رمسيس يونان رجل البداهة الوطنية الذي سحره الرسم

السبت 2015/02/14
رمسيس يونان السريالي العربي الأخير

أن تكون سرياليا مصريا فهذا معناه بالضرورة أن تكون نسخة معاصرة من رمسيس يونان، غير أنك ستكون عاجزا عن إضفاء صفة سريالية جديدة على الرجل الذي كان، في مصر، بمثابة بابا السريالية ومرجعها الأكبر في ثلاثينات القرن العشرين وأربعيناته التي كانت زاخرة بالوعود الجمالية.

في تلك الفترة كان التيار السريالي في العالم يتربع على قمة الحياة الأدبية وبالأخص في فرنسا وكان يونان بمثابة مبشر ذلك التيار المتمرد في مجتمع كان لا يزال يقف بين عتبتي المحافظة والتجديد مترددا في خياراته المصيرية. فكان ظهور يونان في المشهد الثقافي أشبه بصرخة الوثوب الحاسمة في اتجاه الحداثة الفنية.

كان يونان وفيا لثقافته المعاصرة التي اكتسبها من مطالعاته للكتب والمنشورات الفرنسية، حازما في خياراته الثقافية والسياسية التي نأت به بعيدا عن التفكير القطيعي وهو ما جعله فردا في مقابل جماعة لم تكن ترحم مَن يقاطعها أو يقف بعيدا عنها. غير أنه في كل ما فعله لم يكن وحيدا. كان انحيازه إلى الحرية قد أغرى عددا من الكتاب والفنانين المصريين بالالتفاف من حوله واتباع صدى صرخته التي لا تزال تشكل دعوة للتغيير الثوري، بالرغم من أنها صارت جزءا من الماضي.


غاية الرسام العصري


عاش رمسيس يونان (1913 ــ 1966) حياته مسرعا وهو يحاول أن يؤثث الحياة الثقافية المصرية بشذرات جذرية مما يقع في العالم، فرنسا بالتحديد، بحكم إجادته للغة الفرنسية. كانت التحولات التي عصفت بمفهوم الفن هي جوهر دأبه الشخصي من أجل الخلاص. شغفه بالفن وهو الذي كان رساما قاده إلى الكتابة، منظرا لولادة فن جديد، كان من العسير استيعاب ضرورته بالنسبة لوسط ثقافي، كان منغمسا في تحديث أدواته، لكن من غير التخلي عن مقومات وعناصر ومفردات تراث، كان في جله أدبيا.

كان كتابه “غاية الرسام العصري” الذي صدر في عام 1938 بمثابة التمهيد لتأسيس جماعة الفن والحرية سنة 1939 وهنا علينا أن ننتبه إلى مفردات لم يكن تداولها في تلك الحقبة أمرا مريحا أو مسموحا به أو حتى مقبولا. كانت الحرية هي رسالة يونان الذي دفع ثمنها في ما بعد غربة واستبعادا ونفيا.

كتابه "دراسات في الفن" يكشف في جزء كبير منه عن تخليه عن فكرة التغيير من خلال الفن. كان يأس رمسيس يونان الوطني عارما إلى أن حانت لحظة الحقيقة

هل كان الشاعر جورج حنين (1914 ــ 1973) وهو “النموذج الأكثر ذكاء في القاهرة” حسب الروائي الفرنسي أندريه مالرو هو مؤسس تلك الجماعة التي تزعمها يونان وصار المتحدث الرسمي باسمها، في هذا المجال ليس هناك إجماع، غير أن ما يؤكده المؤرخون أن حنين كان قد ساهم في تأسيس تلك الجماعة التي كان من بين أعضائها المخرج كامل التلمساني، أنور كامل وأخوه الشاعر المعروف فؤاد.

لعب يونان في تلك الجماعة دور المحرك الذي لا يكف عن إحراق وتصفية المواد التي يتلقفها مستمدا طاقته التفجيرية من بيان “يحيا الفن المنحط” الذي أصدره عام 1938 ووقع عليه 37 رساما وشاعرا مصريا. هل كان ذلك البيان بداية لسوء فهم مدبر، جعل منه ضحية لاتفاق مؤقت بين سلطة رجعية، يمثلها النظام الملكي الحاكم يومها في مصر وبين التيار السياسي ذي النزعة اليسارية ممثلا بالحزب الشيوعي المصري؟


ضحية زواج الرجعية بالتقدمية


لم يكن يونان في شبابه يقف بعيدا عن الحزب الشيوعي المصري، بل إنه كان أقرب إلى أفكار ذلك الحزب من سواه من الأحزاب المصرية التقليدية، غير أن موقفه الناقد بغضب وسخط للسياسات الستالينة يومها قد جعله محل شبهة بالنسبة لعقائديي الحزب، الذين كانوا يفتحون مظلاتهم في القاهرة حين تمطر السماء في موسكو، فكانوا ستالينيين أكثر من ستالين نفسه. كان موقف الشيوعيين السلبي من يونان سببا رئيسا في تحريض السلطات الرجعية على اعتقاله عام 1946. قضى يونان سنة في المعتقل، كانت واحدة من أكثر سنواته خصبا. لقد ترجم يومها ديوان ارثر رامبو “فصل في الجحيم” ومسرحية “كاليغولا” لألبير كامي. كان رجل الثقافة حاضرا في عز أزمات رجل السياسة الذي لم يكن سياسيا إلا من جهة وطنيته الخالصة والنقية.

زمن عبدالناصر كان ثقيل الوطأة على السريالي الذي صار يرسم بطريقة تجريدية، وهو ما يمكن أن يستوعبه تاريخ الفن المصري المعاصر

كانت تهمة اعتقاله مضحكة؛ التفكير بقلب نظام الحكم. كانت تلك رسالة مزدوجة من قبل نظام الحكم الرجعي والشيوعيين، وكانت الحركة السريالية هي المقصودة. ما لم يكن يفهمه النظام وهو ما كان يعتبره لغزا محيرا وما لم يكن مقبولا من قبل دعاة الستالينية. كم كان العمر شقيا برمسيس يونان الذي أخلص لحريته في مواجهة القطيع؟

بعد اعتقاله صار رمسيس يونان يفكر بيأس. كانت العزلة قد أطبقت عليه، ولم يكن راغبا في إعادة قنوات الاتصال بالشيوعيين الذين اعتبروه تروتسكيا فقرر الهجرة بعد إطلاق سراحه إلى باريس التي رحبت به باعتباره واحدا من أبناء لغتها الملهمين.

عمل يونان يومها في القسم العربي بالإذاعة الفرنسة. تسع سنوات مريحة قضاها في الحاضنة السريالية كانت هي أحلى سنوات حياته، رسم فيها ما كان يحلم به غير أنه لم يكتب شيئا مهما.

دراساته في الفن كانت نوعا من الاستعادة لماضيه التحريضي. كان في حقيقة وجوده الباريسي شبحا للشخص الذي كان يتمنى أن يكونه في ماضي أيامه المصرية. كتابه “دراسات في الفن” يكشف في جزء كبير منه عن تخليه عن فكرة التغيير من خلال الفن. كان يأسه الوطني عارما إلى أن حانت لحظة الحقيقة. عام 1956 حين العدوان الثلاثي على مصر طُلب منه أن يبث بيانات الغزاة باللغة العربية عبر الراديو فرفض ذلك وكان ذلك مدعاة لفصله من العمل، بل ولتسفيره من فرنسا. يومها حاول ثروت عكاشة أن يحميه من خلال تعيينه في السفارة المصرية بباريس غير أن السلطات الفرنسية أصرت على تسفيره وكان لها ذلك.

يومها عاد السريالي إلى وطنه بسريالية ناقصة. لقد عاد بفكره إلى وطنه غير أن عاطفته كانت قد فقدت جناحيها.

شغفه بالفن وهو الذي كان رساما قاد يونان إلى الكتابة، منظرا لولادة فن جديد كان من العسير استيعاب ضرورته بالنسبة لوسط ثقافي، كان منغمسا في تحديث أدواته، لكن من غير التخلي عن مقومات وعناصر ومفردات تراث، كان في جله أدبيا


مصر التي حلم بها


كانت مصر قد تغيرت وزملاء مغامرته الأولى كانوا قد اختفوا، موتا وسفرا. مصر الجمهورية احتضنت يونان ووهبته صفة موظف تليق بتاريخه.

غير أن ذلك التكريم كان إيذانا حقيقيا باغتياله مفكرا وفنانا مستقلا. كان شعوره الوطني الذي وقف وراء قرار طرده من الأراضي الفرنسية أكبر من أن تعبر عنه فكرة أن يكون موظفا في مؤسسة رسمية، كانت بطريقة أو بأخرى تتبنى الواقعية الاشتراكية في الفن. كان زمن عبدالناصر ثقيل الوطأة على السريالي الذي صار يرسم بطريقة تجريدية، وهو ما يمكن أن يستوعبه تاريخ الفن المصري المعاصر، غير أن ذلك التحول لم يكن بالنسبة ليونان سوى إشارة لما انتهت إليه حياته من عبث وجودي. مصر التي حلم بها سرياليا لم تعد موجودة. كانت مصر موجودة أمامه بقوة العسكر وبثقافة كان قد قاومها مبكرا.

رمسيس يونان الذي يشبه في صوره الشاعر اليوناني، اسكندري المولد والحياة كافافي، كان في حقيقته ضربة الطبل الأولى التي مهدت لولادة رسم حديث في مصر. كان يونان مناضلا في اتجاهات متعددة. سكنته سرياليته وكانت تلك السريالية تهمة بالنسبة للآخرين، في الوقت الذي كانت وطنيته سببا في حرمانه من الاستمرار في إقامته الفرنسية المريحة. لا يزال يونان حتى اليوم يعيش في زمن مصري مختلف.

15