رمية من غير رام مع "ليغو" تطيح بالطاغية في فيلم سينمائي

الاثنين 2014/03/10
فيلم "ليغو المغامرة الكبرى" يحيل قطعا جامدة إلى شخصيات تنبض بالحياة

باريس- لا يكاد يخلو بيت من البيوت من لبنات ليغو التي تصنعها الشركة الدانمركية “ليغو غروب” Lego Group، ثاني منتج للعب في العالم بعد الشركة الأميركية ماتيل Mattel، فالأولياء يقتنونها لأبنائهم منذ نعومة أظفارهم لأنها تجمع متعة اللعب المفضي إلى الحثّ على الخلق والابتكار، من خلال عمليات بناء وتركيب لا تنتهي.

لبنات ليغو تساعد الطفل على الممارسة اليدوية وتنمية ملكاته الذهنية. وبعد الشريط الذي يوثق لعيد تأسيسها الثمانين، تعاقدت الشركة مع “وارنر بروس″ لإنتاج شريط سينمائي طويل عنوانه “ليغو المغامرة الكبرى” يحتل منذ ظهوره الصدارة، متفوقا على أفلام ديزني وبيكسار وحتى “مونمنت مان” لجورج كلوني.

هذا الشريط الذي يلقى النجاح نفسه في دور العرض الفرنسية منذ أواخر الشهر الماضي، هو من نوع الصور المتحركة التي تتوسّل بالتقنيات الحديثة كثلاثية الأبعاد والصور المركّبة والتصوير باستعمال الحاسوب infographie. والفكرة التي ينبني عليها هي تحويل عالم جاف جامد للبنات تعدّ بالآلاف إلى استعارة ساخرة حادّة عن مجتمع شمولي.

وبطله ذلك الرجل الصغير الذي ظهر إلى الوجود عام 1940، ويعرفه الأطفال من خلال لونه الأصفر ومادته البلاستيك، حاضرا وسط عالم من المكعبات واللبنات والقراميد.

الرجل يدعى هنا إيمّيت لا يتميّز عن سواه بميزة، ولكن حياته سوف تنقلب رأسا على عقب يوم يقع اختياره لإنقاذ قومه من دمار محدق، يعدهم به نظام شمولي، وهو لا يملك غير روح مرحة وأصدقاء يثقون بقدراته ثقة عمياء.

يصوّر الشريط إذن هذا الرجل الصغير الذي يقع اختياره عن طريق الخطإ وفي البال أنه يملك طاقة عجيبة، وأنه قادر على إنقاذ العالم، فيضطرّ إلى مغادرة وضعه كعامل مسخّر لخدمة الطاغية، والالتحاق بفريق من المقاومين أهمّ ما يميزهم قدرتهم على تصور عوالم بديلة وبنائها، وهو ما يشكّل تهديدا لنظام قائم على التماثل المفرط، هذا النظام أخضع مجتمعه لعملية غسل أدمغة، حيث يضطرون للعمل بشكل آليّ وهم يرددون أغنية “كل شيء رائع!”، وما تمثله من منطق رعب شبيه بما نجده في بعض أفلام الخيال العلمي الحديثة مثل “متروبوليس″ و”برازيل”.


كل شيء رائع


يجد إيمّيت نفسه في خضم سلسلة من المغامرات تهدف جميعها إلى القضاء على ذلك الطاغية الذي يسوسهم بقبضة من حديد، دون أن يملك ما يؤهله لذلك.

ما يسجل لهذا الشريط احتفاؤه ببعض القيم التي تناستها السينما الصناعية في هوليوود

وكعادة الأفلام الأميركية، سواء ما كان منها موجها للكبار أو للصغار، يلعب الحظ والصدف العجيبة دورا كبيرا في إنجاح مسعى البطل، فإذا هو يصيب غايته من حيث لا يتوقع، وإذا ما يفعله أشبه برمية من غير رام، ولكن كاتب السيناريو يتفنن في جعل الآخرين يعتقدون أن ما يجنيه البطل قصد إليه وخطط له.

من عوامل نجاحه استعماله الدعابة المرجعية، أي التي تستند إلى خطاب سابق روّجته ثقافة البوب والجيك، وكذلك التلميح الطريف لأبطال بعض الأفلام الشهيرة مثل سوبرمان ووندر وومن وباطمان وأوني كيتي والفانوس الأخضر والسلاحف نينجا، وحتى من بعض الشخصيات المعروفة مثل لاعب بطولة كرة السلة شاكيل أونيل، ما جعل الحوارات مشحونة بطرف ونوادر تضفي على المغامرات روحا مرحة لا تغادره حتى في اللحظات الحرجة.

بالرغم من عدم تخصصهما في مثل هذه الأشرطة، استطاع المخرجان فيل لورد وكريس ميلر أن يجدا توازنا ملحوظا بين توتر رواية المغامرات في بعدها الملحمي وحدة المحاكاة الساخرة parodie في بعدها الهزلي، وكذلك تهيئة تلك الكائنات البلاستيك الصغيرة وبعث الحياة في كيانها بتوجيهها الوجهة التي تحقق للسيناريو الممتاز غايته.


لعب متحركة


حرص المخرجان على الوفاء للمخيال البصري لشركة وارنر بروس، من خلال مرونة التنفيذ وحيل فنية باهرة باستعمال تقنية مستجدّة تعرف بـ”ستوب موشيون” stop-motion 2.0 وفّرتها لهما الشركة الأسترالية أنيمال لوجيك Animal Logic التي سبق أن أنتجت “أسطورة الحراس″، وهو ما أكسب الشريط عمقا وخفة في الآن نفسه، هذا بالرغم مما يتخلله أحيانا من تقنيات فنية تذكر بأفلام سابقة كـ”توي ستوري” من حيث شاعريته وصبغته الهزلية، و”وول إي” Wall-E في تصويره عالم ما بعد الوجود الإنساني على الأرض، و”المردة وشركاؤهم” في طموحه الجامح حدّ الجنون.

ما يسجل لهذا الشريط أيضا احتفاؤه ببعض القيم التي تناستها السينما الصناعية في هوليوود، ونعني بها صورة الطفولة يحكمها الخيال وحرية الفكر، وهو ما ينطبق على لعب ليغو كرمز للهو المنفتح على الخيال، والدافع إلى الإبداع وتنميته وإثرائه.

الشريط من نوع الصور المتحركة التي تتوسل بالتقنيات الحديثة ثلاثية الأبعاد والصور المركبة

وهو إلى ذلك يرضي جميع الأطراف: الشركة المصنعة التي تجد في مضمونه ما يستجيب لشعاراتها، والشركة المنتجة التي تتنمّر لمنافسة بيكسار وديزني وبلو سكاي ودريم وُوركس، والأطفال الذين يزدادون انجذابا إلى لعبهم المفضلة وقد نفخت فيها الحياة وصارت تجري وتتكلم وتطلق الطرف والملح وتقوم بأعمال بطولية، وأخيرا الأولياء الذين يستمتعون بشريط يعالج قضية من القضايا الراهنة، وهي استبداد الليبرالية والنزعة الاستهلاكية بأسلوب يثير ضحك الكبار والصغار معا.

ورغم بعض الثقل في جزئه الأخير، أي عندما وقع المزج بين اللُّعب وبشر من لحم ودم، عدّه النقاد في الولايات المتحدة -حيث حقق أرقاما مذهلة ولا يزال يحتل المركز الأول في البوكس أوفيس، وفي فرنسا حيث احتل الصدارة أيضا منذ انطلاق عرضه في التاسع عشر من فبراير المنصرم- من أجمل الاكتشافات غير المتوقعة لهذا العام، لما يمتاز به من إثارة وتشويق وروح مرحة، فضلا عن تقنياته العجيبة التي استطاعت أن تحوّل قطعا جامدة إلى شخصيات تنبض بالحياة.

16