رقصة الموت الأخيرة

الحياة مع ميت قاسية، لكن أن ترقص معه رقصة الموت الأخيرة وعلى شفتيك ابتسامة، عوضا عن دموع الحزن ونظرات الشفقة فهكذا تمنحه حياة لا تقاس بالسنوات.
الاثنين 2019/06/24
الدعم العاطفي مفتاح الأمل

من عجائب القدر وقد يكون من تلطفه بنا أننا لا نعرف متى الرحيل وعلى أي حال سنكون، لكنها حقيقة ثابتة مهما حاولنا التحرر من أسرها بتمثيل السعادة لنحيا، فنحن جميعا على علم مسبق بأننا راحلون لا محالة.

النظر إلى شخص على حافة الرحيل يختلف بالطبع عن الحياة معه وتقبيله والنوم إلى جواره سبعة أعوام!!!

تلك النظرات الضبابية الشاردة غير المستقرة إلى شريك يقف على هامش الحياة، يقترب من حافة الموت، ربما تقتل هذا الآخر الناظر بترقب وحذر.

أصيبت زوجة قريب لنا وصديقة أختي بنوع نادر من السرطان، تمدد في خلاياها واستقر رويدا رويدا وعلى مهل في جميع أنحاء الجسد، كونها زوجة لقريب ليس من الدرجة الأولى لم يتح لي الاقتراب من حياتها بالقدر الكافي، لكنها حين أصبحت صديقة مقربة لأختي، باتت على بعد خطوات من البوح في جلسات فضفضة نسائية أسبوعية نعقدها باستمرار وتواتر، صرخت في إحداها متململة من نظرات الشفقة والعطف في أعين الجميع من حولها.

وكأنما رحيل يسبق الرحيل، أرادوه لها بنظراتهم المشفقة، مدعية التلطف بحالها، تستطيع دائما كشف مغزاها بسهولة ويسر، يلاحقونها بها في الطرقات العامة، في نزهاتها الشحيحة مع أسرتها، في اجتماع أولياء الأمور بمدارس أبنائها، حتى في المتاجر والمحال العامة لا تنجو من تلك النظرات، ولم يفلح الشعر المستعار في دحرها والتضييق على النظرات القاتلة.

لكنه وحده زوجها كان يتجنب الحديث في أمر مرضها أو عنه، يقول لها: دائما أمامنا الكثير لنفعله، نتنزه، نربي أبناءنا ونستمتع بنجاحهم، نضحك ونرقص، حتى التسكع في الشوارع متعة لا يملك رفاهيتها الكثيرون، ما زال العمر باكرا لنحيا بحب.

كثيرا ما تستيقظ لتجد عينيه مثبتتان على وجهها، وكأنما أراد حبس ملامحها في مقلتيه، يتسع بؤبؤ العين ليستوعبها كاملة، يحبها بالحجم الطبيعي كتمثال جسدي كامل لنحات بارع، لا يرى وجهها يصلح لبورتريه للوجه وعظمة الكتف “Scapula” فقط، حبيبته هي كما هي، ويحبها وكأنما رآها للتو في ملابس المدرسة الثانوية.

عقد سعادته عليها واكتفى بها رغم المرض، ورغم طول سنوات الزواج التي يتعلل بها الكثيرون لتبرير تسرب الملل لحياتهم، ورغم كونها كما تقول هي واصفة نفسها، امرأة على حافة الموت.

نولد دون رغبة ونموت دون رغبة، أتينا إلى الحياة مجبرين، ونترجل عن مسرحها مجبرين، وما بين الجبرين، عمر زاخر بالاختيارات، الميلاد قدر والسعادة اختيار، الحياة والموت والأهل أقدار، لكن الحب والزواج والأصدقاء اختيارات علينا أن نحسنها.

في بحثها الدائم عن أسباب السعادة أجرت إحدى الجامعات في المملكة المتحدة البريطانية دراسة  نشرتها صحيفة “ذي بريتيش ميديكال جورنال”، مفادها انتقال عدوى السعادة في محيط الأصدقاء وأفراد الأسرة الواحدة، في حين لا تتحقق بين زملاء العمل.

وكشفت دراستان أجريتا في الولايات المتحدة أيضا عن وجود ارتباط وثيق بين الشعور بالسعادة وبين حالة الزواج وهذا التأثير أعلى لدى الذكور.

ثمة شعور بالسعادة الشخصية يتملك أبناء الأسرة الواحدة بسعادة أقرب وأعز الناس لديهم. وهذا ما فسر لي سعادة هذا القريب في رسم الابتسامة على شفاه شريكة عمره، متناسيا هذا المرض اللعين المتربص بها.

وللدكتور أنك بلانغو، أحد أطباء علم النفس البريطانيين مقولة ملخصها “الرجال والنساء على حدّ سواء قد ربطوا أفكارهم حول السعادة بحياة الآخرين”.

لذا يجب على واضعي السياسات ومنظمي العلاقات العمالية، ضمان توفير بنود تمكن كلا من الرجل والمرأة من قضاء وقت كاف مع أسرتيهما لتحقيق السعادة المنشودة، لضمان توازن صحي بين العمل والحياة الأسرية.

وهذا الوقت السعيد الذي عاشه قريبي مع زوجته قبل أن يهزمها المرض وترحل إلى الأبد هو سر السعادة الحقيقي، في لقاء عائلي بعد وفاة زوجته بسنوات سألته: هل كنت تحاول هزيمة المرض بالحب؟ أم تتحايل على العمر القصير؟

تبسم منصتا، وعبس متحدثا: لا هذا ولا ذاك، لا أحد يتحايل على العمر، وكنت أعلم أن سنوات عمرها باتت معدودة، فأردت أن ألون ما بقي منها بالفرح، وهذا ما قاله الطبيب، فقد منحها الحب سنوات أكثر نسبيا، فاستجابة خلاياها للدواء الكيميائي والعلاجات دعمهما الحب.

الحياة مع ميت قاسية، لكن أن ترقص معه رقصة الموت الأخيرة وعلى شفتيك ابتسامة، عوضا عن دموع الحزن ونظرات الشفقة فهكذا تمنحه حياة لا تقاس بالسنوات.

21