رمضان موسم الهوس الاستهلاكي لدى جزء هام من الأسر

شرّع صيام رمضان للارتقاء بروح الإنسان عبر التقليص والزهد في الماديات بجميع أنواعها، إلا أن هذا الشهر تحوّل إلى موسم لـ"الهوس الاستهلاكي" لدى جزء هام من الأسر المغربية بفعل انتشار عادات خاطئة تفرغ الصيام من مقاصده وتضيع أجر هذه العبادة.
الأحد 2017/06/11
ارتفاع ملحوظ لنسب استهلاك الأسر في رمضان

الرباط - السائد اليوم إفراغ شهر رمضان من جوهره كعبادة وجعله عادة يطغى فيها الإسراف والتبذير في المأكل والمشرب والملبس، بل إن حلول هذا الضيف الكريم تحسب له الكثير من الأسر ألف حساب من الجانب المادي أكثر من استعدادها القلبي والروحي لتلقّي النفحات الإلهية ولاغتنام موسم الخير، شهر أمّة رسول الله صلى الله عليه وسلم والشهر “المطهر” روحيا ونفسيا واجتماعيا وصحيا وتربويا.

شرّع رمضان بالأساس لتحقيق غاية التقوى وتذكير الأغنياء بحقوق المحرومين والفقراء والمساكين، وهو مدرسة للصبر على مشاق الصيام والاجتهاد في الطاعات وأبواب الخير وتربية الإرادة القوية وإمساك النفس والجسم عن مبتغاهما. وتهذيب النفس وتزكيتها.

ويذهب مختصون إلى أن رمضان شهر التربية على السموّ عن الماديات والانصراف بالأحرى إلى تغذية الروح بالصيام وتلاوة القرآن والدعاء والصلاة بدل تغذية الجسد، بل إن الصوم، إن تكاملت عناصر صحته شرعا وقلبا لدى المسلم، يجعل النفس ترتفع عن طينتها الأرضية التي تتحكم فيها الرغبات والغرائز، فتحلّق في مدارج السمو الروحاني.

وممارسات الناس في رمضان اليوم هي أبعد ما يكون عن هذه المعاني والمقاصد، بفعل مظاهر الإسراف والتفنن في موائد الإفطار والمأكولات وتحويل ليل رمضان مناسبة للتخمة والسهر ونهاره للنوم، فضلا عن العدد الكبير للصائمين الذين ليس لهم من صومهم إلا الجوع والعطش ما لم يصم اللسان والقلب عن الغيبة والنميمة والكلام الفاحش والتشاحن والعراك الذي أضحى لازمة في الشوارع والأسواق طيلة أيام الشهر الفضيل.

السلوكيات الخاطئة تفرغ الصيام من مقاصده الصحية باعتبار صيام رمضان حمية سنوية لتطهير الجسم من السموم وتنشيطه وتجديد الخلايا، وفرصة للتخلص من العادات السيئة كإدمان التدخين والمخدرات

وتؤكد ذلك لغة الأرقام الرسمية، إذ أشارت المندوبية السامية للتخطيط، في أرقامها للسنة الماضية إلى ارتفاع نسب استهلاك الأسر المغربية في رمضان، حيث سجلت ارتفاعا بنسبة 37 بالمئة من الإنفاق على التغذية خلال بداية الشهر الكريم مقارنة مع باقي السنة لدى جميع فئات المجتمع، وزيادة الطلب على المنتوجات المعروضة، مؤكدة أن “نمط العيش في رمضان يتغير من حيث العادات والمصاريف والإنفاق”، إذ ينتقل الاستهلاك من 22.5 بالمئة إلى 40 بالمئة.

وفي هذا الصدد، تقول الواعظة بالمجلس العلمي المحلي بالرباط أمينة آيت هلال إن المتأمل في الواقع يرى الإسراف والتبذير وسوء تدبير الوقت وكذلك طغيان المادية والشهوانية، فترتفع أسعار المبيعات ويزداد العرض والطلب، ويقل إنتاج الفرد وعطاؤه داخل المجتمع، ويزداد شعور الإنسان بالكسل وتزداد رغبته في النوم والراحة وغير ذلك من المتناقضات العجيبة التي تعكس تماما المقاصد النبيلة لشهر رمضان.

وهذه السلوكيات الخاطئة تفرغ الصيام أيضا من مقاصده الصحية باعتبار صيام رمضان حمية سنوية لتطهير الجسم من السموم وتنشيطه وتجديد الخلايا، وفرصة للتخلص من العادات السيئة كإدمان التدخين والمخدّرات وللتخلص من البدانة والعادات الغذائية الخاطئة وعدم التوازن الكمّي والكيفي في الأكل.

وتقول هلال، في هذا الإطار، إن بعض الدول الغربية الآن أصبحت تعتمد طريقة الصوم عند المسلمين لمعالجة الأمراض النفسية والجهاز الهضمي وغيره في بعض المصحات، مما يدل على أهمية هذا النظام وفائدته للفرد والمجتمع ككل.

وحول سبب التناقض القائم بين رمضان كمقاصد وكممارسة فإن الخلل، يكمن بحسب رأي الواعظة في المجلس العلمي المحلي بالرباط، في قلة الوعي، خاصة الوعي الديني، معتبرة أن المواطن يجهل تماما فضائل الصوم وغاياته ويجهل أكثر طرق تحصيل هذه الفضائل.

وتوضح أن من مقاصد الصوم أن يرجع العبد إلى سياق التوسط الذي تتميز به هذه الأمة عن غيرها، وبالتالي الاعتدال في المأكل والمشرب والملبس وغيره.

كما أبرزت هلال أنه في رمضان يستوي الغني والفقير في الصوم، مما يجعله “علاجا للتكبّر والطغيان والتّعالي على الناس، لأن الكل صائم، والكل يعاني ألم الجوع، والكل يمسك ويفطر دون تفريق أو تمييز، لا يستثنى من ذلك أحد لغناه، أو لمنصبه أو جاهه”.

من جهة أخرى يعطي رمضان، حسب هلال، درسا عجيبا في إدراك نعمة وبركة الوقت والالتزام بالمواعيد والنظام في المعيشة، قائلة إن “جميع الصائمين يمسكون ويفطرون في وقت واحد، بلا تقديم ولا تأخير، وإن الأوامر والنواهي إن لم تتحول إلى واقع عملي، فقدت قيمتها وضاع جوهرها”.

وتشير هلال إلى أن الصوم يحدّ من طغيان الجسم على الروح، والمادية على الإنسانية، والعبودية على الحرية، وترويض للإنسان على أن يقول “لا” عندما تداهمه شهوته إلى الأكل أو الشرب، أو الاستمتاع.

وقالت إن الناظر في الأمور التي حرّمها الله على الصائم وشدة علاقتها بحياته اليومية ومدى هيمنة العادة عليها ليدرك القوة العملية للصوم وأثرها في تربية الإرادة، إذ أن “رياضة النفس بما هي من ضروريات الحياة تجعل الإنسان أقوى على ترويض نفسه، للكف عمّا دونها”.

كما يعتبر هذا الشهر مناسبة ملائمة للتعبير، بشكل أفضل، عن التضامن الاجتماعي والكرم الذي يميز الأسر تجاه الفئات الفقيرة، حيث تكثر في هذا الشهر الأنشطة ذات الطابع الخيري والتضامني لفائدة الفئات المعوزة. وتعمل الأسر على إعداد وجبات إفطار بكميات زائدة بغرض إطعام ذوي السبيل الذين يطرقون أبوابها وحراس سيارات الحي وعابري السبيل وأي شخص لا يتوفر على إمكانيات لإعداد الفطور.

21