ركود تجارة السيارات يختزل متاعب الاقتصاد التركي

السبب الوحيد في انكماش القطاع هو عدم توفر الرغبة الكافية لدى النظام المالي لتمويل مبيعات وتجارة السيارات.
الثلاثاء 2018/11/13
اختفاء الزبائن من السوق

تمثل مبيعات السيارات، وإلى جانبها مبيعات الوحدات السكنية، أحد البيانات التي قدمتها سلطة حزب العدالة والتنمية لفترة زمنية طويلة كمؤشر على وجود نهضة اقتصادية في البلاد.

ولطالما قدم الرئيس أردوغان، في الانتخابات التي تكررت كثيرا خلال السنوات الأخيرة، أرقام مبيعات السيارات كنموذج للاستقرار الاقتصادي، وشدد على عدم وجود أزمة اقتصادية متسائلا “لو كانت هناك أزمة هل كان يمكن بيع هذا القدر من السيارات؟”.

والحقيقة هي أن تجارة السيارات تأتي على رأس القطاعات الأسرع نموا في تركيا خلال السنوات الـ16 الأخيرة. ويبلغ إجمالي مبيعات السيارات سنويا في البلاد ما يقرب من مليون سيارة اعتبارا من عام 2010.

وتحطم الرقم القياسي ببيع 985 ألف سيارة عام 2016، وبدعم الطلب المحلي زاد عدد الشركات التي تستثمر في مجال الإنتاج في تركيا، وبفضل تلك الشركات أخذت تجارة السيارات عرش صناعة النسيج التي كانت الأولى في تسعينات القرن الماضي، لتصبح بذلك أكثر القطاعات تصديرا.

لكن الاضطراب الذي شهدته أسواق المال هذا العام قد أفسد الأعمال في هذا القطاع، ربما بقدر لم يكن من قبل قط. ونتيجة لارتفاع سعر صرف الدولار إلى 7.2 ليرة تركية ورفع البنك المركزي أسعار الفائدة مباشرة بمقدار 6.25 بالمئة عاش القطاع ضربتين موجعتين.

ووفقا للبيانات الصادرة عن رابطة موزعي السيارات فقد بيعت في البلاد خلال شهر سبتمبر الماضي، نحو 23 ألف سيارة تجارية خفيفة وسيارة ركوب خاصة.

ويظهر هذا الرقم انكماشا في النمو بنسبة 67 بالمئة، وهو ما يجعل المسؤولين عن القطاع يصفون الوضع بأنه “سيء كما كان الحال في أزمة 2001” وأنه “كارثي”، بينما البيانات الواردة في أكتوبر قد زادت من أبعاد الذعر بصورة أكبر.

فقد بيعت 21 ألف سيارة الشهر الماضي، وهذا الرقم يعني انكماشا بنسبة 77 بالمئة مقارنة بالسنة الماضية، أي 65 بالمئة مقارنة بمتوسط العشر سنوات. وتكشف المعلومات الواردة من القطاع أن الوضع في شهر أكتوبر أيضا لم يتغير.

وبالطبع فإن إدارة الاقتصاد هي من يحتكر كل المعلومات. وكانت الحكومة أعلنت حزمة من الإجراءات الأسبوع الماضي، تجعل سبب تخفيض قيمة الضريبة على مبيعات السيارات أمرا واضحا بالإضافة إلى تخفيض أسعار الحديد الخردة من أجل زيادة المبيعات داخل القطاع والحيلولة دون تحول الركود فيه إلى كارثة اقتصادية.

ويسري التخفيض الضريبي خلال الشهرين الماضيين، ووفقا للتصريح الذي أدلى به رئيس رابطة وكلاء بيع السيارات المعتمدين مراد شاه سوار أوغلو إلى وكالة بلومبيرغ، فمن المتوقع أن يبيع القطاع في ظل هذه التخفيضات 100 ألف سيارة أخرى.

ومع هذا التخفيض الضريبي المؤقت الذي يزيد من الطلب يتوقع أن يرتفع إجمالي المبيعات بنهاية العام إلى ما بين 650 و600 ألف سيارة. وهذا يدل على أنه بالرغم من تخفيض الضرائب وتحريك الحديد الخردة، إلا أنه من المتوقع أن تتراوح نسبة الانكماش السنوي في القطاع ما بين 32 و37 بالمئة.

ومع أن التخفيض الضريبي شيء إيجابي وفقا لسوار أوغلو إلا أنه لن يأتي بحل أكيد وقاطع، لأن السبب الوحيد ليس زيادة أسعار السيارات تأثرا بسعر الصرف، بل عدم توفر الرغبة الكافية لدى القطاع المالي لتمويل مبيعات السيارات في القطاع. ويذكر سوار أوغلو أن البنوك حاليا استجابت لثلاثة طلبات فقط من بين كل 10 طلبات بالاقتراض.

وهذا المعدل منخفض مثل معدل الاستجابة لطلبات الاقتراض في قطاع الإسكان خلال الأزمة. كما أدلى سوار أوغلو بمعلومات وبيانات كشفت أن طلب الشركات استئجار السيارات يشكل حصة كبيرة في إجمالي المبيعات سنويا، وأنه فقد قدرا كبيرا من زخمه بسبب تردي الظروف المالية.

وتشير الأرقام إلى حدوث تحلل سريع بسبب ما تتعرض له مبيعات السيارات من ضغط من الجانبين جراء ارتفاع أسعار المبيعات، وعقبات التمويل.

ووفقا لبيانات هيئة الإحصاء التركية فإن متوسط أسعار السيارات الديزل الجديدة خلال السنة الماضية، وتحديدا الفترة من سبتمبر إلى سبتمبر، قد زاد بنسبة 61.1 بالمئة، ليرتفع من 17.5 ألف دولار إلى 28.1 ألف دولار، ومنها إلى 91.4 ألف دولار.

وأما بالنسبة لأسعار السيارات البنزين فقد سجلت ارتفاعا بنسبة 57.2 بالمئة لترتفع من 13 ألف دولار إلى 20.3 ألف دولار. وتشير هذه الأرقام إلى أن زيادة أسعار السيارات أعلى بكثير من معدل التضخم السنوي الذي أعلن أنه 24 بالمئة.

وتكشف بيانات المركزي ارتفاع التكلفة السنوية لقروض شراء السيارات المسحوبة لتصل إلى 30.89 بالمئة مطلع شهر نوفمبر الجاري. وقد كان هذا الرقم 14.41 بالمئة خلال نفس الفترة من العام الماضي.

وعند إضافة تكلفة أسعار الفائدة يظهر أن التكلفة المالية الإجمالية التي ستدفع هذه الأيام من أجل شراء سيارة ديزل بمعدل ائتمان بقيمة 70 بالمئة سنويا تبلغ 34 ألف دولار.

ومع ذلك فقد كان هذا الرقم 19.2 ألف دولار العام الماضي. وهذا المتوسط يعني ارتفاع الثمن الذي سيدفع لأجل شراء سيارة بقرض ائتماني بنسبة 78 بالمئة. كما أنه يحمل نسبة مهمة للغاية بالرغم من انكماش السوق تبلغ 77 بالمئة خلال الشهر الماضي.

وتكشف آخر الأرقام أن الوكلاء المعتمدين في هذا القطاع لم يستطيعوا سوى بيع سيارة واحدة كل يومين خلال شهري سبتمبر وأكتوبر، كما تتوالى الأخبار بأن بعض البائعين أغلقوا مراكزهم أو باعوها لغيرهم.

وعلى مدى سنوات عقد التسعينات من القرن الماضي بلغ متوسط مبيعات سوق السيارات ما يقرب من 500 ألف سيارة، أما في السنوات اللاحقة حيث تضاعف متوسط المبيعات إلى الضعفين، فقد نمّى هذا القطاع شبكته الإنتاجية والتسويقية وفقا لهذا.

وبالنظر إلى الأمر اليوم يتبين أن قطاع تجارة السيارات في تركيا يحقق مبيعات محلية من خلال 41 علامة تجارية، وأكثر من 950 ألف بائع وما يزيد عن 300 مركز تجاري معتمد.

ووفقا لبيانات رابطة وكلاء بيع السيارات المعتمدين فقد تم تنفيذ استثمارات بقيمة 2.74 مليار دولار على المراكز التجارية المنشأة في القطاع، ويشغل هؤلاء الوكلاء المعتمدون 100 ألف موظف مباشر، وأكثر من 250 ألف موظف غير مباشرين.

10