رقمنة فحوصات ما قبل الزواج خطوة للحفاظ على صحة الأجيال القادمة

إلغاء الفحص الشكلي واستبداله بالإلكتروني يوقف التلاعب بالوثائق الطبية.
الأربعاء 2021/04/28
فحوصات ما قبل الزواج تجنب العائلة الكثير من المشاكل

أمام تساهل الكثير من الأسر مع مسألة التلاعب بفحوصات ما قبل الزواج قررت بعض الحكومات اعتماد الفحص الإلكتروني لمنع إبرام عقود الزواج من دون أن يكون الشباب والفتيات قد خاضوا تجربة حقيقية لاكتشاف الأمراض التي يمكن أن تؤثر على علاقاتهم المستقبلية وتضر بحياة الأبناء.

صادقت وزارات الصحة مؤخرا في كل من السعودية والإمارات ومصر على أن تكون فحوصات الزواج إلكترونية، ما يعني أن المأذون الشرعي الذي يقوم بإبرام العقود ملزم قانونا بالاطلاع عليها والتأكد من صحتها، وعدم توثيق أي عقد دون أن يحصل على رخصة رقمية، في خطوة من شأنها وقف إصدار شهادات صلاحية للزوجين مزيفة أو بطرق غير مشروعة.

ويستهدف التحرك إثبات حقوق شركاء الحياة الزوجية في التأكد من خلو أيّ طرف من الأمراض الوراثية والمعدية، وما يترتب على ذلك من أزمات صحية تؤثر على الحياة الأسرية لاحقا، كما أن إجراء الفحوصات بدون تلاعب يمنح مؤسسة الزواج فرصة لتبدأ على أساس الوضوح والمكاشفة.

ولا تعيرالكثير من الأسر العربية اهتماما لفحوصات ما قبل الزواج، وهناك من يعتقدون أن الالتزام بها يمثل عائقا أمام إتمامه، ويتجاهلون حق كل طرف أن يكون على دراية بما يعاني منه الشريك، كي لا تنتقل العدوى والأمراض الوراثية إلى الطرف الآخر والأبناء، أو تكون للمرض تداعيات سلبية على العلاقة بين الزوجين.

وعادة لا يذهب المقبلون على الزواج إلى مراكز صحية متخصصة في إجراء الفحوصات لتكون النتائج دقيقة، بل يتم القيام بها في أحيان كثيرة لها كإجراء روتيني، ومن خلال بعض الوسطاء والمعارف يحصلون على شهادة صلاحية دون الخضوع للفحص، وبعد فترة من الزواج قد يتعرضون لصدمة، مثل عدم قدرة أحد الزوجين على الإنجاب، أو إصابة الأبناء بأمراض خطيرة.

عنان حجازي: رقمنة فحوصات الزواج تكرس الوعي الصحي لدى العائلات
عنان حجازي: رقمنة فحوصات الزواج تكرس الوعي الصحي لدى العائلات

وربطت هيئة الصحة في دبي الخدمات المرتبطة بفحوصات الزواج مع مجمعات المحاكم في مارس الماضي لإضفاء المزيد من المكاشفة وتسهيل مهمة الراغبين في الحصول عليها بخطوات بسيطة دون تعقيدات، بغرض تقليل انتشار الأمراض الوراثية والمعدية ووقاية الأطفال من المخاطر الناتجة عن تجاهل الفحوصات.

وقالت هالة زايد وزيرة الصحة المصرية قبل أيام، إنه سيتم ربط فحوصات الزواج بمجمع الوثائق المؤمنة، ويستحيل التلاعب فيها، وثمة اهتمام من رئيس الجمهورية بهذه الخطوة لاكتشاف الأمراض الوراثية والمعدية بشكل مبكر، ووضع الحلول العلاجية قبل فوات الأوان، مع حماية النشء من التشوهات ورفع الوعي الصحي بين كل أفراد الأسرة بغض النظر عن البيئة الاجتماعية.

ويؤكد متخصصون في القطاع الطبي أن التزام الأسر بفحوصات الزواج من شأنه إقرار إستراتيجية واقعية لمواجهة الأمراض الجينية، ووضع سياسة صحية تواكب المستجدات الراهنة، ويدق هذا التحرك جرس الإنذار مبكرا للمقبلين على الزواج بما قد يتعرضون إليه مستقبلا من منغصات نتيجة الحاجة الملحة للعلاج.

ويبرر بعض الشباب عزوفهم عن إجراء الفحوصات الطبية اللازمة لعقد القران، بأن ظهور أي عرض مرضي للزوج أو الزوجة قد يدفع العائلة لإنهاء الزيجة قبل إتمامها، وأمام سيطرة العاطفة يضطر الشريكان للتلاعب بالنتائج أو تزويرها بمساعدة آخرين، لكن هذه الخطوة قد تحمل انعكاسات خطيرة، حيث لن يتحمل أحد الطرفين مرض الآخر مستقبلا.

وأكدت عنان حجازي وهي استشارية مصرية متخصصة في العلاقات الأسرية، أن رقمنة فحوصات الزواج تكرس الوعي الصحي لدى العائلات، وتحول دون التعامل معها كخطوة استثنائية في إقرار حياة أسرية هادئة بعيدة عن الأزمات الطبية المتوقعة، لأن الأمراض الوراثية صارت موجودة بما يصعب السيطرة عليها أو اكتشافها بسهولة.

وأضافت لـ”العرب” أن العاطفة تهيمن على فكر الشباب والفتيات قبل الزواج، فيضطرون لاستكماله بكل الطرق، مشيرة إلى أن الفحوصات تكشف ما لدى كل طرف من مشكلات صحية، وبذلك يكون أمامهما حرية التصرف، هل سيستكملان العلاقة أم لا؟ وإذا استكملاها هل سيكونان على دراية تامة بالمشكلات التي سوف يتعرضان لها أم لا؟

ومن شأن إلزامية الفحوصات ورقمنتها أن تحافظا على صحة الفتيات صغيرات السن، لأن هذه الفئة العمرية تظهر في نتيجة الفحص أنها غير مستعدة للحمل والولادة لضيق الرحم مثلا، وهو ما كان يدفع بعض العائلات للتحايل وشراء شهادات صلاحية بالأموال لإضفاء مشروعية على زواج الصغيرات.

إجراء الفحوصات دون تلاعب يمنح مؤسسة الزواج فرصة لتبدأ على أساس الوضوح والمكاشفة ما يجنبها مشاكل صحية تؤثر عليها لاحقا
إجراء الفحوصات دون تلاعب يمنح مؤسسة الزواج فرصة لتبدأ على أساس الوضوح والمكاشفة ما يجنبها مشاكل صحية تؤثر عليها لاحقا

ويرى باحثون في علم الاجتماع أن رقمنة الفحوصات إجراء لا غنى عنه في المجتمعات العربية، لكنه لا يكفي لإقناع الأسر بأن تكون هذه الخطوة ذات أولوية كبرى لضمانة الاستقرار النفسي والصحي والاقتصادي مستقبلا، ومطلوب إطلاق حملات توعوية على نطاق واسع لتغيير ثقافة العائلات التي لا تؤمن بالفكرة من الأساس.

ويعتقد الباحثون أنه لا بديل عن الاستعانة بوقائع حية لشباب وفتيات لم يلتزموا بالفحوصات ودخلوا متاهة الأمراض المعدية والوراثية التي انعكست بشكل سلبي على حياتهم وصحة أولادهم، وتسببت في تكدير حياة العائلة كلها، بحيث تكون التوعية قائمة على التحذير من مخاطر تعترض أسرا بالفعل، وليست مجرد شعارات.

ويتطلب في هذا الاتجاه أن يتم إقناع شريكي الحياة بأن السعادة الزوجية تبدأ من المكاشفة ليكون كل طرف مستعدا للتعامل مع الآخر بناء على الحقيقة التي توصل إليها، لا أن يكتشف بعد ذلك تعرضه لخديعة قد تدفعه لتغيير سلوكياته وتصرفاته، أما لو تأهب نفسيا بشكل مبكر سوف يصبح لديه الخيار والاستعداد للتضحية.

وأوضحت حجازي أن تحويل الفحوصات لإجراء إلكتروني يصعب التلاعب فيه، ويعالج تشوهات كثيرة تنتج عن زواج الأقارب في المناطق الريفية والقبلية والشعبية، وهي أماكن لا يعتمد فيها اختيار شريك الحياة على القبول الكلي والراحة النفسية المتبادلة، بل من خلال ضغوط العائلة ولأسباب اجتماعية واقتصادية.

ويعد زواج الأقارب من أكثر أنواع العلاقات التي تنتج عنها أمراض وراثية وتشوهات تصيب الأبناء بشكل أكبر، وهناك دراسات طبية كثيرة حذرت من الإقدام على هذه الخطوة قبل التأكد من سلامة الشريكين وبدون إلزام حكومي، لكن الكثير من الأسر التي يحكمها العرف لا تعترف بتلك المحاذير مهما كانت تداعيتها.

ووفق إحصائية رسمية صادرة عن وزارة الصحة المصرية، هناك سبعمئة إصابة بأنيميا البحر المتوسط بين كل ثلاثة آلاف شخص بسبب زواج الأقارب، وتنتقل هذه الأمراض غالبا للأبناء وتتسبب في أزمات صحية كثيرة، على رأسها عجز أجساد الأطفال عن تكوين مناعة داخلية ضد مواجهة الفايروسات والأمراض المعدية.

وبغض النظر عن الرقمنة وأهميتها في مواجهة التلاعب بالفحوصات، ينطلق معيار الالتزام الأسري بها من محاسبة الهيئات الرسمية للمتورطين في تزويرها، سواء أكانوا أفرادا أم مؤسسات أم مأذونين شرعيين لم يتوقفوا أمامها قبل إبرام العقود، لأن جدية الحكومات في التطبيق سوف تنتقل بالتبعية إلى الأسرة.

21