار الرسم ضروريا لصنع التفاؤل، على الأقل على مستوى شخصي. لقد أنقذ الرسم ابن بعلبك من عدميته.

 
عنتريات شرف هي مرآة لسيرته الشخصية
 

الحكواتي

هل كان شرف رساما حكواتيا؟ هي واحدة من صفاته، غير أنها لا تختصر عالمه. شيء منه يقيم في الحكاية، غير أن ما رسمه لا يقع في صلب الحكاية تماما، وإن كان يجاريها شكليا. عنتريات شرف هي مرآة لسيرته الشخصية. أحلام ابن البيئة المحافظة الذي قرر أن يغزو العالم برؤاه وعواصف خياله. سيفسر العالم بطريقته وسيسعى إلى تغييره بطريقته أيضا.

لم يكن حلم رفيق شرف أن يكون حكواتيا. كان الحكواتي الذي فتح أمامه الدرب هو قرينه الذي وصف له العالم قبل أن تطأ قدماه أرضه. سيقول شرف “أنا عنترة” وسيصنع من صورة حبيبته الواقعية أيقونة تسكنها عبلة. سيجري الرسم مجرى الخرافة. وهوما يقع دائما. أليس الرسم نوعا من الوهم؟

لا شيء من الواقع يسكن لوحات شرف. أبعد واقعيته المريرة قرر شرف أن يقف خارج حدود الواقع، مديرا ظهره لكل ما يمتّ إلى ذلك الواقع بصلة؟ في حدود ما رسمه فإن الفنان اللبناني كان قد قرر أن يُحلّ الخرافة محل الواقع ليكون بطل سيرته الوحيد.

سيروي الرسام حكايته في حلقات تتوزع بين أبطال شعبيين سيكونون ملهميه في أوقات مختلفة من حياته. برقته كان يضفي الكثير من النضارة الواقعية على أبطال هم من صناعة الخيال.

فن حرر الفن من نخبويته

صنع رفيق شرف فنا مختلفا، سيقف الكثيرون ضده من جهة الامتناع عن تزكيته فنا حديثا. سوء الفهم الذي وقع فيه المعترضون على فن شرف كان يصدر من عدم إيمانهم في حق الفنان في أن يكون مفهومه الخاص للحداثة. كانت حداثته مختلفة.

لوحاته كانت شديدة الشبه بتلك الصور التي كان الناس العاديون يعلقونها على جدران منازلهم وفي المقاهي والمجالس الشعبية. وبهذا يكون شرف قد أحدث انقلابا عظيما في وظيفة الفن التي كانت نوعا من الامتياز النخبوي.

ولعه بالحكايات الشعبية لم يغرق شرف في تفاصيلها. كان يبحر بالحكاية في اتجاه ما تنطوي عليه من حساسية رمزية، هي ما جعلت منه أقرب إلى أن يكون سارد حياة شخصية، فسيرته الشخصية كانت موجودة في كل ما فعله

حرر رفيق شرف اللوحة من قيود تداولها النخبوي ليضعها بصريا في متناول العيون التي اعتادت أن ترى الحكايات المتخيلة مرسومة في محيطها. وهو ما احتاج إلى شجاعة نادرة، كان شرف يمتلكها. الصفة التي مكنته من أن يظل ذلك الفتى المشاكس حتى نهاية عمره عام 2003 حين انتصر عليه المرض.

وبالرغم من كل الاعتراضات فإن شخصية شرف رساما كانت واضحة بطريقة لا تقبل اللبس. تتعرف العين على لوحته من بعيد من غير أن يحتاج المرء إلى قراءة توقيعه. وهو ما أهّله أن يحتل حيزا في المشهد التشكيلي العربي المعاصر لا ينافسه عليه أحد. بل لا يجرؤ أحد على القيام بذلك، لأن قدرة شرف على أن يتأنق بأبطاله الشعبيين كانت استثنائية.

مثل طائره الذي رسمه بعد نكسة حزيران عام 1967 اختار شرف أن يكون محلقا بجناحين يخترقان الريح. كانت قوته في خلافه مع الحداثة الفنية السائدة مستلهمة من روحه المشبعة بالإيمان بقدرة الإنسان، أيّ إنسان على أن يكون بطلا في مواجهة تحديات حياته. فكان أبطاله المستعارون من الخرافة هم مرايا لإنسان عربي معاصر يعيش لحظة تحوله.

وإذا ما كان شرف قد مزج في واحدة من مراحل تطور أسلوبه الفني بين الصورة المستلهمة من الحكاية ونص تلك الحكاية، فإنه لم يقم بذلك تعبيرا عن رغبته في أن ينتمي إلى رهط الحروفيين العرب. كانت الكتابة على سطح اللوحة نوعا من إحياء النص في سياق جمالياته الشعبية.

10