رنا سهيل إدريس ورثت الشغف بالكتب واختارت التنويع

الأحد 2014/05/18
رنا أدخلت على دار النشر لمسة أنثوية وضخّت فيها نفسا جديدا

القاهرة - ترعرعت بين الكتب والروايات، بين والدين يهتمان بالكتابة والنشر، والدها الأديب والناشر اللبناني سهيل إدريس أورثها شغفا بالمطالعة وحبا للكتب بأنواعها وأورثها دارا للنشر كلفها بإدارتها قبل وفاته لإدراكه أنها تحت إشرافها ستكون بين أياد أمينة، إنها رنا سهيل إدريس مديرة دار الآداب اللبنانية.

تحمّلت رنا إدريس مسؤولية إدارة دار للنشر لها وزنها وتاريخها في عالم التأليف والنشر عام 1985، وسعت إلى المحافظة على سمعة هذه الدار التي أسسها والدها بهدف تحقيق نهضة عربية ثقافية شاملة، ودون أن تحيد رنا عن الأهداف الرئيسية التي حددها والدها لدار الآداب، أدخلت عليها لمسة أنثوية وضخّت فيها نفسا جديدا يحمل تأثرها بالآداب “الغربية” انطلق من ترجمة المؤلفات من عدة لغات أجنبية خاصة منها اليابانية التي لم تكن منتشرة في العالم العربي، وكذلك سعت إلى “دمقرطة” اختيار الدار لمنشوراتها من خلال تنصيب لجنة قراءة مهيكلة تقدم تقارير مفصلة عن المخطوطات، ليكون الاختيار محايدا ومبررا ولا يخضع لذوق أو تقييم فردي.

وبما أنها كانت تتابع تعليمها بالولايات المتحدة قبل توليها إدارة دار النشر، فقد آمنت (رنا إدريس) بضرورة تنويع المنشورات ودعم حضور الأدب الغربي في العالم العربي من خلال الترجمة، وبذلك توسعت مجالات تغطية الأعمال الأدبية والفكرية، رافعة شعار الانفتاح على المؤلفات بأنواعها من مختلف القارات، كما سعت إلى الانفتاح ومساندة الإبداع النسائي في المجالين الفكري والأدبي، فنشرت لعدد من الكاتبات العربيات لكن دون إقصاء الرجال ودون قبول أعمال دون المستوى الأدبي المرموق الذي اعتادت الدار على اعتماده كمبدأ للنشر.

وتشهد حركة النشر العربية مشاركة متزايدة للسيدات الناشرات، في خطوة لم تكن مألوفة قبل عقدين، ويرى بعض المراقبين أن دخول السيدات عالم النشر العربي، أثّر إيجابيا على نوعية وأجواء النشر والتوجهات العامة للكتب العربية الصادرة خلال السنوات الأخيرة، كما أنه أمر يلقى استحسانا لدى معظم المتابعين والمهتمين بعالم النشر.

ولا تخلو معارض الكتب العربية المحلية والدولية من مشاركة العديد من الناشرات صاحبات ومديرات دور النشر من دول عربية مختلفة، أبرزها المشاركة المصرية واللبنانية والسورية، وهو أمر يأمل متابعو الشأن الثقافي في أن يتزايد بشكل مطرد، ويشيرون في هذا الخصوص إلى أن غالبية أصحاب ومدراء دور النشر الغربية هم من النساء.

وحول ظاهرة إدارة السيدات العربيات لمؤسسات ودور النشر العربية ومشاركة الناشرات العربيات في معارض الكتب الدولية، قالت رنا إدريس، مديرة دار الآداب اللبنانية لصحيفة (العرب)، “لا شك في أن عدد الناشرات العربيات في ازدياد، ففي الثمانينات والتسعينات لم يكن عددهن على مستوى العالم العربي يتجاوز الاثنتين أو الثلاث، أما الآن فهناك العديد من الناشرات في لبنان ومصر وحتى في الإمارات، أصبح هناك سيّدات على رأس مؤسسات ثقافية ودور نشر، ونلاحظ أن غالبيتهن من الجيل الثاني، حيث تتابع الناشرة مسيرة والدها إن كان ناشرا، وهذا هو وضع دار الآداب والنهضة والبستاني وغيرها من الدور اللبنانية، وهناك ناشرات مُؤسسات لدور نشر يزداد عددهن خاصة في مجال نشر كتب الأطفال، وهن يبرعن غالبا في هذا المجال على اعتبار أنهن أمهات قادرات على التعامل مع الطفل أكثر من الرجل”. وأضافت، “في أوروبا وأميركا أصبحت غالبية مدراء دور النشر من السيدات، وأصبح هذا العالم أقرب للمرأة، نشرا وتسويقا، حتى أنه يمكننا أن نقول بكل ثقة، إن غالبية القراء هم من السيدات أكثر من الرجال”.

مبدئيا لا نهتم إلا بجودة النص، إن كان لرجل أو لسيدة، ومن جانب آخر فإننا نؤكد على اهتمامنا بمواضيع ومحتويات تنويرية تتعلق بتحرّر المرأة وحقوقها ومشاركتها في الحياة المدنية والسياسية، ولدينا لجنة لدراسة المخطوطات وتقرير سياسة النشر

وحول تأثير وجود ناشرة على رأس دار النشر على نوعية الكتب، قالت إدريس التي تدير واحدة من أعرق وأقدم دور النشر العربية، خلفا لوالدها الكاتب المعروف سهيل إدريس مؤسس اتحاد الكتاب اللبنانيين، “مبدئيا لا نهتم إلا بجودة النص، إن كان لرجل أو لسيدة، ومن جانب آخر فإننا نؤكد على اهتمامنا بمواضيع ومحتويات تنويرية تتعلق بتحرّر المرأة وحقوقها ومشاركتها في الحياة المدنية والسياسية، ولدينا لجنة لدراسة المخطوطات وتقرير سياسة النشر”.

وحول دورها بالذات في وضع سياسة النشر قالت، “لي دور في رسم سياسات النشر على الرغم من وجود لجان قراءة وتقييم، حيادية تماما، ونحن من أنصار المرأة ودعم قضاياها الأساسية، وعادة عندما تصلنا مخطوطات يكون بذهن صاحب الكتاب طبيعة دار النشر، فلا يُقدّم لنا أي كتاب يشجع على بقاء المرأة في البيت أو أميّتها، أو مخطوطات متمسكة بالحجاب، فقناعاتنا تنعكس على سياسات الدار بشكل عام”.

ونفت أن تكون السيدات الناشرات من أنصار الابتعاد عن نشر الكتب السياسية، وقالت مديرة دار النشر التي تأسست عام 1956، “نحن دار نشر تهتم أساسا بالآداب وبالرواية تحديدا، لكن لدينا إصدارات من أنواع معرفية أخرى، ولدينا إصدارات سياسية كثيرة، فأصدرنا جميع كتب إدوارد سعيد بحقوق حصرية، وللكثير أيضا، ولكننا نعتقد أن نشرنا للسياسة في إطار روائي فالعمل الروائي سيُقرأ أكثر لأن العرب يفضّلون قراءة الرواية أكثر من التاريخ، ومن الدراسات السياسية والفلسفية، ولكن الرواية عمليا يمكنها أن تحتوي كل هذه الأمور، فسحر خليفة مثلا، الروائية الفلسطينية الملتزمة، نجد أن رواياتها سياسية بامتياز، إذا أخذنا مثلا رواية “أرض وسماء” التي تتحدث عن أضرار الطائفية في العالم العربي وكيف يمكن أن تدمّرنا، نجدها سياسية صرفة، وعندما تتحدث عن تفاصيل ضياع الأرض عام 1948 والخيانات التي تعرض لها القسّام والحسيني وغيرهما من الزعماء والسياسيين الفلسطينيين والعرب، نجد أن لديها همّا سياسيا، وعندما ننشر روايات لإلياس خوري، لا يمكن أن نقول إنه لا يوجد لديه همّ سياسي.

وفي العموم جميع كتّابنا لديهم التزام سياسي وهمّ التوعية بالمواضيع السياسية، وفي إطار الرواية التي هي أسْلس للقراءة ولو بقدر أكبر التخيل، إنما هناك وقائع سياسية منشورة ووقائع تاريخية، وكذلك مثلا نجد رواية واسيني الأعرج (الأمير) عن الأمير عبدالقادر الجزائري وهي رواية سياسية بامتياز.

الثقافة ليست تسلية بل سلاح لمقاومة ما يُفسد الثورات، ننشر السياسة في إطار روائي لأن العرب يفضّلون قراءة الرواية أكثر من التاريخ، مهمتنا تنوير الربيع العربي بالأدب لنعطي صورة أفضل عمّا يجري في الشارع

وحول أهم الكتب ذات البعد السياسي التي نشرتها الدار خلال عامي 2013 و2014 قالت، “هناك كتابان وصلا إلى القائمة القصيرة لجوائز الرواية العربية “البوكر”، وهما “طائر أزرق” ليوسف فاضل وهو يتحدث عن المعتقل، و”لا سكاكين في هذه المدينة” لخالد خليفة وهي رواية سياسية أيضا. وبالأساس، أعتقد أن أي سوري أو عراقي أو لبناني ينشر كتابا في هذه المرحلة من المحتم أن يكون له بعد سياسي، فلدى غالبية الكتاب والمثقفين همّ أول هو تنوير الربيع العربي بالأدب ليعكس صورة إيجابية أفضل عمّا يجري في الشارع العربي”.

وأعربت عن قناعتها بفشل مثالية الربيع العربي نتيجة ضعف الثقافة في المجتمع وقالت، “أعتقد أن فشل الثورات حتى الآن بسبب عدم وجود ثقافة كافية، ومهمتنا أن نشجع على وجود وتطوير الثقافة كسلاح وليس كتسلية، إنها سلاح لمقاومة ما يُفسد الثورات، لدينا إيمان بأن الثقافة مقاومة بهذا المعنى، وبما أنه ليست لدينا نخبة مثقفة لهذا تفشل الثورات، فسوريا مثلا، حيث قام بالثورة مثقفون، لكنهم لم يستطيعوا قيادة هذه الحركة، وحل محلهم جهلاء ومتعصبون، ومن الناحية الثانية أصحاب الحكم، ما يعني أنه من الجهتين لم نصل إلى نتيجة، النخبة تنشأ من ثقافة عالية وسط مجتمع مدني لا نملكه، كالنقابات والمؤسسات المدنية، وهذه كلها تحتاج لثقافة، وهنا دورنا، وهذا سلاحنا نسير به وهو ما نعرف القيام به”.

يشار إلى أن الدار، بإدارة مؤسسها الراحل وابنته التي تابعت مسيرته، نشرت كتبا لنجيب محفوظ، حنا مينة، جبرا إبراهيم جبرا، إلياس خوري، واسيني الأعرج، سحر خليفة، أحلام مستغانمي، ليلى العثمان، نوال السعداوي، هاني الراهب، فؤاد التكرلي، إدوار الخرّاط، نزار قباني، أحمد عبدالمعطي حجازي، أمل دنقل، سعدي يوسف، بدر شاكر السيّاب، نازك الملائكة، عبدالوهاب البياتي، فدوى طوقان، أدونيس، محمود درويش، سميح القاسم، سعدالله ونوس، جواد الأسدي، إدوارد سعيد، طه حسين، سمير أمين، جورج طرابيشي، فيصل دراج وغيرهم.

20