رقم واحد.. عندما يحب الفنان ذاته أكثر من فنه

الفنان المصري محمد رمضان ركب موجة "الشو الإلكتروني" ونسي تطوير موهبته.
الأربعاء 2018/07/11
محمد رمضان يعلن نفسه الأول منتزعا حق الجماهير في التصنيف

من يتصوّر أن الممثل المصري محمد رمضان يهتم بآراء المحيطين به عليه أن يفكر مجددا في الأمر، ومن يعتقد أن حالة الجدل المثارة حوله تؤثر بالسلب عليه لا بد أن يتيقن أنه يعيش بها، حيث يتنفس أضواء ونجومية وشهرة اعتادها منذ فترة.

القاهرة – كل من شارك في حالة الجدل حول أغنية “نمبر وان” (رقم واحد) التي أصدرها منذ أيام النجم المصري محمد رمضان، قدّم للممثل الشاب خدمة جليلة بعد أن وصل عدد مشاهداتها لما يقارب من 15 مليون مشاهدة.

مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي وتحوّلها إلى منصة لتوجيه اهتمامات الرأي العام نحو موضوعات وأسماء بعينها، أصبحت عملية استفزاز الناس والخروج عن المألوف وصفة مضمونة لمنح من يقدم عليها ما يريده من شهرة ونجومية، حتى لو كانت سلبية.

يبدو الفنان المصري الشاب محمد رمضان من المهمومين دوما بالحضور في المساحات المضيئة، يجيد هذه اللعبة الإلكترونية التي تمتد تبعاتها إلى الإعلام المرئي والمكتوب تلقائيا، بات مصدرا للأخبار والأحداث التي يتقن حبكتها ويضفر أحداثها ببراعة لافتة، لتتحوّل إلى حقائق مع تكرارها.

وأغنية “نمبر وان” أحدث قصصه غير الدقيقة، حاول فيها أن يؤكد أنه لم يتلق مساعدة من أحد، وسار في مشواره الفني كي يصبح الأول في الساحة.

عندما كان في التاسعة عشرة من عمره، وبعد أن شارك النجم العالمي عمر الشريف في مسلسل “حنان وحنين”، أعلن الشريف أن رمضان خليفته والممثل الوحيد
الذي يمكن أن ينال العالمية في مصر، بعدها تبنته عائلة السبكي للإنتاج وقدّمت له أنجح أفلامه “الألماني” و”عبده موته” و”قلب الأسد”.

حاول تغيير جلده الفني بعد النقد الشديد لما اعتبره البعض تشويها لحياة المهمشين والبسطاء في مصر من خلال أفلامه، وسانده في هذه الخطوة كبار المؤلفين والمخرجين وعلى رأسهم شريف عرفة في فيلم “الكنز” وعمرو عرفة في فيلم “آخر ديك في مصر”.

حيلة دعائية

أغنية “نمبر وان” هي في الحقيقة حيلة دعائية بارعة وليس مجرد أغنية، تمكن بها محمد رمضان من أن يخطف الأضواء من جميع زملائه الذين قدّموا معه مسلسلات خلال شهر رمضان المنقضي، وهي عملية تجعل من كلامه -بأنه الأول- رأيا شخصيا، لا يعوّل عليه، لأن بعضهم تفوّق عليه فنيا في الأداء والحضور وقوة الشخصية والذوبان فيها، في حين اهتم هو في مسلسل “نسر الصعيد” بأن يكون على الشاشة طوال الوقت في دور الأب والابن.

وهذه ليست براعة، كما يعتقد البعض، قد تكون مستساغة في عمله السابق “الأسطورة”، لكنها جاءت غير منطقية في “نسر الصعيد”، وتؤكد مسألة تكرارها أن رمضان في حالة تحفز دائم ورغبة مزمنة في إثبات أنه أفضل من الجميع بأي وسيلة، وهو تفكير مثير للشفقة على صاحب موهبة حقيقية قد تذهب مع الريح نتيجة اندفاعه في معارك وهمية.

لقب النجم الأول تمنحه الجماهير فقط، ومن غير اللائق أن يدخل رمضان هذه المنطقة التي تعد ملكية خاصة للمشاهدين الذين يحقّ لهم تحديد مَن الأول ومَن الثاني، علاوة على الشك في صحة هذا الترتيب أصلا وسط عالم يقوم على الإبداع الذي به متسع لحضور وعطاء للجميع.

محمد سعد تم حصره في دور {اللمبي} رغم موهبته التي تفوق جميع أبناء جيله، فأفل نجمه تدريجيا
محمد سعد تم حصره في دور "اللمبي" رغم موهبته التي تفوق جميع أبناء جيله، فأفل نجمه تدريجيا

ولا يمنع وجود مساحات مشروعة للمنافسة ليس خلف الإيرادات وكتابة الاسم على “الأفيش” كما يتصوّر البعض، بل في الإجادة والخلق لألوان وأشكال وشخصيات فنية مبتكرة، والفنان الحقيقي والنجم الأول من يعشق فنه أكثر من ذاته، ويحب كل ما يتعلق به ويتحوّل إلى ترس في ماكينة عطائه الإنساني والمجتمعي.

وشغل النجاح السريع والنجومية السهلة والثراء الفاحش وإدمان الأضواء، محمد رمضان عن الانتباه للحد الفاصل بين دوره كممثل ودور الجمهور كحكم، كما شغلته عن أهمية مراجعة أوراقه الفنية وأولوياته داخلها بعد التراجع الملحوظ في جماهيرية أعماله السينمائية.

وكان عليه أن يعرف لماذا لم يستطع إقناع جمهوره بنقلاته الفنية التي حاول فيها أن يخرج من شخصية الخارج عن القانون في أفلامه، وعندما حدث له ذلك وجب عليه أن ينتبه إلى أن لديه مشكلة في أدواته كممثل وفي اختياراته أيضا، ما اضطره للعودة إلى الشخصية التي نجح في أدائها، وهذا ما يجعل الجمهور يمله.

هذا هو الفخ الذي وقع فيه الكثير من الموهوبين، وأهمهم الفنان الكوميدي محمد سعد الذي تم حصره في دور “اللمبي” رغم موهبته التي تفوق جميع أبناء جيله.

والموهبة وحدها لا تكفي و”الشو الإلكتروني” لا يمكن أن يجعل الجمهور يغض البصر عن الضعف تدريجيا، نتيجة عدم الوعي والثقافة والاحتكاك بالناس لتطوير القدرات الفنية، وهنا قال الفنان الراحل نور الشريف “الناس والكتب أهم الأدوات بالنسبة إلى أيّ ممثل في معركته للبقاء الناجح على الشاشات”.

ولم يستمر جون ديب ونيكولاس كيدج وقبلهما كيفين كوستنر في الاستمرار بإمتاع الجماهير، رغم صخب نجاح البدايات القوية التي لم تمكنهم من الحفاظ على نجاحاتهم، وعانوا من البطالة الفنية.

مأساة بويل

سوزان بويل هجرت الإعلام فنجحت
سوزان بويل هجرت الإعلام فنجحت

تحول “نمبر وان”، الشهير بمحمد رمضان، مؤخرا إلى ما يشبه المفكر، يطرح أراءه خلال الندوات في مختلف المجالات، ويتم تقديمه كنموذج للتحدي والكفاح، ويستهويه تصوير نفسه كبطل حربي لمجرد التحاقه بالجيش لأداء الخدمة العسكرية. كل هذه الأنشطة يتم تحويلها بطريقة أو بأخرى إلى حملة دعائية لذاته من المؤكد أنه يحبها أكثر من فنه حتى الآن، وإلّا ما انحاز لهذه الاختيارات التي ستدفعه تدريجيا خطوات إلى الخلف نتيجة انشغاله الدائم بالظهور تحت الأضواء أكثر من اهتمامه بأسباب هذا الظهور.

ورمضان بات الآن يشبه نجوم برامج الواقع الذين يطلون على الهواء، لكن هذه الأضواء لم تفرض عليه كما فرضت على جيم كاري في فيلم “عرض ترومان” الذي اكتشف بعد ثلاثين عاما أن حياته منذ ولادته متاحة متابعتها على الهواء مباشرة، وهو ما أصابه بصدمة من الأضواء المفرطة.

وقد يرى البعض هذه التصرفات متوقعة من نجم حقّق الكثير في فترة قصيرة واعتاد الشهرة منذ طفولته، إلاّ أن هذا لا يبدو مبررا مقنعا، إذا تذكرنا قصة الفتاة الريفية البسيطة سوزان بويل التي خرجت من بلدتها بأسكتلندا عام 2009 كربة منزل متواضعة الحال والجمال وعادت في اليوم التالي وتحوّلت بعد استماع العالم لصوتها، عبر برنامج لاكتشاف المواهب الغنائية، إلى أيقونة للغناء في إنكلترا.

كيفين كوستنر لم  يتمكن من الاستمرار  في إمتاع الجماهير، رغم صخب نجاح البدايات القوية
كيفين كوستنر لم  يتمكن من الاستمرار  في إمتاع الجماهير، رغم صخب نجاح البدايات القوية

صارت خلال أقل من عام، واحدة من أهم المطربات في العالم، وعندما سئلت كيف حقّقت هذا الأمر بعد أن تعرضت لأزمة نفسية حادة، كادت تدفعها إلى الجنون نتيجة وجودها المفاجئ تحت الأضواء؟

أجابت بويل “لقد صرخت في وجه رجال وسائل الإعلام والصحافة أن يتركوني لعملي الذي شغلوني عنه لفترة بعد أن استغلوا هوسي بالأضواء في البداية إثر حياة قاسية، حيث عشقت أن أرى نفسي محط اهتمام الجميع، إلاّ أني فقدت نفسي تدريجيا وهذا أمر مخيف”.

البدايات السهلة والنجاحات السريعة، سمات مشتركة في مشواري رمضان وسوزان بويل الفنيين، لكن الأول ما زال يحتاج إلى حسم موقفه من الإعلام الذي لم يصرخ في وجهه ليتركه لعمله، بل كان يغذيه بأخبار مثيرة وصور وحوارات، وأخيرا بأغنية.

وفي المحصلة، بدأت قصة نجومية سوزان بويل بمأساة سبّبها لها إدمانها للإعلام، وانتهت بعطاء لا مثيل له في عالم الغناء، وعلى رمضان الذي يبدو في حالة “زغللة” فنية ودعائية أن يسير
على دربها، ويخلد لفترة هدوء دعائي وإليكتروني، لا نستمع فيها إلى تصريحاته وقصصه غير الدقيقة لتتضح الرؤية لديه بشكل أصدق وأكثر اتزانا، لعله يحب فنه أكثر خلالها.

16