رمضان في القاهرة الفاطمية شهر من ألف ليلة وليلة

الأحد 2014/06/29
القاهرة القديمة تزيين بالفوانيس الرمضانية الجذابة

القاهرة - يبدع المصريون خلال شهر رمضان في إسعاد أنفسهم وإسعاد الزائرين، وذلك بإطلاق النكات والفكاهة التي تنم عن مزاجهم العالي، إضافة إلى تزيين شوارعهم ومحالهم بالفوانيس الرمضانية الجذابة، فضلًا عن روائح الحلوى الرمضانية المشهورة لديهم.

للقاهرة القديمة وأحيائها ذات المعمار الإسلامي ميزة خاصة، وخاصة حين تمتزج بسحر شهر رمضان وروحانياته، إذ تصبح أروع فلا يحيط الوصف بها ولا يكفيها حقها، وعلى عكس ما يظنه البعض، بأن تزامن شهر رمضان مع العطلة الصيفية قد يتسبب في ضياعها، وحرمان الزائر من الاستجمام في المصائف والمدن الساحلية، إلا أنه يمكن استغلال هذا التوقيت للاستمتاع بالعطلة بطريقة مختلفة، وتجربة السياحة الرمضانية في القاهرة القديمة في شارع المعز، الحسين، خان الخليلي وحي السيدة زينب والقلعة.

وتجذب القاهرة السائحين من مختلف الجنسيات، بل والديانات، للاحتفال بهذا الشهر الذي يبدع فيه المصريون لإسعاد الزائرين، ولإسعاد أنفسهم، فتختلط شعائر العبادة بروائح المسك والعنبر، وتمتزج بالاحتفالات والابتهالات وفانوس رمضان وصوت المسحراتي ورائحة الحلوى الرمضانية.

وبين الأحياء الشعبية القديمة والفنادق ذات الخمس نجوم، تقام الخيم الرمضانية التي تقدم الأكلات المصرية والشرقية. ويبدأ السائح يومه في القاهرة بعد آذان المغرب ليتنقل بين أزقة حي الحسين لاختيار مطعم من ضمن المطاعم المتراصة على هذا الطريق للإفطار، قبل دخول سكة الخان.

وتقدم المطاعم في القاهرة الأكلات المصرية والشرقية، وفيها يمكن للزائر أن يتذوق الأكلات المصرية، مثل طبق الفول المدمس، والزبادي، والمقبلات المتنوعة، إضافة إلى ياميش رمضان ومشروب قمر الدين المصنوع من المشمش، وكذلك بعض الفواكه المجففة كالمشمش والتين والعنب (الزبيب) والقراصيا وغيرها، حيث تتنوع طرق إعداد وتقديم هذه المأكولات التي لا يقبل عليها الناس عادة إلا في رمضان. وبعد الافطار يجدر بالسائح البدء في رحلة ممتعة خلال خان الخليلي، الذي يرجع عمره إلى 600 عام، حيث بني في عصر المماليك.

تجذب القاهرة السائحين من مختلف الجنسيات بل والديانات للاحتفال بهذا الشهر الذي يبدع فيه المصريون لإسعاد الزائرين ولإسعاد أنفسهم

وتلتقط أنفاس زائر الخان رائحة التاريخ مختلطة بروائح البخور ودهن العود ودخان المستكة، وتلمس قدماه الأرضية المبلطة بحجر بازلتي أسود لامع، وتتسلل إليه حوانيت عديدة مليئة بالكنوز والتحف النادرة المصنوعة بمهارة من خلال أسلوب واحد عرفت به القاهرة القديمة في عرض بضائعها، وما زال قائما من خلال الأسواق المتلاصقة والحوانيت، التي تملأ الحارات وتعرض نفس البضاعة بأسعار متفاوتة، لتشبه معرضا دائما ومستمرا لكافة الأصناف والألوان من ذهب وماس وفضة، وأوراق البردي التي تحمل كلمات هيروغليفية وتمائم وأيقونات.

وإذا رغب الزائر بالمزيد فعليه التوجه إلى حي السيدة زينب، ومنطقة القلعة التي تعد بؤرة أي زيارة يقوم بها السائح إلى “القاهرة الإسلامية”.

واذا تعب الزائر من التجول عليه أن يستريح ليلتقط أنفاسه في أحد المقاهي حيث المشروبات الرمضانية الشهيرة (تمر هندي، بلح باللبن، عرق سوس، عصائر طازجة) بالإضافة إلى الفوانيس الملونة والتي تصدر أصواتا بأغنيات شهيرة سواء كانت أغنيات شبابية أو قديمة تخص مناسبة الشهر الكريم، كما تتصدر الشيشة تفاصيل المقهى الشعبي في ليالي رمضان والتي تعتبر مصدر جذب للجميع، وهكذا تحولت الشوارع المصرية وبخاصة الشعبية إلى حالة من الصخب الممتد حتى آذان الفجر، كما استحدثت تلك المقاهي هذا العام فكرة السحور في الشارع لجذب مزيد من الزبائن.

وفي الأسواق القديمة يتذوق الزائر مختلف أنواع الحلويات التي يزداد الإقبال عليها في رمضان وخاصة الكنافة والقطايف التي تحظى بمكانة مهمة في التراث المصري والشعبي، وكانت- ولا تزال- من عناصر فولكلور الطعام في مائدة شهر رمضان، وقد بدأت الكنافة طعاما للخلفاء، إذ تُشير الروايات إلى أن أول من قُدم له الكنافة هو معاوية بن أبى سفيان زمن ولايته للشام، كطعام للسحور لتدرأ عنه الجوع الذى كان يحس به.

واتخذت الكنافة مكانتها بين أنواع الحلوى التي ابتدعها الفاطميون، ومن لا يأكلها في الأيام العادية، لا بد أن تتاح له- على نحو أو آخر- فرصة تناولها خلال رمضان، وأصبحت بعد ذلك من العادات المرتبطة بالطعام في شهر الصيام في العصور الأيوبي والمملوكي والتركي وكذلك في عصرنا الحديث، باعتبارها طعاما لكل غني وفقير مما أكسبها طابعها الشعبي.

وتستمر تلك الليالي الرمضانية في أبهى صورة لشعبٍ عريقٍ ذي أصالةٍ منقطعةِ النظير حتى فجر عيد الفطر السعيد، فتتزين القاهرة مجددًا بزينةٍ خاصة أشبه بزينة شهر رمضان المبارك، لتستقبل زائريها وتهنئهم بعيد المسلمين.

17