رقعة الضاما الكبرى في سوريا بشروط الروليت الروسية

الاثنين 2017/01/16

لم يُشتهر عن العرب إتقانهم لعبة الشطرنج، وحصدهم البطولات العالمية للعبة التي يمارسها الأذكياء الصبورون، مثلما لم ينافس العرب في الرياضات جميعا، إلا ما ندر، لكن لعبة الضاما (الداما) منتشرة في الأرياف خاصة، كونها لا تحتاج إلى رقعة خاصة، أو إلى أحجار متمايزة، ففي الضاما يمكن التقاط 24 حصوة من الطريق، ونشرها على رقعة مخططة بالطباشير مشابهة لرقعة الشطرنج، أو محفورة في الأرض.

ويمكن لأحد اللاعِبَيْن، حتى لو لم يكن خبيرا في اللعبة، انتظار أخطاء الخصم للفوز في اللعبة، مع ملاحظة أن الفائز هو من يقضي على كل أحجار الخصم، خلافا للشطرنج الذي تنتهي اللعبة فيه بالقضاء على الملك، حتى لو كان محاطا ببيادقه وقلاعه ووزيره.

تشبه الضاما، هنا، الروليت الروسية، لكن الروليت الروسية منزوعة الطابع الفروسي، كونها ليست مبارزة بالسيف أو المسدس، وتعتمد على الحظ فقط.

روسيا في سوريا، وفي الشرق الأوسط، عموما، تلعب الآن الروليت الروسية بطريقتها، وتريد القضاء على جميع أحجار الخصم بطريقة الضاما. وفي المقابل، لا تمتلك الفصائل المعارضة السورية إمكانيات الروليت، وبالتالي ليس أمامها سوى المراهنة على الصبر والضاما، والتموضع في الرقعة السورية في انتظار استغلال خطأ واحد من روسيا وحلفائها، ولو بقي معها حجر واحد للقضاء على الأحجار الروسية جميعا.

هذا لا ينفي أن روسيا وحلفاءها يتموضعون، أيضا، في الرقعة العسكرية والسياسية السورية، بمعنى أن المعركة بين الطرفين مسألة وقت، حتى إذا تثبتنا أن اللعبة لا تقتصر على روسيا وحلفائها من جهة، والفصائل السورية المعارضة وداعميها من جهة أخرى.

وجود المتدخلين مؤكد بالتخفي والتموضع ربما، الأمر الذي يعقِّد أوليات الضاما التي يلعبها لاعبان فقط. هذا أحال اللعبة إلى مصفوفة من لعبات شطرنج ثنائية، وربما جماعية، قد لا تؤدي إلى أي رابح حتى مع الكثير من الصبر. فواقع الرقعة السورية يفيد بوجود الأكراد وداعش، من الداخل، وأميركا ودول الخليج وإيران من خارج الجغرافيا، حيث تلعب إيران في صف النظام وروسيا، ساعة، ومع النظام ضد روسيا في حالة كمون باطني، ومع نفسها دائما.

ولذلك تتعقد لعبة الضاما البسيطة هنا، بين اللاعبين الصريحين، وتصبح أعقد حتى من “رقعة الشطرنج الكبرى”، التي يفوق عمرها عمر نظرية زبغينيو بريجنسكي المنظر للحالة الأوراسية منذ اكتسابه هذه الخبرة حين كان مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس الأميركي، جيمي كارتر، في نهاية سبعينات القرن العشرين. وقد تصل في النهاية إلى أن تكون لعبة روليت من الحجم الكبير، مع مسدس بطلقة واحدة تنفي كل الاحتمالات، بمعنى أن الذي تقع عليه القرعة ليبدأ اللعبة يمثل حالة انتحار معلن.

في الشطرنج، قدمت روسيا عددا مهما من اللاعبين، كرياضيين، دون أن تُشتهر فيها لعبة الضاما البسيطة القواعد، والمشابهة للشطرنج في الرقعة فقط، لتبقى لعبة الروليت أشهر ما قدمته روسيا للعالم من هذه الألعاب، كلعبة دموية يتواجه فيها لاعبان على قاعدة “قاتل أو مقتول”، بل “مقتول أو ناج”، اعتمادا على الحظ، مع احتمال واحد من ستة، في كل مرة.

في الطريق إلى أستانة، تتحكم روسيا وتركيا بالرقعة، وتلعبان في الظاهر كطرف واحد يختار مجموعة من اللاعبين. ولذلك، جمعتا قبل أيام، أكثر من 60 شخصا في أنقرة، في مرحلة استشارية قبل توجيه الدعوات للسفر إلى أستانة. في هذه المرحلة، رفعت تركيا “فيتو” في وجه “حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي”، كونه المقابل السوري لـ“حزب العمال الكردستاني”، التركي، من وجهة نظر تركيا، وكونه حليف النظام الأسدي في دمشق، من وجهة نظر المعارضة السورية، وبوجود النظام “أصيلا” عن نفسه لا حاجة لدعوة وكلاء عنه إلى أستانة، بينما رفعت روسيا “فيتو” ضد حضور الائتلاف، والهيئة العليا للمفاوضات، لجولة أستانة. ما يشير إلى لعبة فيتو ثنائية بين تركيا وروسيا.

تركيا دخلت لعبة الضاما، أو لعبة الصبر، بسبب انسحاب أميركا من دورها التاريخي المفترض في أوراسيا القرن الحادي والعشرين بعد استقالة الاتحاد السوفييتي المنهار من منطقة نفوذه في سوريا، على الرغم من تاريخية تشاطؤ النفوذين أيام الحرب الباردة في هذه المنطقة الضيقة من شرق المتوسط، بين حدود فلسطين التاريخية، وما يحيط بها.

المفارقة، هنا، أن تركيا اعتمدت حتى نهاية عام 2015 لعبة الروليت الروسية، فاتحة حدودها أمام الداخلين إلى سوريا، والخارجين منها، فخرج إليها اللاجئون، ودخل منها المقاتلون، بمن فيهم العناصر المتطرفة المندمجة في “داعش”، و”جبهة فتح الشام” (النصرة سابقا).

عودة تركيا لاختبار حجر الصبر، وتموضع لاعب الضاما، وتقاسمها الآن للعبة مع روسيا “ضد” مقاتلي المعارضة، لا ينفي أن لديها خيارات أخرى، منها سحب كل الخيارات من المعارضة، السياسية والعسكرية، الفاقدة أساسا لكل الخيارات، عدا خيار الضاما المديد.

وباستبعاد نظرية المؤامرة، واحتمال أن تكون علاقة النظام بداعش أكثر من وظيفية، يلعب النظام مع داعش لعبة الضاما، أيضا، خاصة في مناطق “سوريا غير المفيدة”، وأهمها اليوم مدينة تدمـر. الأمر نفسه ينطبق على الأكراد في الحسكة، بعد طرد داعش منهـا، حيث يأمن النظام على نفسه في بقعة حمراء صغيرة وسط محيط أصفر طاغ لـ“وحدات حماية الشعب” الكردية التابعة لـ“حزب الاتحـاد الديمقراطي” الكردي.

لكن العلاقة الروسية التركية تتقدم في اتجاه بناء علاقة إستراتيجية في شقها الاقتصادي، بالتحالف مع الصين البعيدة والقريبة في الآن نفسه، من خلال بناء سوق شرق أوسطية تضم إلى هؤلاء كلاّ من الهند، وعددا من دول الكومنولث السوفييتي، انطلاقا من شنغهاي الصينية. هذا على الرغم من أن الأهداف الأولى للمنظمة كانت مكافحة الإرهاب ومواجهة التطرف، والحركات الانفصالية، والتصدي لتجارة الأسلحة والمخدرات. وهذا يعني، وبنسبة معتبرة، افتراق التحالف الأميركي التركي إلى أجل بعيد، إذا كان الاقتصادي مرتبطا بالضرورة بالعسكري والسياسي، من باب الناتو على الأقل.

أما إذا كان الاقتصادي مستقلا عن السياسي والعسكري، فسيستمر المحللون الغربيون في التشكيك بـ”حلف شنغهاي”، كونهم رأوا فيه منذ البداية حلفا عسكريا مقابلا لحلف الناتو. وعليه، سيشككون في السوق الاقتصادية المزمع إنشاؤها، كون مجموعة ”بريكس” موجودة مسبقا، وتضم معظم مجموعة شنغهاي.

هنا، تركيا ستكون في مأزق بانتمائها إلى حلفين عسكريين متعاديين، وعليها أن تختار، أو على طالب الود أن يساعدها في التخلص من هذه الازدواجية.

خروج روسيا من تقوقعها في محيط الكومنولث السوفييتي السابق، وازدواجية تركيا في الولاء لحلف الناتو والتعاون مع العدو الروسي المرشح للحلف، وفقدان المعارضة السورية المسلحة للخيارات الاستراتيجية في معركتها مع النظام الأسدي، وحّدت هـذه الأطراف الثلاثة في لعبة الانتظار والصبر، فأي منها لا يستطيع حسم المعركة استراتيجيا، منفردا، أو بالتعاون مع طرف آخر، في انتظار أن تقول أميركا كلمتها، بدعم تركيا والمعارضة ضد روسيا، أو سحب البساط من تحت أقدام الجميع، مع احتمال ضئيل لتعويم نظام الأسد. وعندها ليس أمام روسيا إلا إطلاق ست رصاصات على أميركا، أو إطلاق الرصاصات على نفسها في لعبة روليت روسية فردية ومغلقة.

كاتب وصحافي سوري

8