رف الكتب: الكذب في نظر كانْت

الفيلسوف بيير هنري طافوايو يدعو في كتابه "كيف نحكم شعبا ملكا" القارئ إلى التفكير في الأسباب التي تخلق سرّ الطاعة الإرادية، لأن فن الحكم في الديمقراطية هو فن المحكوم كيف يُحكَم.
الأحد 2019/04/14
محاولة فلسفية إشكالية لما تكون عليه الحياة العادلة

هل يمكن أن يكون الكذب حقًّا؟ هل لمبادئنا قيمة عملية؟ ما معنى الحقوق؟ وأي عدل يمكن أن ننتظر من علاقاتنا الاجتماعية؟ "الحق في الكذب"، مشفوعا بـ"النظرية والتطبيق"، نصان لكانْت في ترجمة جديدة، وشروح مستفيضة، تكشف لنا عن الجدل الذي أثاره الفيلسوف الألماني، في مرحلة التطلع إلى النظام الجمهوري الذي عقب الثورة الفرنسية، حين لم يكتف بالنظرية الخالصة، بل بيّن أننا لا يمكن أن نواجه اللامبالاة أو الانتهازية، سواء على المستوى الأخلاقي أو المستوى السياسي، إلا إذا أقررنا بعناية القيم التي نريد أن نحافظ عليها. ويخص تأمّلُه الفردَ المقبل على خيار أخلاقي معقّد، أو المتردد من جهة دوافعه العملية، حين يواجه التفاوت الاجتماعي، أو يشغله مصير الإنسانية. وكانْت هنا يقترح محاولة فلسفية، إشكالية، لما تكون عليه الحياة العادلة، ويدعونا إلى التفكير في المثل الأعلى الاجتماعي الذي نحتاج إليه.

بين حرية الشعب وفاعلية السلطة

بين كابوس العجز الشعبي وشبح الاستبداد
بين كابوس العجز الشعبي وشبح الاستبداد

"هل دخلنا عصر الانحطاط الديمقراطي، وحتى عصر ما بعد الديمقراطية؟ في كتاب بعنوان "كيف نحكم شعبا ملكا"، يعتقد بيير هنري طافوايو، رئيس كولاج الفلسفة، والأستاذ المحاضر بكلية الآداب ومعهد العلوم السياسية بباريس، في وجود ثلاث خيبات وهو أن الديمقراطية الليبرالية تعاني من أزمة تمثيل حادة، ومن عجز عام فظيع، ونقص عميق في المعنى. أي أنها فقدت في مسيرتها الشعب الذي يؤسسها، والدولة التي تحافظ عليها، والأفق الذي يوجهها. إن ما اعتبرناه تقدما مكتسبا، أي الديمقراطية، اتضح أنه في الواقع حظيرة مدوّخة. والكتاب في مجمله رسالة في الفن السياسي، يدعو القارئ إلى التفكير في الأسباب التي تخلق سرّ الطاعة الإرادية، لأن فن الحكم في الديمقراطية هو فن المحكوم كيف يُحكَم. بين كابوس العجز الشعبي وشبح الاستبداد، كيف السبيل للمصالحة بين حرية الشعب وفاعلية السلطة؟

فلسفة المعيش اليومي

لنا فيض من الأخبار، ولكننا لا نعرف كيف نستغلها، وبدل أن نقيم لها وليمة، نحس أننا متخَمون. ذلك ما يطرحه الفيلسوف رفائيل إنتوفن في كتابه "أخلاقيات مؤقَّتة جديدة" الذي ينصح بممارسة الفلسفة كي لا نغرق في الأحداث المتسارعة، وبشكل يوميّ، لأن الفلسفة في رأيه تعطي كل حدث نكهة لغز أو سؤال. مثلا: هل كان من الأفضل القبض على هارفي وينشتاين أم تركه بلا عقاب؟ لماذا يكون الاعتقاد بأن كل الناس الذين يشبهوننا يفكرون مثلنا أمرًا خطيرًا؟ هل يمكن ممارسة الحظر باسم التسامح؟ هل الفرج سلاح حرب؟ هل تحول أناكين سكايوولكر إلى دارك فاردور من تلقاء نفسه؟ إذا كان الرّب موجودًا، فهل نحتاج إلى الإيمان به؟ ... تلك كلها أفكار مسبقة عالجها أنتوفن في كتابها الأول "أخلاقيات مؤقتة"، وواصل الحفر فيها في هذا الكتاب.

الخصوصية الفرنسية

ترجع أصول اللائكية إلى الحروب الدينية، حين بدأت القوة الملكية في التحرر من سلطة الكنيسة. من هذه الأزمة الأصلية، ينطلق فيليب راينو، أستاذ التاريخ بجامعة بانتيون أسّاس، ليذكّر بأن مرسوم نانت يسمح بأن يكون الفرد فرنسيا دون أن يكون كاثوليكيا، وهي الثغرة التي حاول لويس الرابع عشر سدّها لاحقا. غير أن الملكية المطلقة لا تستمد شرعيتها من الأسس الدينية قدر ما تستمدها من العقلانية الإدارية لسلطتها الممدِّنة والمحضِّرة. ولما اندلعت الثورة، لم تعد فرنسا مملكة كاثوليكية، بل بحثت لها عن سبيل تؤدي إلى دولة لائكية، منزوعة من كل تصور تيولوجي. استمر النزاع بين الكاثوليكيين والجمهوريين حتى القرن التاسع عشر، عندما التزمت الجمهورية الثالثة بعَلمانية نضالية أدت إلى قانون 1905، اتخذ أشكالا أخرى لينتهي عام 1984 إلى محاولة إقحام المدرسة الخاصة الكاثوليكية في التعليم العام. ورغم أن المشاكل بدأت منذ الستينات بتطور العادات والتقاليد وظهور حقوق جديدة، كزواج المثليين، والإنجاب بمساعدة طبية، ووجدت دائما طريقها إلى التوافق بين المؤمنين وغير المؤمنين، فإن ما يمثل مشكلا عويصا أمام العلمانية، في نظر الكاتب طبعا، صعود الإسلام الذي يطرح على العلمانية مشاكل غير مسبوقة، ويخلق الشقاق حتى داخل العلمانيين أنفسهم.

تشظي الأمة الفرنسية

امّحاء تدريجي لفرنسا القديمة تحت ضغط فرنسا الجديدة
امّحاء تدريجي لفرنسا القديمة 

خلال بضعة عقود من السنين، تغير كل شيء، ولم تعد فرنسا، في زمن السترات الصفراء، كما كانت، فالأمة التي كانت ملتحمة، متمسكة بقيم جمهورية واحدة لا تتجزأ، تحولت إلى أرخبيل تجهل جزره بعضها بعضا.  في كتاب "الأرخبيل الفرنسي" يتصور المحلل السياسي جيروم فوركي، الآثار الثقافة والأخلاقية لهذا الانجراف، ويلاحظ مدى تغير علاقة الفرنسيين بالجسد من خلال تنامي بعض الممارسات كالوشم وحرق جثث البشر، وعلاقتهم بالحيوانية كالامتناع عن أكل لحوم الحيوان، وانتشار مناهضة نظريات تفوق الإنسان على الأجناس الأخرى، الحيوانية بخاصة، ولكن الأخطر هو امّحاء تدريجي لفرنسا القديمة تحت ضغط فرنسا الجديدة التي أدت إلى تفتيت المجتمع كله: انفصال النخب، استقلال الفئات الشعبية، تشكل جيوب كاثوليكية، إقامة مجتمع متعدد الثقافات، وتشتت المراجع الثقافية المشتركة. على ضوء هذا الانقلاب الأنثروبولوجي، نفهم الأزمة التي تمر بها المنظومة السياسية.

انحراف الذكاء الاصطناعي

بعض الروبوتات المنزلية تقوم بدور الوشاة، وبعض الأجهزة المبرمجة للتخاطب مع الحرفاء يشتمونهم، وبعض المنظومات المعلوماتية تساهم في النزاعات بين البشر، بل وتكون سببا في إثارتها.  في 18 مارس 2018 قتلت سيارة ذات قيادة أوتوماتيكية تابعة لشركة أوبر امرأة كانت تعبر الشارع في مدينة بولاية أريزونا، فكان أول موت لمترجل يتسبب فيه لوغاريتم. من المسؤول؟   الإجابة عن هذا السؤال تُعدّ من بين التحديات الملحة على علاقة الإنسان بالتكنولوجيات الرقمية، وليس المطلوب كيف نجعل الذكاء الاصطناعي عطوفا بل كيف نجعله لا يعوض الإنسان كعامل أخلاقي. في كتاب بعنوان "الروبوتات والشر" يتناول ألكساي غرينبوم الفيلسوف والفيزيائي المتخصص في علم الميكانيك الكمّي هذه المسألة، ويرى أن اللجوء إلى الصدفة وحدها هو الذي يمكن أن يحرر الآلة من المسؤولية التي نريد أن نحمّلها إياها.

12