ركض الشباب يتجاوز ركود الكبار في الوظائف

يقف جيل الخمسينات والستينات من القرن الماضي حائرا أمام ديناميكية متسارعة تسيطر على تحركات الموظفين الذين انضموا إلى سوق العمل خلال القرن الجديد، وغيروا من ثقافات تراكمت بين مكوناته أهمها بحث الموظف عن الاستقرار وسعيه لإثبات الولاء للمؤسسة على حساب حجم المزايا المادية التي يحصل عليها، وكانت نتيجة هذا التغير الجوهري هي أن صار عمر الوظيفة اليوم لا يتعدى ثلاث سنوات.
الثلاثاء 2016/03/01
الغرق وسط ركام الاقتصاد.. والأولويات

لندن - تغير العالم كثيرا خلال العقدين الماضيين وباتت ملامح السوق تحدد ثقافة جديدة تقضي على تقاليد التمسك بوظيفة واحدة لسنوات طويلة لصالح القفز بين الوظائف بحثا عن دخل أعلى وعن ممارسة مهام تحقق للشباب طموحاتهم.

ونتج عن تغير الثقافة الجديدة إحساس بالريبة بدأ يخيم على أصحاب العمل خشية قبول موظف يخطط للبقاء لعام واحد في المؤسسة قبل أن يرحل بحثا عن وظيفة أخرى.

وفي السابق، كان البحث عن الاستقرار يجبر الموظفين على البقاء في وظائفهم لسنوات، وأحيانا تمتد لعقود، وهو ما كان يؤثر على سرعة مسارهم الوظيفي من حيث الترقي أو تحقيق سمعة جيدة.

كما كان الكثيرون في العالم العربي يؤمنون بضرورة الحصول على فرصة للعمل في إحدى الدوائر الحكومية التي تضمن دخلا ثابتا واستقرارا أسريا طويلا.

لكن مع طغيان شركات القطاع الخاص على السوق، وتوسع الشركات العابرة للحدود وهيمنتها على تحديد طبيعة السوق في العالم، قاد الشباب ثقافة عملية جديدة تعتمد في المقام الأول على “الخروج بأقصى فائدة من العمل في أقل وقت ممكن”.

وفي دراسة أجراها مكتب إحصاءات العمل الأميركية “بي.إل.أس″ كشفت البيانات أن المعدل العادي لبقاء العامل في وظيفته اليوم هو 4.4 سنوات، ويقل هذا المعدل إلى النصف في صفوف الشباب.

وأجرت مؤسسة “ذي فيوتشر ورك بليس” مسحا تحت شعار “أجيال متعددة تعمل”، وأوضحت النتائج أن 91 في المئة من أبناء جيل الألفية (ويشمل هؤلاء الذين ولدوا بين عامي 1977 - 1997) يبقون في وظائفهم لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات. ويعني هذا أنهم يحصلون على ما بين 15 و20 وظيفة على مدار حياتهم العملية.

وكسب الشباب أموالا أقل من تلك التي حصل عليها نظراؤهم من مواليد عام 1980 عندما كانوا في نفس أعمارهم. كما أنهم أنهوا دراستهم في فترة الركود الاقتصادي حيث كانت الوظائف المتاحة قليلة العدد، وكان رجال الأعمال يتمتعون بنفوذ يجعلهم يقدمون أجرا زهيدا للخريجين الذين لا يملكون خبرات طويلة.

وذكرت ليزا خان، وهي خبيرة اقتصادية في جامعة “ييل يونيفرستي”، أنه رغم حصول الشباب على فرص عمل أفضل على مدى السنوات القليلة الماضية، إلا أن دخول سوق العمل خلال الأزمات الاقتصادية يمكن أن يقلل من أجور العمال على مدى حياتهم المهنية.

ليديا فرانك : إذا لم أحب ما أقوم به، وإذا لم أتلق الأجر الذي يتماشى مع مهاراتي، إذا لم أكن في وظيفة تسمح لي باستغلال التدريبات التي تلقيتها والتعليم الذي زاولته، لماذا أستمر في العمل؟

وقالت إنه بعد أقل من 15 عاما على التخرج يواجه العمال خسارة تقدر بنسبة 2.5 في المئة في الأرباح، وأولئك الذين يبدأون العمل عندما يمر الاقتصاد بوضع سيء، تبقى احتمالات تحقيقهم لإنجازات مهنية كبيرة مثل الترقيات محدودة.

وفي تصريح لمجلة “فاست كامبني” العام الماضي، قالت ليديا فرانك، وهي مديرة التحرير والتسويق في شركة باي سكايل “خصوصا في هذا الوضع الاقتصادي، تختفي الأشياء التي تظهر ولاء الموظف لصاحب العمل”. وأضافت “هذا لا يعني بالضرورة أنه ينبغي على صاحب العمل أن يرعى الموظف كي يحب ما يقوم به، وإذا لم أحب ما أقوم به، وإذا لم أتلق الأجر الذي يتماشى مع مهاراتي، إذا لم أكن في وظيفة تسمح لي باستغلال التدريبات التي تلقيتها والتعليم الذي زاولته، لماذا أستمر في العمل؟ أعتقد أن هذا سؤال وجيه”.

ماذا يريد الشباب؟

يتخلى الشباب عن وظائفهم الحالية من أجل الانتقال إلى أخرى تقدم لهم مرتبات أفضل. ورغم المخاطر التي ترتبط بتغيير الوظائف، من ذلك وجود مدير سيء وصعوبة التأقلم وإثبات الذات، إلا أن الشباب يريدون كسب المزيد من المال لبناء مدخراتهم. هذا أمر مهم خاصة إذا كانوا مهيئين ليكوّنوا عائلات.

فما مدى تأثير كل هذا التنقل بين الوظائف على السيرة المهنية للشباب؟ يمكن أن يكلف التنقل المتسارع بين الوظائف الباحثين عن عمل استقرار حياتهم العملية، إلى جانب تعثرهم في الحصول على الوظيفة التي يحلمون بها.

ويعاني الشباب تحت وطأة ديون هائلة تسبب لهم القلق، وحتى إذا كانت وظائفهم الحالية لا تساعدهم على سداد قروضهم بالسرعة الكافية، فإن تنقلهم للعمل في شركة أخرى يمكن أن يتيح لهم الفرصة لسداد ديونهم.

وقال دان شوابل، وهو مؤسس شركة البحوث والاستشارات “ميلنيول براندينغ” إن “الاقتصاد قد يضطر جيل الألفية إلى التركيز على المال أكثر من الأشياء التي تستخدم لتحديد الأولويات، مثل المرونة في العمل”.

ولسنوات، حذّر الخبراء من أن وسطاء التوظيف يستبعدون هؤلاء الغارقين في بحث مزمن عن وظيفة، وبدلا من ذلك يفضلون تسويق السير الذاتية للموظفين المحتملين الذين ينوون شغل الوظيفة لفترة أطول.

ويعرب مسؤولو الموارد البشرية في الشركات كثيرا عن قلقهم من السير الذاتية المليئة بتجارب مهنية لا تتجاوز السنتين. وهو ما يدفعهم إلى سؤال المتقدمين لطلب الشغل عن دوافعهم حول التقديم للوظيفة، ومستوى مهاراتهم، ومدى مشاركاتهم في العمل والقدرة على التعامل مع زملائهم الآخرين.

الأجيال الجديدة يعتريها قلق بخصوص العثور على السعادة وتحقيق إنجاز في حياتهم العملية

ويخشى المسؤولون عن التوظيف من أن يصبحوا ضحية للعبة كر وفر مع المتقدم لطلب الشغل. وبالنسبة إلى الشركات، فقدان الموظف بعد سنة يعني إضاعة لوقت ثمين وللموارد التي تم تخصيصها في مجال التدريب والتطوير.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن كثيرا من وسطاء التوظيف يعتبرون أن مدة عام واحد قصيرة جدا ولا يمكن للعامل التعلم بالقدر الكافي خلالها.

لكن بالنسبة إلى الخريجين الجامعيين الجدد، فإن التنقل بين الوظائف يمكن أن يعجّل بتقدمهم الوظيفي.

وأكدت ورقة بحثية أعدّها قسم علم الاجتماع بمعهد “سان أولاف” بعنوان “التوظيف والتسويق، والتقدم: توقعات جيل الألفية حول مكان العمل”، أن “تغيير الوظائف والحصول على ترقية في العمل يسمح للموظفين من جيل الألفية بتجنب العقبات التي يمكن أن توقع الموظفين في فخ الصعود البطيء في السلم الوظيفي”.

كما أن التنقل بين الوظائف يمكن أن يحقق المزيد من أهداف الحياة العملية، التي يوليها الشباب اليوم أهمية أكبر بكثير من الأجيال السابقة.

وكشف بحث استقصائي تم إجراؤه في عام 2012 أن 88 في المئة من الموظفين يعتبرون أن “الثقافة الإيجابية” مهمة أو ضرورية في مكان العمل الذي يحلمون به. وقال 86 في المئة إنهم وجدوا أنفسهم في وظائف “مثيرة للاهتمام”.

وتقول جين مايستر، الباحثة في مؤسسة فوربس، إن “التنقل بين الوظائف يساعد الموظفين على بلوغ هذه الأهداف، لأنه يتيح لهم القيام بمجموعة متنوعة من الأدوار وتعلّم مهارات جديدة في مسارهم المهني”.

وأضافت “استبعد عدم الاستقرار الاقتصادي، وخاصة بالنسبة إلى الموظفين الشباب، من الأذهان فكرة أن الانتقال بين الوظائف يشكّل وصمة عار، ذلك لأن التنقل الاستراتيجي أصبح أمرا ضروريا، وبالتالي يدرك الموظفون اليوم أنه يمكن الاستغناء عنهم في أي وقت، وبالتالي أصبحوا يخططون للعمل المستقل”.

وعلى عكس اهتمام الموظفين من “جيل طفرة المواليد” بالعمل من أجل تحقيق الاستقرار وإقامة أسر، يعتبر الاستقرار في ثقافة العمال من جيل الشباب اليوم أمرا محتما، ولا يتطلب قلقهم.

والطفل المولود في “فترة طفرة المواليد” هو الطفل الذي ولد أثناء الفترة الديموغرافية لطفرة المواليد بعد الحرب العالمية الثانية بين عامي 1946 و1964، وفقا لما أشار إليه مكتب تعداد الولايات المتحدة. كما يستخدم مصطلح “الطفل المولود في فترة طفرة المواليد” كذلك في السياق الثقافي.

ويقول خبراء إن الأجيال الجديدة يعتريها قلق بخصوص العثور على السعادة وتحقيق إنجاز في حياتهم العملية، يفوق ما حلم به أبناء الأجيال السابقة.

ريتشارد دوكاس: إذا كنت تريد الذهاب للحصول على فرصة أخرى، افعل ذلك لأسباب صحيحة، افعله لأنك لا تزال تبحث عن عمل مناسب لك، ولمكانتك، ولكن لا تفعل ذلك لأنك تحاول تسلق سلم الشركات

صراع أجيال

ويُنظر إلى الشباب الآن كعمال غير ملتزمين يبحثون عن وظائف جديدة تكون أفضل من تلك التي يمارسونها. لكن قصة جديدة نشرتها صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية كشفت أنه على الشركات التي ترغب في تحسين معدلات الاحتفاظ بموظفيها من الشباب أن تبدأ في النظر في حزم الرواتب والمزايا الممنوحة لهم.

واستنادا إلى إحصاءات عام 2014 التي أجراها مكتب إحصاءات العمل الأميركي ”بي.إل.أي”، كشفت النتائج أن العامل العادي في عمر ما بين 25 و34 عاما يستقر بوظيفة ما لمدة لا تزيد عن ثلاث سنوات، في حين أن معدل الاستقرار في وظيفة واحدة للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 35 و44 عاما هي 5.2 عام.

ولا يبدو التفاوت أمرا مقبولا بالنسبة إلى أولئك الذين ولدوا في الأجيال السابقة، وكشف مسح أجرته مؤسستا “باي سكايل” و”ميلينيال براندينغ” في عام 2014 أن أولئك الذين ولدوا في فترة طفرة المواليد في ستينيات القرن الماضي يعتقدون أنه يجب عليهم البقاء في وظيفة ما لمدة خمسة أعوام على الأقل قبل الانتقال إلى وظيفة أخرى.

وقالت ميليسا موراي بيلي من مؤسسة الاستشارات والأبحاث “يونيفرسيوم” إن “القوى العاملة أصبحت تمارس عملها بشكل مختلف تماما عن وقت التحاق جيل طفرة المواليد”. وأضافت “في جيل طفرة المواليد، كان الجميع يتمتع بمعاشات التقاعد، التي سهلت حقا التزامهم تجاه الاستمرار بالعمل في الشركة”. وقالت “كلما تراجعت الشركات عن منح معاشات التقاعد، كلما قل التزام العاملين تجاه شركاتهم”.

ويرى بعض المديرين أن التنقل بين الوظائف ليس أمرا يبعث على الحذر إذا كان الشخص يبحث عن الوظيفة التي طالما حلم بها، وليست غايته الوحيدة المال والسلطة.

وقال ريتشارد دوكاس، وهو الرئيس التنفيذي لشركة دوكاس للعلاقات العامة “إذا كنت تريد الذهاب للحصول على فرصة أخرى، افعل ذلك لأسباب صحيحة. افعله لأنك لا تزال تبحث عن عمل مناسب لك، ولمكانتك، ولكن لا تفعل ذلك لأنك تحاول تسلق سلم الشركات”.

13