رمزية مشاركة العربيات في أولمبياد ريو 2016 تتجاوز الإنجاز الرياضي

تعد المشاركات العربية في المسابقات الرياضية الدولية مناسبة لتقييم أداء اللاعب ووسيلة لدراسة تقدم استثمارات الحكومات بوزاراتها وأجهزتها الرسمية للنهوض بهذا القطاع ولكشف التوجهات السياسية والاجتماعية خاصة في ما يتعلق بالرياضة النسائية في كل دولة عربية. من هذا المنظور يمكن أن نتخذ من الألعاب الأولمبية المنتظمة في ريو دي جانيرو البرازيلية فرصة لمعرفة مدى تقدم الرياضة النسائية العربية، وهل تعكس مشاركة لاعبات عربيات في المسابقات الدولية تحولا ثقافيا واجتماعيا ينبئ بتغير النظرة التقليدية لممارسة المرأة للرياضة والألعاب الفردية؟
الأحد 2016/08/21
عازمات على بلوغ غد أفضل رياضيا

تونس – تابع الجمهور العربي باهتمام وشغف أولمبياد ريو 2016 والكل يأمل أن يشاهد راية بلده ترفرف بين باقي الدول احتفالا بفوز لاعب أو لاعبة في إحدى المسابقات. المتأمل في دورة هذا العام من الألعاب الأولمبية يلاحظ زيادة عدد المشاركات العربيات مقارنة بالدورات السابقة.

حضور يبدو للوهلة الأولى غير لافت نظرا لقلة الفائزات بالجوائز إلا أنه يحمل العديد من الدلالات فيما يخص الرياضة النسائية في الدول العربية ونظرة مجتمعات هذه الدول للمرأة التي تحترف نشاطا رياضيا وتقدم على المشاركة في مسابقات على المستويين المحلي والدولي.

الزيادة في أعداد المشاركات بدت في هذه الدورة بارزة بالنسبة إلى اللاعبات الخليجيات حيث تجاوز عددهن الثلاثين لاعبة، ورغم أن الميداليات لم تكن من نصيب أغلبهن إلا أن حضورهن في حدّ ذاته يحتمل قراءات كثيرة منها ما يحيلنا على نشأة ثقافة ووعي اجتماعي جديدين يقبلان أن تمثل النساء بلدانهن في المحافل والمسابقات الرياضية الدولية، وهما بالتالي يقران ولو ضمنيا بقدرات ومواهب هؤلاء الرياضيات ما يفسح أمامهن المجال لإثبات جدارتهن وقدرتهن على منافسة نظيراتهن من باقي دول العالم.

ورغم أن هذه القراءة تظل نسبية إذ تحتمل نقاشات طويلة بحسب كل مجتمع عربي على حدة من حيث درجة تمسكه بالنظرة التقليدية التي لا تقبل أن تمارس المرأة الرياضة وتربطها بالجوانب الدينية وبالعادات والتقاليد وخاصة باللباس، ورغم الصعوبات التي تواجهها الرياضة النسائية في جلّ الدول العربية والإسلامية إلا أن دورة أولمبياد ريودي جانيرو لهذا العام تعد استثنائية بالنسبة إلى المشاركة النسائية من دول الخليج العربي حيث ارتفع عدد المتسابقات عن الدورات السابقة.

الصورة التي ظهرت بها اللاعبات العربيات تعكس وضعهن في المجتمعات العربية إذ أن العديد من المتابعين ترك الامتياز الرياضي والنتائج ولم يهتم بغير لباس هؤلاء اللاعبات

وشاركت المملكة العربية السعودية في أولمبياد ريو بـ7 لاعبين؛ بينهم 4 سيدات، ومن بين 13 متسابقاً ومتسابقة اعتمدت دولة الإمارات العربية المتحدة على 4 لاعبات وشاركت البحرين بـ45 متسابقاً ومتسابقة، بينهم 18 رياضية، أغلبهن في ألعاب القوى، مقارنة بـ8 سيدات فقط في النسخة السابقة، من بينهن روث جيبيت الفائزة بالميدالية الذهبية في سباق 3 آلاف متر موانع، وبنفس العدد مع النسخة السابقة اكتفت قطر بإشراك لاعبتين في أولمبياد ريو وشاركت سلطنة عمان بلاعبتين أيضا.

أما بالنسبة إلى باقي الدول العربية فكانت مشاركة لاعباتها باهتة حيث تحصلت كل من الرباعة المصرية سارة سمير والمبارزة التونسية إيناس البوبكري والمصارعة التونسية مروى العامري على ميداليات برونزية في حين جاءت التونسية حبيبة الغريبي حاملة الميدالية الذهبية في أولمبياد لندن 2012 في المركز الثاني عشر في سباق 3 آلاف متر موانع.

وأعربت الغريبي عن خيبة أملها وقالت “أنا مستاءة بطبيعة الحال، فأنا صاحبة اللقب الأولمبي وكنت أرغب في الاحتفاظ به لكنني أنهيت السباق في مركز متأخر”. وفشلت المغربية حياة لمباركي والسورية غفران محمد في التأهل إلى نصف نهائي سباق 400 متر حواجز حيث جاءت الأولى في المركز 43 والثانية في المركز 48.

حضور متميز

ورغم ما قدمته حبيبة الغريبي للرياضة النسائية التونسية حيث لقبت بحبيبة التونسيين إلا أن خسارتها في هذه الدورة لقيت ردود فعل متضاربة وعلّق بعض مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي على أن فشل حبيبة كان بسبب لباسها العاري وعلقوا بأن القدر يلقّنها درسا بسبب سخريّتها من زميلة لها محجّبة، وشمت هؤلاء في خسارتها خاصة وأن العديد من المتسابقات العربيات ارتدين غطاء للرأس ولباسا يغطي أجسادهن وأثارت هذه التعليقات جدلا واسعا عبر منصات التواصل الاجتماعي.

الجدل الذي أثارته خسارة حبيبة الغريبي التونسية والتي ربطت مباشرة بلباسها وبدرجة احتشامه، ما كان ليطرح قبل صعود التشدد الديني في تونس وهو يعكس حال التونسيات عموما بعد ظهور التيارات الفكرية السلفية في البلاد والتي تأبى أن تسجل المرأة حضورها في عالم الرياضة عموما، وهي أيضا تقدم نموذجا لتفكير فئات واسعة من المجتمعات العربية المتشددة التي لا ترى شيئا في المرأة غير جسدها وتهمل قدراتها ومواهبها ليس فقط في المجال الرياضي بل في جميع مناحي الحياة.

ويقول الصحافي الرياضي بإذاعة موزاييك التونسية الخاصة مكي العوني إن الصورة التي ظهرت بها اللاعبات العربيات تعكس وضعهن في المجتمعات العربية إذ أن العديد من المتابعين ترك الامتياز الرياضي والنتائج ولم يهتم بغير لباس هؤلاء اللاعبات.

وعلى الرغم من أن عدد المتوّجات العربيات بسيط فإنه يمكن الحديث عن تقدم واضح في الأداء والنتائج خاصة مع تزايد عدد المشاركات العربيات والذي بات يتطور من أولمبياد إلى آخر. من جانبه يرى الصحافي الرياضي التونسي بإذاعة شمس أف أم الخاصة مهدي عبيد أن الظهور النسائي العربي لم يكن في مستوى التطلعات واقتصرت التتويجات على بعض الاستثناءات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ويضيف “شخصيا أفتخر بما حققته المصرية سارة سمير والتونسية إيناس بوبكري أما النجاحات التي تتحقق برياضيات مجنّسات فهي تنم عن طفرة مخيفة تعيشها الرياضة النسائية العربية، فالعرب أجبروا على اتّباع موضة التجنيس العالمية ليسايروا الغرب في حصد الميداليات، لكنّ هذا التوجه من شأنه أن يدق نواقيس الخطر ويدفعنا للتساؤل عن مستقبل الرياضة النسائية العربية. أعتقد أنه من الواجب المراهنة على بنات البلد وتوفير كل ممهدات التفوق لهن خاصة مع المكانة المرموقة التي تحظى بها المرأة في مجتمعاتنا العربية”.

صحفية من تونس

20