رمضان.. موسم التسول الشيك

الاثنين 2017/05/29

كل عام وفي نفس هذا الموعد تحديدا تتجدد إعلانات المستشفيات، والجمعيات الخيرية، والكثير من الفنانين المحبوبين، ونجوم كرة قدم وسلة وبعض المشاهير، يغازلون جيوب وقلوب مصريين تحركهم العاطفة قبل العقل، مستغلين مشاعر تتحرك لصور ومشاهد صادمة يعرضونها دون مراعاة ما تخلفه من رعب في القلوب وربما تحرم صغارا من نومهم الهادئ، صور لأطفال مشوهي الوجه والجسد من آثار حروق وجروح كثيرة.

أطفال نهشت الحروق جلودهم ولحومهم، أضاف الحزن لأعمارهم عمرا مجانيا، أطفال معهد السرطان وأجساد نحيلة هزيلة، كحل السهر أعينهم، وضحايا حوادث، صور تدمي القلوب وتدمع لها الأعين، لمجرد إجتذاب أموال المتبرعين هربا من نظرة أطفال في عمر الزهور يلاحقوننا بنظراتهم البريئة، وطمعا في جنة عرضها السماوات والأرض، وأجسادهم التي أنهكها التعب والمرض، أصبح رمضان يرتبط لدى البعض بموسم “التسول الشيك”، عرض مستمر لأوجاع مفروشة على خشبة الحياة.

عكازان خشبيان تحت إبط طفل متعثر في الحركة يلوذ بحائط يمنحه توازنا ضعيفا، ونفس بريئة استيقظت من الحياة على نصف قدم مبتورة ونصف روح مهزومة، لا ينقصها تأنق فنان يستعطف دموعا تخون صاحبها لمجرد رؤية طفل، هكذا يخطو خطواته في الهواء، بلا أرض تسند خطوته، ورأس لفظ شعره، حقن كيماوي بغيض سرق الفرحة وشعر الرأس، سرق الراحة والنوم، أطفال يتغزلون في مستشفى لمجرد مغناطسية أموال المتصدقين، فهل يعقل يا سادة أن يتغزل طفل بمكان يفقد فيه البعض من طمأنينة روحه، يصحو كل يوم على ابتلاع المرار المخبأ في حبوب الدواء خلف غلالة السكر الرقيقة، ووخز الحقن ينغرز في جسده ليذكره بمعاناته مع المرض.

نسي فنانو الإعلانات ولاعبو الكرة أن ما يقدمونه رسالة قبل أي شيء، ولكن المتاجرة بهموم بشر لا حول لهم ولا قوة، وأطفال هزمهم المرض ونال من طفولتهم وبراءتهم ما نال، بدلا من متعتهم بهذه الأيام الجميلة واستمتاعهم باللعب مع أقرانهم الصغار، يفترشون أسرّة بيضاء عوضا عن لعبهم ولهوهم في هذه الأجواء التي تجمع الأهل والأحبة، مغروزة في لحم أياديهم اللينة حقن ومحاليل، صورة خادشة لطفولة هؤلاء الأبرياء، دون دراية ووعي أصبحت طفولتهم مستباحة ومادة للتجارة في أوجاع قلوب أنهكها المرض.

أتساءل: ماذا لو أنفق أحد هؤلاء الفنانين والكرويين أجر عمل واحد من أعمالهم، أو مباراة على بناء مستشفى أو المشاركة في عمل إنساني خيري دون بروبغاندا، ودون تعرية لآلام هؤلاء الصغار؟، عمل واحد فقط قد يمسح دموع طفل ويبدل أحزان أسرة بأكملها لأفراح، ولكن في صمت دون صراخ ولا تعالي أصوات تتاجر ولا فساتين راقية بألوان زاهية، وبدلات آخر صيحة للإعلان عن أوجاع أصحاب الملابس البالية والمشاعر المهلهلة، موسم النفاق الإعلامي بلا منازع.

مظاهر عديدة ترتبط بالشهر الكريم وتعتبر موسمية بحتة منها ما هو مستحسن ومنها ما هو سيء، فما أجمل مشهد شباب في مقتبل العمر يشاركون في دهانات وتجديد مسجد استعدادا لاستقبال المصلين، تسبقهم فتيات في إعداد إفطار جماعي لنساء فقيرات وأطفال الشوارع، وبيوت امتلأت عن آخرها بنسوة يحكن ملابس جديدة لكسوة فقراء وأيتام، وشنط الخير التي ترفع العبء عن الفقير وتمد يد العون للمحتاج، تهدهد فقره وتقرضه ابتسامة عريضة لأن هناك من يشعر به ويشاركه الحزن بدلا من استخدامه كديكور في مشاهد الفرح.

تجمع لصبية قبل الإفطار في كرنفالية جميلة مبتهجين بقدوم رمضان، مباريات الكرة الشعبية برائحة الزمن الجميل مقلدين أهاليهم، وألعاب ومفرقعات صديقة تملأ المكان لتأطير الصورة باستكمال مشهد الفرح والسرور.

مازلت أحلم بأن يأتي شهر الصوم بلا مشاهد تسول تدمي القلوب، وبلا سباق إعلاني على أموال الزكاة والصدقات.

كاتبة مصرية

21