رقمنة الاقتصاد التونسي: تحديات وعوائق

الأربعاء 2017/12/06

لا تزال استراتيجية تونس في إدارة القطاعات الاقتصادية تكنولوجيّا تتسم بالبطء الشديد في التنفيذ، وبالتالي فإن مهمة تحويل الاقتصاد التقليدي إلى اقتصاد رقمي تحتاج إلى نظرة عميقة لأن الأزمة الحالية تعد محفزا كبيرا للإقلاع.

إذا كانت تونس تريد الالتحاق بركب الدول التي وظفت التكنولوجيا لتطوير الاقتصاد فعليها فقط امتلاك مفاتيح أساسية لفتح آفاق النمو المستدام عبر توفير مناخ أعمال مشجع ومستقر وزيادة التركيز على المعرفة والابتكار.

هذه العوامل مجتمعة ترتبط بترسيخ المعايير التي لا يمكن من دونها إيجاد نظام حماية متين للبيانات الشخصية لا سيما الشركات الناشئة التي سنت من أجلها الدولة تشريعات تساعدها على اقتحام التجارة الإلكترونية ضمن قانون السوق الرقمية في تونس.

لدى المسؤولين التونسيين إيمان بقدرة الشباب على اقتحام هذا المجال ويعتقدون أنه من الممكن خلال السنوات الخمس المقبلة الحصول على اقتصاد رقمي ينتج ثروة مهمة عبر دعمهم ووضع تشريعات لاقتحام هذا الميدان.

لكن رغم كل الجهود المبذولة في هذا المضمار يبدو أن هناك حلقات مفقودة لا تزال تقف حائلا أمام السلطات في طريق تنفيذ تلك الخطط والتي يتوقع أن تعزز من مستويات النمو في كافة القطاعات بلا استثناء ورفع نسبة مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 30 بالمئة في السنوات القادمة.

من المهم الإشارة إلى أن العديد من الشركات وحتى شريحة واسعة من المواطنين لم تحتضن حتى الآن التكنولوجيا الجديدة لأسباب مختلفة رغم توفر التجهيزات والإنترنت من الجيل الرابع. ومن أجل إحداث تغيير جذري، فإن الحكومة مطالبة بتوفير رؤية ذكية ونظـرة واضحة للمستقبل.

إن الاقتصاد الرقمي هو اقتصاد قائم على الإنترنت. ولذلك فإن تهيئة المناخ لتنفيذه واقعيا يتطلب حنكة اقتصادية.

ولعل من أولى الإصلاحات التي يتوجب على الحكومة القيام بها وبشكل سريع هو القضاء نهائيا على البيروقراطية وجعل الإدارة رقمية إلى جانب إصلاح التعليم والتدريب والبنية التحتية للاتصالات بهدف استقطاب المستثمرين سواء كانوا محليين أو أجانب.

ويعتبر توظيف البحث العلمي من أهم الركائز لرقمنة الاقتصاد المحلي وإحداث مجموعة من التغييرات الاستراتيجية على طبيعة المحيط الاقتصادي وتنظيمه ليصبح منسجما مع تحديات العولمة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتنمية المستدامة بمفهومها الشمولي التكاملي.

هناك حاجة إلى معرفة ما يمكن للانتقال الرقمي أن يحققه للشركات ولا سيما تلك التي تعمل في القطاع الصناعي، فهو بإجماع الخبراء عالم اقتصادي جديد يفرض نفسه بشكل متسارع باعتباره أسلوبا لكسر هياكل الإنتاج التقليدية. كما أنه يقوم بدور كبير في دعم الصادرات ويفتح آفاقا أوسع للتعريف بالمنتوجات المحلية في الأسواق الخارجية.

لا يمكن أن تتم العملية دون التطرق إلى رقمنة البنوك أيضا بإعادة هيكلتها وجعلها تستجيب للتطور المتسارع، باعتبارها عنصرا استراتيجيا في تتبع تحرك الأموال وإعطاء المعاملات الرقمية بعدا من الشفافية يتماشى مع الحوكمة الرشيدة.

ومن هذا المنطلق يمكن أن يبرز تدريجيا الوعي بوجوب التكيّف مع هذه التغيّرات ومواكبة العصر وتقليص الهوة في العالم الرقمي الذي بات يشكل أرضية صلبة للعديد من الدول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ولعل الإمارات خير مثال على ذلك.

من المفارقات أن تونس لديها حظوظ وافرة للعب دور مهم في هذا المجال مستقبلا وبشكل مستدام نظرا لتوفر الكفاءات والخبرات التي قد تقود قاطرة الاقتصاد بشكل تنافسي وتجعل البلاد تنتقل بشكل سريع إلى خانة الدول المصنفة الأفضل في استخدام التكنولوجيا.

تونس اليوم أمام رهان صعب في ما يتعلق بتثبيت اقتصاد المعرفة الذي يشكل أهم مجال يحقق قفزات كبيرة في التنمية، إذ أنه يتطلب الكثير من الوقت كما أن الكلفة أقل مما هي عليه في الاقتصاد التقليدي.

كاتب وصحافي تونسي

10