رمز أصيل بألم

السبت 2015/05/09

حينما شمرت عن ساعدي للشروع في الكتابة عن أحد رجالات الخليج الذين أفنوا وقتا ليس بالقصير في سبيل خدمة مجتمعهم، وهنا أعترف بأن الكتابة عن هذا الرجل أمر ليس سهلا كما أنه لم يكن مستحيلا، وذلك لقربي منه والعمل معه لفترة ليست بالقصيرة، فيها من الودّ والاحترام والتقدير الشيء الكثير، ومن هنا كانت نقطة البداية للشروع في الكتابة.

هو بحق من أبرز رجالات الخليج الذين يستحقون منّا الوفاء له، ونتذكره بين وقت وآخر، لما قدّمه من عمل وجهد في جميع المجالات الوطنية، وفي إثراء الثقافة والتراث بشكل خاص، دون أن يبحث عن ضوء إعلامي.

محمد خلف المزروعي اسم نستوحي منه رمزا للشموخ والطيبة والعمل الدؤوب المخلص، لمع اسمه في العالم كقيمة إنسانية وأدبية كبيرة، ورمز أصيل للتراث والثقافة، يعمل دائما خلف الكواليس لكي ينتج كوكبة لامعة من البرامج التراثية والشعرية والأدبية تصدح في سماء الإعلام ذات جودة فائقة، ولكنه لا ينسبها إلى نفسه قط، بل يبجل دائما الآخرين فيقدمهم إعلاميا روادا، في إيثار، فهو لايأبه بالأضواء كي لا تخدش بساطته ولين جانبه، يكفيه اسمه عنوانا للنجاح المتواصل. في أحيان كثيرة يقابل النقد المغرض بابتسامة الثقة ولا يعاملهم كأعداء نجاح.

عمل على تكوين منظومات ناجحة من صفوة المثقفين والأدباء والشعراء، فوظف قدراتهم لتنصهر في بوتقة العطاء، فجعل من بيته مزارا للثقافة ونواة للقاء النخبة وغيرهم من كل أصقاع الأرض، فالثوب والمشلح والبدلة ترتديها حضارات وثقافات مختلفة تجتمع في مجلسه، يحركون قدح الشاي بحلاوة قوله ولقائه، فيرتشفون الجمال الإنساني والأدبي وحفاوة محياه لتترطب قلوبهم بالحب الإماراتي الأصيل، ويجلس آخرون أتوا ابتغاء خدمة أو تلبية طلب فهو حليفهم، يناصرهم، يقف مع الشيخ الكبير والشاب، ويلاطف الطفل الصغير، ويسعى إلى علاج مريض في بلسمه، ويمنحه ويساعده، للخير معطاء وللحب بناء.

وقد أذيع سرا، فقد نما إلى علمه وفاة شاعر ترك دينا جما فبادر إلى تسديده عنه دون إخطار بشر، وقد نبس طالب يدرس في أميركا أن طلبة الخليج يجتمعون في بيته المضياف إبان دراسته هناك، ليجعل منه مقرا حميميا دافئا، فهو ليس فردا نافذا، بل هو نواة الحب المجتمعي الصادق، شمسه لا تغيب، تدور حولها كل الأقمار… فقد جبل على الحب، فناضل في سبيل رفعة بلاده، وجعلها شاشة تشخص إليها الأبصار كل مساء، تنظر إلى المجد الكبير في لوحة بل ملحمة تنادي الشعر والحضارات العربية والكتب العربية، فيجعلنا نقلب صفحاتها دون أن نشعر.

يقابلك بثغر يبتسم يحمل إليك مفاجآت خلف ابتسامة الصبر فيأخذ بيدك بطرح فريد يصور لك قصة نجاح جديدة مع كل ابتسامة لمخزون لا ينضب، إلى درجة أنه يخطط للتطوير والتحديث في لحظاته حتى العابرة منها لا تخلو من استجماع الأفكار، فهو لا يهمل فكرة أو مقترحا بل يناقش ويذهب بك إلى أعلى من الرباب، وكأنه يستذكر نصا جميلا لمهندس الكلمة بدر بن عبدالمحسن “فوق هام السحب” لترى أفقه وهو يحلق بك على متن فضائه الجميل! يتقبل النقد حتى اللاذع منه فيناقش ولا يناكف، يصغي ولا يقاطع يبتسم ولا يتصعّر، يحلم يرأف يتسامح، وقد همس في أذنه مرتاد لديوانه ليشير ببنانه إلى شخص جالس أمامه ليبين له بأنه صحافي جرح ولذع ولدغ بقلمه جورا شخصه الكريم، فما كان منه إلا أن لاطفه، وأمر له بسكن يستضيفه فيه ويكرمه مثله مثل بقية الضيوف، ليقابل السيئة بالحسنة تحقيقا لخلق المسلم ليس إلّا.

وهناك الكثير والكثير من الصور الكبيرة في حياة الفقيد تغيب عنا لعله أودعها سرا في ميزان أعماله حتى تمتلئ صفحاته بمشيئة الله بالحسنات ليثقل ميزانه، فقد اختاره الله إلى جواره لتشغر كل الساحات والفضاءات، ونشعر باليتم الفكري والجدب الإنساني، وبالقيمة الحقيقية للإنسان أيا كانت مشاربه.

أبو خلف… أدمع قلبي وقلمي معا فاختلط الوجد بحبر حبك، وتقاطرت كشمعة حزينة تحترق، وتسكب الحسرة في جوف مستعرّ، وتنادى بي البث والكمد، فأسأل الله لك الجنة مستقرا خالدا مع الصديقين والشهداء.

17