رمضان جانا

الاثنين 2014/06/30

القديم هو الذي يكسب، فالناس عادة يستعيدون ذكريات الماضي ويعودون إلى العادات والتقاليد، ويربطون الصيام بكل ما هو عريق، ويضفون الروحانيات على قديمهم، حتى الإذاعات العربية تعود إلى أغاني زمان، وخاصة أغنية “رمضان جانا” للفنان الرائع محمد عبدالمطلب، وهي أغنية يتجاوز عمرها ستّين عاما ومع ذلك لا تزال تحتل المركز الأول، وتعتبر إعلانا شعبيا عن قدوم الشهر المبارك، أهم من بيان المفتي عن رؤية الهلال، ورغم أن عبدالمطلب حصل عند تسجيله الأغنية على مكافأة قدرها ستة جنيهات مصرية لا غير، إلا أنه يبقى صامدا ومرتفعا فوق أغاني يؤديها نجوم الملايين من الدولارات.

أستنشق رائحة رمضان من التراث المصري الغنائي الرائع مثل “وحوي يا وحوي” و”سبحة رمضان” و”رمضان أهو جيء يا أولاد” “مرحب شهر الصوم”، ثم تمر الأيام لتظهر في الأسبوع الأخير “والله لسة بدري” للكبيرة شريفة فاضل، وكأنها تدعو الشهر الكريم إلى التريّث وعدم الرحيل، ثم يقترب العيد بأغانيه الجميلة وخاصة “ليلة العيد” للعملاقة أم كلثوم التي يعود تاريخها إلى سبتمبر 1944.

لحظة الإفطار لا تكتمل بغير الأذان يؤديه عبدالباسط عبدالصمد، ثم بدعاء وابتهالات صاحب الصوت الجهوري المتنافذ مع الغيوب سيد النقشبندي، وبصوت مدّاح الرسول محمد الكحلاوي. ورغم كل محاولات نجوم هذا الزمن، يبقى لأصوات الزمن الجميل سحرها الخاص وألقها الاستثنائي الذي يجمع بين البساطة والسلاسة والعمق والأصالة حيث لا تكلّف ولا تصنْع ولا تجميل صوت بتقنيات مبتكرة ولا ماكياج على الوجوه الشاحبة لتظهر على شاشات التليفزيون.

حتى تسجيلات زمان، ورغم أنها كانت تتم بإمكانيات تقنية متواضعة إلا أنها كانت أجمل ولا تزال أرقى، ربما نتيجة الصدق، وربما لأن العمل الفني كان ينجز بحميمية حيث الفرقة تعرف والصوت يغني معها وحيث تتحّد الحناجر الشادية بالأوتار العازفة، في حين صار اليوم كل عازف يعزف لوحده، والكورس يغني لوحده، ثم يأتي الفنان ليؤدي المطلوب منه وهو يقرأ النص من ورقة كتلميذ مبتدئ، ثم يتم التركيب الآلي للأصوات لتخرج على الناس بلا روح جامعة. الحمد لله أن هناك رمضان نستعيد من خلاله قديمنا وأصيلنا وعريقنا.

24