"رموز" تطوّع الخزف التونسي لمواكبة العصر والتغلب على الأزمات

الثلاثاء 2015/04/14
ورشة رموز للخزف تحدّت تراجع قطاع السياحة في تونس

لا تزال صناعة الخزف، التي تعود إلى قرون عدّة خلت في تونس، محلّ اهتمام متزايد لدى فنانين وحرفيين سعوا جاهدين إلى تقديم إضافات تقنية لهذا الفن، مستفيدين من تطوّر نمط الحياة لدى التونسيين، ومتحَدّين لصعوبات المنافسة والظروف الدقيقة التي تمرّ بها البلاد.

شهد قطاع الخزف في تونس، خلال العشر سنوات الأخيرة، نهضة كبرى ترجع أساسا إلى تطوّر قطاع البناء وإلى إقبال التونسيين على هذه المنتجات الفنيّة لإضفاء لمسات فنية عريقة على بيوتهم ومحلاتهم، ممّا أعطى هذا القطاع نفسا جديدا وقويا، ومعه برزت عدّة ورش صناعيّة لإنتاج الخزف.

ورشة “رموز” الواقعة في حي الدندان، غربي العاصمة تونس، تعدّ مثالا حيّا لنموّ هذا القطاع في تونس، ومع ذلك تبدو للوهلة الأولى أشبه بعلبة كبريت، من شدّة ضيق مساحتها، لكنّ طموح القائمين عليها جعل منها قبلة لمحبّي هذه الصناعة التقليديّة، ولمن يعطون أهميّة للإتقان والجودة الفنيّة العالية.

قبل الدخول إلى فنائها، يشدّ انتباه أيّ زائر للورشة عدد من التحف والمنتجات المتنوّعة التي تزين واجهة المحل، حيث تختلف كلّ قطعة عن الأخرى، ولا تشبهها إلا في مادّتها الأوليّة التي صنعت منها.

وفي داخلها، يتخذ كلّ حِرَفيّ مستقرا في أحد أركان الورشة، وقد انكبّ على عمله في تركيز واهتمام، حيث تراهم وكأن على رؤوسهم الطير، في حالة من الصمت المعزّز لتلك الحالة، فلا يقطعه بين الفينة والأخرى سوى صوت صاحبة المعمل الصغير وهي تقدم بعض التوجيهات إلى أي منهم.

وسام حمامي النابلي (39 عاما)، صاحبة المشروع، هي إحدى خريجات المعهد الأعلى للفنون الجميلة بتونس، قالت “اشتغال والدي في مجال الفسيفساء شكّل حافزا لي لإنشاء مشروع، كانت لبنته الأولى إنتاج بعض القطع التي شاركت بها في عدد من المعارض المتخصّصة في الصناعات التقليدية، قبل أن تتحوّل إلى ورشة لصناعة الخزف أمام الإقبال اللافت لمحبّي هذه المنتجات”.

وسام حمامي النابلي: صدرنا منتجاتنا إلى دول أوروبية عديدة، وهي قادرة على المنافسة

وتابعت النابلي “مشروعي يعتمد أساسا على إنتاج مواد التزويق (التجميل والزركشة) وأواني الفخار، في شكل رموز من بينها الخُمسة (كفّ اليد) والحوتة (السمكة) والجمل، وجميع هذه المنتجات مستوحاة من التراث التقليدي التونسي برؤية فنية جديدة مواكبة لتطوّر العصر، ومادة صناعتها الأساسية هي الطين”.

يمرّ إنتاج قطع التزويق بعدة مراحل، أولها إخراج الطين في شكل قوالب ذات أشكال مختلفة بعد أن يتمّ تجفيفه كليا، ثم يتمّ إدخاله إلى الفرن الكهربائي في درجة حرارة تناهز الألف درجة، يلي ذلك طلاؤها بألوان خاصة بالخزف تتناسب مع الأشكال المصنّعة، ثم تعود مرّة أخرى إلى الفرن.

تنتج الورشة تحفا ومزهريات ولوحات خزفية وأشكالا مختلفة من حاملات المصابيح الكهربائية، وفقا لطلبات الزبائن واختياراتهم وأذواقهم، علما أنّ الطلب عليها يرتفع في المواسم السياحية والمناسبات والأعياد، لكنها تتراجع في الأيام العادية، وفق ما يؤكّده أهل المهنة.

وبحسب صاحبة المشروع، فإنّ إدخال الأفران الكهربائية إلى ميدان العمل عوضا عن الأفران التقليدية، ساعد كثيرا على إنجاز أعمال كانت تستغرق وقتا طويلا. فقد شمل التطور اعتماد الأفران الكهربائية بديلا للأفران التقليدية، إضافة إلى إدخال طرق جديدة في الزينة والألوان المستعملة في الطلاء وخاصة في الرموز التي تتشكل منها قطعة الخزف.

الجدير بالذكر أنّ ورشة رموز صدّرت منتجاتها إلى دول أوروبية عديدة، من بينها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، إلا أن الأوضاع الأخيرة التي شهدتها البلاد بعد الثورة أثرت في المشروع، مثلما تأثر القطاع السياحي بشكل عام. وأبدت صاحبة الورشة تخوّفها من أن تتفاقم أزمة قطاع الصناعات التقليدية في تونس، فإنّ ذلك لن يثنها عن مضاعفة الجهود لرفع تحدي المنافسة، وتجاوز الصعوبات الظرفية، والتعويل على السوق الداخليّة، لا سيما أمام تطوّر إقبال التونسيين على مثل هذه المنتجات ذات الجودة الفنيّة العالية لتجميل منازلهم ومحلاّتهم.

وأشارت النابلي إلى أنّ المنتجات التونسية تحظى بإقبال كبير عليها في الخارج، عندما تكون ذات جودة عالية، مضيفة “منتجاتنا قادرة على منافسة منتجات الدول الأخرى، إلا أنها تحتاج إلى دعم الدولة، إذ يجب عليها أن تساند الحرفيين كي لا تتأثر منتجاتهم وتجارتهم بالأوضاع السياسية التي تمرّ بها البلاد”.

أغلب التحف التي تنتجها الورشة تستعمل في المنازل للزينة والديكور، ويتراوح ثمن القطعة بين دولار واحد إلى خمسين دولارا

أما عن الدعم الذي تطالب به الدولة، فيتمثل في دعم لوجيستي لضمان استمرارية المشاريع، ودعم آخر مادي عبر تقديم حوافز تخصّ الضرائب والتأمينات الاجتماعية لدفع القدرة التنافسية لمثل هذه المؤسسات.

وتتميّز بعض المدن التونسية بصناعة الأواني الفخارية، ومنها مدينة “قلالة” الواقعة بجزيرة جربة في الجنوب الشرقي التونسي، وهي مدينة بربرية توارثت هذه الصناعة منذ قرون طويلة. كما تكثر مصانع الخزف المزوّق في محافظة نابل في الشمال الشرقي للبلاد، حيث تتعدّد فيها محلات صناعة الخزف المزركش وسائر المنتجات الفخارية التقليدية.

وتستعمل أغلب التحف التي تنتجها الورشة في المنازل للزينة والديكور، ويتراوح ثمن القطعة بين دولار واحد إلى خمسين دولارا، وفقا للنابلي، علما أنّ الصناعات التقليدية تسهم بنسبة تفوق 4 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لتونس.

كما يوفر هذا القطاع أكثر من 400 ألف فرصة عمل، ويتوزّع على 76 اختصاصا ضمن 1200 مؤسسة حرفية بالبلاد، وترتبط الصناعات التقليدية، كما القطاع السياحي برمّته، ارتباطا وثيقا بالوضع السياسي في البلاد الذي يتأثر للغاية بمدى الاستقرار الأمني في تونس.

20