"رمش إيل".. الانتفاضة الدامية تعيد تأسيس التاريخ السوري أدبا

الأحد 2015/01/11
لوحة للفنان بسيم الخطيب تجسد الألم السوري

يسجل للثورة السورية على المستوى الثقافي أنها فتحت الباب واسعا أمام مغامرة الكتابة الروائية لرفد المنجز السردي بعدد لا يستهان به من الأعمال الروائية الجديرة بالقراءة والدرس، نظرا لما تتميز به تلك الأعمال على صعيد بنيتها السردية والحكائية من قيمة فنية وجمالية، عبرت عن اقتدار في قدرتها على تمثل وتسريد واقع تاريخ طويل من القمع والاستبداد والفساد، عاشته سوريا في ظل سلطة عسكرية متغولة، شكل الانفجار الكبير الذي عبّرت عنه الانتفاضة السورية تتويجا بالغ الدلالة لها.

رواية رمش إيل للكاتب فخرالدين فياض والتي فازت بجائزة المزرعة الأولى للرواية، تعدّ واحدة من تلك الأعمال الروائية، التي حاولت رغم اتساع المساحة الزمنية، التي تمتدّ عليها أحداث الرواية أن تواكب مرحلة الثورة السورية منذ بداياتها الأولى وحتى عامها الثالث، عبر تصوير بانورامي مثلت فيه حالة الولادة الجديدة لشخصيات الرواية الأساسية.

كما كشفت في الآن ذاته عن فظاعة سياسة القتل والإرهاب التي اتبعها النظام تجاه المتظاهرين السلميين لوأد الانتفاضة، ودفعها نحو العسكرة لكي يشوّه سمعتها وينعتها بالإرهاب لتبرير حربه المجنونة على شعب خرج يطالب بالحرية والكرامة والتخلص من الاستبداد والفساد.


بنية الرواية


تتميز الرواية ببنيتها السردية الحكائية التي تكشف عن قدرة واضحة في تحقيق تماسك بنيتها الخطية والتعاقبية الصاعدة، وفي بناء شخصياتها وتطورها وانعكاس ذلك على تطوّر أحداث الرواية وتنامي بنيتها السردية رغم حجم الرواية الكبير الذي يشغل حوالي أربعمئة وخمسين صفحة من القطع المتوسط. تشكل جملة الاستهلال التي تحاول وضع القارئ في خلفيات عالم الرواية وأحداثها البؤرة المركزية التي سوف تتولد عنها بؤر ومحاور أخرى كثيرة، حيث تضع القارئ منذ البداية في حدث الرواية المركزي المتمثل في فرار بطل الرواية نجيب الخشّاب مع زوجته القتيلة ووليدها من جبال الجليل، باتجاه لبنان بعد قتله للضابط الإسرائيلي الذي جاء للانتقام من زوجته، إضافة إلى دورها في إعطاء صورة أولية عن شخصية بطل الرواية الاستثنائية، وشخصية الراوي، التي تطرح موضوع التقمص الذي يجعله حاضرا في زمنين من خلال انتقال وعيه من زمن إلى آخر.

تنتمي الرواية في بنيتها إلى تيار رواية الواقعية السحرية التي تحاول الجمع بين المظاهر الواقعية للأحداث، والظواهر السحرية التي تتجلى في علاقة بطل الرواية ببيت المعصرة، الذي يسكنه على أطراف قرية رمش إيل

تؤسس الرواية لتاريخ أحداثها بدءا من دفن بطل الرواية لزوجته مريم الإنجيلية في اليوم الثاني من حرب حزيران عام 1967، ما يجعل صرخات ولادة راوي الرواية وأحد شخصياتها الأساسية التي ينتزعها من رحم الموت، تتداخل مع أصوات المدافع، وهو ما يستدعي التوقف عند اختيار الكاتب لهذا التاريخ وعلاقة ولادة الطفل من جسد أمه الميتة سواء على المستوى الرمزي والدلالي، بالولادة الجديدة التي تجسدت في الثورة السورية، أو على مستوى مصائر الشخصيات والأحداث وتحوّلاتها التي يتداخل فيها الخاص بالعام، مشكلة سيرورة السرد الحكـائي في هذه الروايـة وسماته البارزة.

في البداية يلعب الراوي دور الوسيط أو الراوي بالوكالة، عندما يتولى نيابة عن بطل الرواية والده نجيب سرد وقائع أحداثها الأولى، كما رواها له لاحقا ليتحوّل فيما بعد إلى شاهد على أحداثها ومشارك بصورة نسبية في صنع أحداثها نظرا لهيمنة شخصية والده على أحداثها. تتألف الرواية من جزأين اثنين هما خشخاش والشام بلدي خشخاش (2)، حيث يلجأ الكاتب إلى استخدام التكثيف الزمني الشديد عند سرد وقائع حياة الشخوص في مدينة اللاذقية، بينما تظهر الفجوة الزمنية بين الجزأين تمتدّ من المرحلة التي بدأت فيها نذر الحرب الأهلية اللبنانية بالظهور، إلى سنوات ما قبل اشتعال أحداث درعا التي فجرت الانتفاضة السورية.

تنتمي الرواية في بنيتها إلى تيار رواية الواقعية السحرية التي تحاول الجمع بين المظاهر الواقعية للأحداث، والظواهر السحرية التي تتجلى في علاقة بطل الرواية ببيت المعصرة، الذي يسكنه على أطراف قرية رمش إيل في جنوب لبنان، والذي يقع تحته السرداب المسكون بالأشباح، كما تجلى ذلك في الظهور المتكرر للمرأة الجنية العارية تحت شجرة التوت مع جوقة نسائها الساحرات، حيث يتداخل الحلم في ذلك مع الحقيقة، التي تختلط عليه من خلال الآثار التي تتركها علاقته الجنسية معها على جسده، أو من خلال جوقة الأصوات التي تظل ترافق عمله أثناء محاولته تحطيم الصخرة العملاقة، التي يقع الكنز المخبوء تحتها، أو عبر ما يجده من تغييرات في أوضاع بيته وأدواته، ممّا يعكس صورة الواقع الذي تتداخل فيه هذه المظاهر، والتي تشكل جزءا من ثقافة وحياة ساكنيه.

عناق السحري والواقعي


الشخصية في الرواية


على الرغم مما تحفل به الرواية من شخصيات كثيرة، إلا أن أحداثها تظل مرتبطة بشخصية نجيب المحورية، التي تؤدّي دور البطولة فيها، وتمثل الشخصية الجاذبة التي تستأثر باهتمام الشخصيات الأخرى. تتميز الشخصية بطبيعتها المرهوبة الجانب، والتي تنبع مما تتمتع به من خصائص جسدية (القوة الاستثنائية) والنفسية، وكذلك الوعي الخاص الذي يميّز مواقفها وردود أفعالها وسلوكها عن شخصيات الرواية الأخرى، بينما تختلف الشخصيات الفرعية من حيث أهمية دورها في أحداث الرواية، ولذلك فإن الخصائص والسمات الخاصة التي تتمتع بها شخصية نجيب، من حيث الفردية والسموّ الأخلاقي والتوافق بين سلوكها ومواقفها وطبيعة وعيها المشكل والتي تمثل كلها جوهر هذه الشخصية، هي التي ستشكل العناصر الحاسمة في حركة السرد وتناميه، بسبب ارتباطها الوثيق بتحوّلات هذه الشخصية التي ستلاحقها لعنة أقدارها، باعتبارها سمة خاصة ينفرد بها آل الخشاب المسكونون بالرفض والمشاكسة وتحدّي المجهول ولعنة المرأة. إن هذه الشخصية التي تشكل نمطا محددا من الوعي الذاتي، الذي يجعل مواقفها وسلوكها انعكاسا لاستقلاليتها ووعيها الخاص، والذي يتشكل وفقا لما تشعر بالحاجة إليه وتراه مناسبا بعيدا عن تأثير الواقع عليها، الأمر الذي يجعلها الشخصية النقيض لشخصية شقيقه جاد، الذي يلعب دورا قياديا في إحدى فصائل المقاومة الفلسطينية، بينما يتخذ نجيب موقفا سلبيا من الثورة الفلسطينية والأنظمة العربية، التي يراها أعجز من أن تحرّر شبرا واحدا من أرض فلسطين.

هذه الاستقلالية في الوعي والموقف لم تمنع نجيب من الانحياز الفوري إلى جانب الثورة السورية ضد نظام الاستبداد والمشاركة في مرحلة نضالها السلمي، ومن ثم المساهمة في العمل الإنساني والإغاثي، نظرا لما تمثله الشام وأهلها من رمزية خاصة في وجدانه، جعلتها تتحوّل إلى محور حياته، على الرغم ممّا اعترى هذه الثورة فيما بعد من سلبيات عند تحوّلها إلى العمل المسلح، ومن كبر سنه الذي حدّ من طاقاته الكبيرة على العمل.

تكشف قراءات شخصية نجيب النهمة للمطالعة واختياراتها الفكرية والأدبية عن شعرية وميل وجودي طاغ يتساوق مع طبيعتها الميالة للإقبال النهم على الحياة وملذاتها بما فيها الجنس، نظرا لما تتمتع به هذه الشخصية من بنية جسدية قوية وطاقة كبيرة، تجعلها تجمع في علاقاته الجنسية والغرامية الملتهبة بين المرأة المطلقة فاطمة وزوجته فاطمة، التي سيخلص لها وتخلص له حتى النهاية، رغم المسافات التي تمتدّ بينهما بعد هروب نجيب من رمش إيل إلى مدينة اللاذقية مع سعيد، الذي سيشاركه في مصائره ومواقفه كما شاركه في حبه لفاطمة.


زمن الرواية


تدور أحداث الرواية على زمن طويل يمتدّ من مرحلة ما بعد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وصولا إلى مرحلة النضال الفلسطيني المسلح في لبنان، وحتى العام الثالث للثورة السورية. هذا الزمن الطويل وما ينطوي عليه من تحولات درامية في حياة شخوص الرواية، يشكل محور بنيتها السردية وجوهر تشكلها الذي يجمع بين أجزائها.

ولما كانت رواية الشخصية تمتلئ عادة بالمكان، فإن علاقات الزمان وأحداثه تتكشف فيه، بل إن الانتقال فيه بدءا من قرية بطل لرواية بدغان في جبال الجليل وحتى رمش إيل في جنوب لبنان، ومن ثمّ مدينة اللاذقية السورية ودمشق، وسجن فرع فلسطين أثناء الثمانينات وجبل حوران، هو الذي سوف يؤدّي إلى تحوّل حاسم في المنحى الدرامي لأحداث الرواية وبنية السرد الروائي فيها.

تدور أحداث الرواية من مرحلة ما بعد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين مرورا بالكفاح المسلح الفلسطيني في لبنان وصولا إلى الانتفاضة السورية

يستخدم الكاتب في بناء زمن الرواية تقنية الزمن اللولبي الذي يتيح له الانتقال بحرية بين أزمنة مختلفة، ولا سيما عند شخصية الراوي من خلال حالة التقمص، التي تجعلها تنتقل على مستوى الذاكرة بين زمن حياتها الأولى وزمن حياتها الراهن، ما يجعل الزمن فيها تصاعديا متداخلا.

كذلك تستخدم الرواية إلى جانب تقنية الديالوج التي تسعى من خلالها إلى الدخول في أعماق شخصية الديكتاتور تقنية الفلاش باك أو السرد الاسترجاعي، الذي تحاول فيه استعادة صورة الموت والتشرّد الذي واجهته أسرته عند رحيلها من رمش إيل، ومقارنتها بصورة الموت والتشرّد الذي يواجهه الشعب السوري في ثورته للكشف عن وحدة المعاناة والألم ومعنى الظلم والهمجية، الذي تواجه به القوة الغاشمة هنا وهناك الإنسانَ الذي يثور من أجل كرامته وحريته.

تنحو لغة الرواية بدءا من العنوان الذي تتداخل فيه على مستوى بنيته الدلالية واللغوية المعاني الشعرية والرمزية منحى شعريا، يضفي على السرد ووصف المكان طابعا خاصا، تتعالق معه وتعمِّقه تلك المسحة السحرية التي تغلف وقائع الرواية، أو الصفات الخاصة التي تتسم بها شخصيات نجيب وفاطمة وسعيد.

لكن الرواية التي تبدو في منحاها العام سيرة لبطل الرواية نجيب الخشّاب وأسرته، هي رواية عن حقبة طويلة من تاريخنا المعاصر، وعن واقع اجتماعي وسياسي متداخل، تمرّد عليه بطل الرواية وحاول فضح تناقضاته وسلبياته، كاشفا من خلال ذلك عن معنى أن يخلص الإنسان لقناعاته وقيمه دفاعا عنها وتضحية من أجلها، ما جعل تأثيره يظهر جليا في محيطه الاجتماعي، وفي علاقته بسعيد الذي تخلى عن أسرته وطائفته ووطنه واختار أن يشاركه المصير نفسه حتى النهاية.

14