رمزية الإرياني.. صوت المرأة اليمنية وقائدة ثورتها المبكرة

الأحد 2014/01/19
رمزية الإرياني احتلت المركز الرابع ضمن أفضل 100 امرأة حول العالم

فقد اليمن برحيل رمزية الإرياني واحدة من أهم وأول من كتبن ونشرن الرواية والقصة واحترفن الإبداع الأدبي في اليمن وإحدى أهم الناشطات السياسيات. فهي أول يمنية تحمل لقب سفير في عملها الدبلوماسي، قبل التحاقها بالعمل الحقوقي وبرزت كرائدة في مجال كتابة القصة والرواية.

في بلد مفرط في محافظته كاليمن يفرض فيه المجتمع الكثير من القيود والمحاذير على المرأة، تعد رمزية الإرياني، علامة فارقة ونبراسا أضاء الطريق وصنع الأنموذج للكثير من النساء اليمنيات الطامحات للعبور إلى المستقبل.

كان لمدينة تعز التي كانت الأكثر انفتاحا وتسامحا بالمقارنة مع مثيلاتها من مدن اليمن، دور في تشكيل ثقافة ووعي رمزية عباس الإرياني المدني، حيث أتاحت هذه المساحة النسبية من القبول بالمرأة فرصة سانحة لم تفوتها الطفلة الصغيرة الشغوفة بالتعليم، والتي كانت السبب في افتتاح أول فصل إعدادي للإناث في مدينة تعز.

فحين قررت وزارة التربية والتعليم عدم فتح فصول للمرحلة الإعدادية للبنات بسبب عدم وجود مدرسات إناث، قادت رمزية الإرياني أول مظاهرة نسائية في شوارع تعز في السبعينات من القرن الماضي فيما يشبه الثورة التعليمية التي رفعت شعار “الثورة من أجل التعليم”. وندّدت بالقاضي عبدالرحمن الإرياني، الذي كان رئيسا للجمهورية حينها، على الرغم من أنه خالها. وقد أثمرت تلك المظاهرات فعلا عن إيجاد معالجة فورية أتاحت الفرصة لجيل كامل من النساء للالتحاق بمراحل التعليم العليا. وكانت رمزية الإرياني نفسها إحدى نساء هذا الجيل والتي تفوقت وكانت من الطالبات الأوائل على مستوى الجمهورية.


رحلة شغف وتحد


لم يقف طموح رمزية الإرياني عند سقف معيّن، فقد حاولت مرارا أن تكسر حاجز الصمت والخوف من المجتمع، فطرحت العديد من الانتقادات للكثير من العادات التي كانت تفرض على النساء في اليمن.. الأمر الذي سبب حرجا لوالدها الذي كان يمارس مهنة القضاء وينتمي لطبقة رجال الدين الذين ساهموا أصلا في تكريس العديد من العادات والأفكار التي ثارت عليها ابنته رمزية.

واصلت رمزية الإرياني رحلة التميّز التي خاضتها عن عمد لترسل رسالة إلى نساء اليمن مفادها أن كل شيء بات ممكنا.. فكانت أول امرأة يمنية تعمل في السلك الدبلوماسي وأول امرأة يمنية تعمل في التفتيش التربوي.. وأول روائية يمنية.. في رحلة شغف وتحدٍّ تستحق الوقوف عندها.

تحدثت رمزية في آخر مقابلة صحفية أجريت معها قبيل رحيلها بأيام عن الصعوبات التي اعترضت عملها في كل مرفق حكومي وكيف كانت تتعرض للمضايقات والتعامل الدوني معها بصفتها امرأة وكيف رفض طلب تعيينها في السلك الدبلوماسي في وزارة الخارجية اليمنية على الرغم من تخرجها من جامعة القاهرة وذلك فقط لأنها امرأة حتى سنحت لها الفرصة ذات يوم بلقاء الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، الذي كتب توجيها صريحا بتعيينها في السلك الدبلوماسي.. فتم تعيينها على الفور قنصلا في الهند كأول امرأة يمنية تعمل قنصلا في وزارة الخارجية قبل أن تنتقل للعمل في سفارة اليمن بتونس حيث كانت تقدم برنامجا تعريفيا عن اليمن عبر التلفزيون التونسي لمدة 5 دقائق كل يوم.

انتقلت بعد ذلك رمزية الإرياني للعمل كدبلوماسية في سفارة اليمن في الولايات المتحدة الأميركية.. وعندما صدر قرار في عام 1999 بتعيينها سفيرة في إحدى دول أوروبا الشرقية.. رفضت ذلك بسبب أن تلك الدول لا توجد بها مدارس عربية أو إسلامية، وقد تعرضت جراء ذلك الرفض لقرار هو أشبه بالعقاب من وجهة نظرها حيث تمت إحالتها إلى التقاعد.

عملت على توحيد الاتحاد الذي كان مشطرا كاتحادين في الشمال والجنوب وانتخبت رئيسا لهذا الاتحاد لعدة دورات


روائية وقائدة نسائية


لم تضيّع رمزية الإرياني الوقت سدى فقد عادت للعمل تحت مظلة “اتحاد نساء اليمن” فعملت على توحيد الاتحاد الذي كان منقسما إلى اتحادين في الشمال والجنوب وانتخبت رئيسا لهذا الاتحاد لعدة دورات وقد حصلت على إجماع مذهل حينما تم إعادة انتخابها عام 2008 رئيسة لاتحاد نساء اليمن بـ 42 ألف صوت نسائي من مختلف محافظات اليمن كافة. كما تم انتخابها أمينا عاما للاتحاد النسائي العربي.

وعلى صعيد الهاجس الأدبي والصحافي أسست الإرياني مجلة بعنوان “أبحاث سياسية” في العام 1989، كأول مجلة تصدر من وزارة الخارجية. وذلك بعد حصولها على درجة الماجستير من جامعة “جواهر لال نهرو” كما رأست تحرير مجلة “المرأة والتنمية” التي صدرت باسم الأمانة العامة للاتحاد النسوي العربي.. وقد كان ولع رمزية الإرياني بالكتابة الأدبية مبكّرا قبل أن تصبح أول روائية يمنية إثر صدور روايتها الأولى في العام 1970 بعنوان “ضحية الجشع”.

وتعتبر روايتها “ضحية الجشع” أول رواية من قبل امرأة يمنية. وقال عنها الناقد اليمني عبدالباري طاهر “قصص اليافعة رمزية ابنة القاضي الفاضل عباس الإرياني كانت مرحلة ريادة للمرأة وتأسيسا للقصة القصيرة في مدينة تعز بعد محمد عبدالولي”.

وأول أقصوصة لها كانت باسم “لعله يعود” ونشرتها في دمشق في عام 1981. ومنذ ذلك الحين كتبت عدة مجلدات عن الخيال وكذلك العديد من كتب الأطفال. وكتبت أيضا كتابا عن النساء اليمنيات الرائدات بعنوان “رائدات يمنيات” سنة 1990.

قادت رمزية الإرياني أول مظاهرة نسائية في شوارع تعزّ في السبعينات من القرن الماضي فيما يشبه الثورة التعليمية التي رفعت شعار “الثورة من أجل التعليم”

وقد حصلت رمزية الإرياني على الكثير من التقدير الدولي نظرا لما تقدمه للمرأة اليمنية، حيث فازت بالمركز الرابع ضمن أفضل 100 امرأة حول العالم، وبموجب ذلك حصلت على جائزة التحالف العالمي للمرأة في كندا. كما تم اختيارها قبيل رحيلها بشهور كعضو في مؤتمر الحوار الوطني غير أنها تعرضت في السنوات الأخيرة من حياتها إلى حملة إعلامية شديدة بسبب موقفها المؤيد للرئيس السابق علي عبدالله صالح وكونها عضوا في أعلى هيئة سياسية في حزبه المؤتمر الشعبي العام (اللجنة العامة) غير أنها رفضت مرارا الرد على الانتقادات الموجهة إليها وخصوصا من التيارات الإسلامية.

وقد قالت في حوار صحفي مبرّرة تمسكها بحزب الرئيس صالح: “المسألة مسألة قناعات.. وأنا أتشرف بأني عضوة في حزب المؤتمر ولا يجب أن ينسف الماضي وتنسف إيجابياته، حزب المؤتمر ساهم في بناء دولة ومازال يساهم حتى اليوم.. لا يجب أن نفكر التفكير الحزبي الضيّق.. يجب أن يكبر حجم تفكيرنا بحجم الوطن”.

وقد كتب عنها مدافعا، أحد الصحافيين المعارضين، قائلا في سياق دفاعه عن انتمائها لحزب المؤتمر الشعبي العام. “رمزية كانت عصية على التدجين، وإن انتمت إلى المؤتمر الحاكم، فهي واعية ومدركة لإمكانية خدمة بنات جنسها من خلال وجودها داخل المؤتمر”.

غادرت رمزية الإرياني إلى ألمانيا بتاريخ 13 نوفمبر 2013 وذلك لإجراء عملية جراحية غير أنها تعرضت لجلطة مفاجئة أثناء العملية، الأمر الذي تسبب في وفاتها.

20