رمضان الرحل في المغرب بساطة وصبر بعيدا عن صخب المدن

اقتربت الشمس من المغيب خلف قمم جبال باني جنوب المغرب، وبدأت الحركة تدب في جنبات خيام تقليدية، نصبتها عائلة من الرحّل على سفح الجبل، حيث تركض قطعان الماعز العائدة من المراعي إلى جديانها الصغار، وتشم من بعيد رائحة الحساء المعد للإفطار. في حين توقد النسوة الحطب لطهي الشاي الصحراوي، الذي يميز موائد الإفطار الرمضانية عند البدو.
الجمعة 2015/07/10
يتأقلم البدو الرحل مع ارتفاع درجات الحرارة خلال شهر رمضان باختيار أماكن قريبة من الكلأ والماء لنصب خيامهم

يتميز شهر رمضان في مجتمع الرحّل بالبساطة وعدم التكلف والاستعداد القبلي، فلا تبدأ ترتيبات استقباله قبل أيام قليلة من حلوله، عكس ما عليه الأمر في المجال الحضري.

ويسعى الرحّل خلف قمم جبال باني جنوب المغرب إلى الحفاظ على معاني التآزر، من خلال تبادل التهاني في شهر رمضان، والزيارات بين الأصدقاء والجيران، ويتم الإكثار من عادات إقامة الولائم بالتناوب بين العائلات، التي تستقر عادة في خيام متقاربة. واعتاد الرحّل الصبر على قسوة العيش، والقيام بأعمالهم اليومية بكل همة ونشاط، ويقضون أيام رمضان في أجواء هادئة بعيدا عن ضوضاء المدن وصخب الحياة العصرية وعاداتها الاستهلاكية.

على بعد أمتار قليلة من الخيام، يتكئ الحسن بوحسين، على فراش وبين يديه سبحة بيضاء، يستعين بها على ذكر الله، في انتظار موعد الإفطار.

ويقول بوحسين السبعيني، وهو الأب الأكبر لعائلة تضم ثلاثة أبناء وثلاثة أحفاد، إن “شهر رمضان يكون صعبا في حالة ارتفاع درجات الحرارة، وهذا لا يمنعنا طبعا من الاستمرار في حياتنا الطبيعية ونحن صيّام”.

وأضاف الشيخ الصحراوي “إن الرحّل في شهر رمضان، يقومون بتهيئة المكان الذي سيستقبلون فيه شهر الصيام، وذلك باختيار مكان مناسب للماشية من حيث الكلأ والماء، حتى يتجنبوا مشقة الترحال بحثا عن المراعي خلال رمضان، غير أن ظاهرة الجفاف غالبا ما تفرض عليهم الترحال عدة مرات خلال هذا الشهر الفضيل”.

التحولات المناخية وقسوة الحياة ساهمتا بشكل كبير في تراجع عدد الرحل بمرتفعات الأطلس الكبير

أما عائشة إدو سلام، شابة ثلاثينية وهي زوجة أحد أبناء الشيخ بوحسين، فتقول إن “حياة الرحّل صعبة وقاسية في رمضان وغيره من الشهور، وتتولى المرأة مهام الاعتناء بأمور الخيمة وأحيانا تقوم بنفسها برعي قطعان الماشية”، أما قطيع النوق الذي تملكه العائلة، فيتركونه في الصحراء يسيح في المراعي بحرية.

وتقوم عائشة بمهام المطبخ الذي يسمى في اللهجة الصحراوية المحلية “النوالا”، ويتكون من خيمة صغيرة تضم المؤونة، وكافة أغراض الطهي، أما الماء فيتم جلبه كل صباح من بئر مجاور باستخدام المواشي.

وقبل موعد الإفطار، تعد عائشة أطباق الحساء، وتضعها بعناية في إناء مصنوع من سعف النخيل، يسمى “الطبق” باللهجة المحلية.

وخلال انتظار التأكد من حلول وقت أذان المغرب وموعد الإفطار، يتولى الحسين وهو الابن الأكبر في العائلة، مهمة مراقبة شفق غروب الشمس، وينظر إلى ساعته اليدوية من حين لآخر. وتقوم الجدة بإعداد أطباق الحليب في أوان خاصة، ويتجمع الكل في جلسة عائلية أمام الخيمة، على مائدة تضم الحساء وأطباق حليب النوق والتمور.

رصد غروب الشمس ومراقبة موعد الإفطار مهمة الرجال

بعد الإفطار، يقوم الرجال إلى الصلاة في مكان مخصص لذلك بجانب الخيام، ويبدؤون بعدها جلسة مطولة للشاي، يستمتعون فيها بالحديث أحيانا وبسماع ترانيم ومدائح باللهجة المحلية، يلقيها بنبرة حزينة الشيخ الحسن، تحت الأضواء الخافتة لمصباح غازي ينير الخيمة.

ويرى سالم بيكاس، الباحث في قضايا الرحل، أن “الأطباق الرمضانية عند البدو تتميز بالبساطة، فقد تكون المائدة في الفطور لا تضم سوى أصناف قليلة من الحساء، وخصوصا الحساء المصنوع من دقيق الشعير الأبيض، الذي يتم إعداده من الحليب، إضافة إلى مشروب “الزريكَ”، وهو خليط من الماء والسكر وقليل من حليب النوق أو لبن الماعز، أو مشروب آخر، يتكون من خليط الماء والسكر ودقيق الشعير المغلي، ويسمى في اللهجة المحلية بـ”المريس”، ويتم تبادل تناول هذا المشروب بين الصائمين، تبعا لجلستهم وفقا للآداب الإسلامية، من اليمين إلى اليسار، ويقدم في إناء خاص يسمى “الجيرة”.

ويعد مشروب الشاي من أهم مكونات الموائد الصحراوية عند الرحّل، ويتم إعداده من أجود أنواع حبوب الشاي، وفق العادات المعمول بها محليا، أما المأكولات فهي لا تقل بساطة عن المشروبات، ولا تتميز عن باقي المأكولات طيلة السنة، باستثناء ما يميز هذا الشهر من إعداد القديد (لحم محفوظ عن طريق التجفيف) استعدادا لرمضان، إضافة إلى وجبات اللحم المشوي بين الفينة والأخرى.

مريم، طفلة ذات السنوات الخمس، هي إحدى حفيدات الشيخ بوحسين، تقول بنبرة طفولية بريئة إنها “لا تحب حياة الخيام، وتتمنى أن تنتقل إلى المدينة في أقرب وقت”، ولا يجد الأطفال في مجتمع الرحّل أي مجال خاص للعب غير اللهو مع الحملان والكلاب الصغيرة، أو الركض طول الوقت على مساحات شاسعة من الصحراء الرحبة، ويحرم أغلبهم من فرص الدراسة والتعلم، نتيجة ظروف التنقل المستمر والبعد عن المدن والقرى، وفي وقت الإفطار، ينهمك الكبار باحتساء كؤوس الشاي والحليب، في حين يستسلم الصغار سريعا للنوم، ولا تفلح محاولات إيقاظهم لتناول وجبة العشاء.

هكذا يقضي الرحّل في جنوب المغرب يومهم الرمضاني، وينامون باكرا استعداد ليوم جديد.

20