رمضان وبغداد التي أتذكر

من أجمل الليالي الرمضانية، تلك التي تشهد زيارات كنا نقوم بها إلى الأجلاء من شيوخنا والكبار من أساتذتنا في بيوتهم، وكان الفضل في تحديد مواعيد زيارتهم يعود لصديقي الراحل حميد المطبعي.
السبت 2018/06/09
ليل بغداد التي أتذكر في رمضان هو ليل آخر

منذ أن أقمت في عمان وكلما أطل شهر رمضان الكريم عشت حالة من الحنين الجارف إلى بغداد، وهي التي لا تفارقني، وإلى ليل بغداد الرمضاني، إذْ أن ليلي الرمضاني في عمان، لا يختلف عن سواه من الليالي، باستثناء الوقت الذي أقضيه في مقهى قريب من مسكني نهاراً، يكون خلال شهر رمضان ليلا. لكن ليل بغداد التي أتذكر، في رمضان، هو ليل آخر، جميل ومختلف، ويناسب توجهاتي الاجتماعية والثقافية، لا يتكرر مكانا ويتنوع في من ألتقي بهم.

في بعض الليالي وبرفقة أصدقاء رحل كثيرون منهم، مثل الشاعرين عبدالرزاق عبدالواحد ويوسف الصائغ والكاتب حميد المطبعي، كنا نتوجه إلى جامع الخلفاء فيستقبلنا الشيخ جلال الحنفي، وتكون ليلة ثقافية بحق، يتحدث فيها الحنفي عن بغداد وعلمائها وشخصياتها الاجتماعية وأسرها ومنتدياتها وشعرائها وصحافييها وقرائها، ونستمع منه إلى ما كان من خصوماته الفكرية التي لا تنتهي والتي تواصلت على امتداد عمره، رحمه الله، ويستمر الحوار معه وهو الذي لا يحيد عن موقف من مواقفه مهما قدمنا له من أدلة وبراهين، وقد ينتهي الحوار إلى مشروع ثقافي، يعد بإنجازه، كما حدث في إحدى الليالي الرمضانية، إذ كان موضوع حوارنا هو الإملاء القرآني، كتب بعد ذلك الشيخ الحنفي سلسلة مقالات عن الإملاء القرآني، نشرها في صحيفة الثورة ومن ثم جمعها وطبعت في كتاب.

وقد نتوجه في بعض الليالي الرمضانية إلى مبنى الاتحاد العام للأدباء والكتاب، حيث نجد عددا من زملائنا الأدباء، ممن حرموا مما اعتادوا عليه في سهراتهم في نادي الاتحاد، وكل واحد منهم يتحدث عما كتب وما سيكتب ولا تخلو أحاديثهم من نميمة وانتقاد، وربما شاركناهم في ما هم فيه، كما نشاركهم ما جاؤوا به من حلوى، ثم نغادر تلك اللقاءات إلى مواعيد أخرى في المقاهي أو البيوت أو المنتديات.

وكانت الليالي الرمضانية تعيدني إلى أصدقاء قدامى، حيث تجمعنا مقاهي الأعظمية التي ألتقي فيها برياضيين معتزلين وفنانين قدامى  وشخصيات اجتماعية معروفة ومحبي قراءة المقامات العراقية والموشحات الدينية، أو في مقاهي الكرخ، وكان ملتقانا مقهى سبع، في علاوي الحلة إلى أن أغلق في أواخر التسعينات، ويلتقي فيه صحافيون وأكاديميون وأدباء وزملاء من زمن الدراسة الجامعية وبخاصة ممن زاملتهم في نشاطات الاتحاد الوطني لطلبة العراق، وتتواصل فيه الحوارات إلى أن ينفض سامره.

ومن أجمل الليالي الرمضانية، تلك التي تشهد زيارات كنا نقوم بها إلى الأجلاء من شيوخنا والكبار من أساتذتنا في بيوتهم، وكان الفضل في تحديد مواعيد زيارتهم يعود لصديقي الراحل حميد المطبعي، وممن كنا نزورهم، العلامة محمد بهجة الأثري والدكتور جميل الملائكة وأستاذنا إبراهيم الوائلي والمؤرخ عبدالرزاق الحسني وغيرهم، وجميع من ذكرتهم يعيشون ببساطة منصرفين إلى المعرفة، كل في مجال تخصصه، غير أنهم جميعا يتوفرون على ثقافة موسوعية ويتميزون بأدب جم وخلق كريم، وحين يلتقي المرء بهم ويتشرف بمجالستهم، يرى فيهم ما يتسم به العلماء من تواضع، ويتعلم منهم ما لا يعلم.

وفي الأعوام الأخيرة التي سبقت الاحتلال الأميركي– الإيراني، شهد رمضان في بغداد وفي منتصفه تحديدا، نشاطاً ثقافيا متميزا، حيث توزع جوائز بيت الحكمة على علماء بارزين وأكاديميين أعلام، وباحثين في اختصاصات مختلفة، التاريخ والفلسفة والاجتماع والاقتصاد والعلوم السياسية والترجمة وغيرها، وتكون تلك الليلة عرسا ثقافيا مجيدا، تحضره النخبة البغدادية وأسر المحتفى بهم وأصدقاؤهم ومحبوهم، وكان ممن يحرص على الحضور الأستاذ طارق عزيز والدكتور سعدون حمادي، وكان يختتم هذا العرس الثقافي بقراءات يقدمها كبار قراء المقام العراقي.

14