رندا مداح فنانة سورية تعلق أحشاءها على ذاكرة لن يدركها النسيان

اختارت الفنانة السورية رندا مداح عنوانا شاعريا، على قسوته، لمعرضها المعنون بـ”ربطة شعر” والذي تحتضنه قاعة “غاليري 1” بمدينة رام الله الفلسطينية، حيث يعكس حالة الربط ما بين انقطاعات عدة يعيشها بشكل خاص السوريون في هضبة الجولان المحتلة.
الجمعة 2016/09/23
تماثيل ومنحوتات تنطق بحكايات بلد جريح

رام الله (فلسطين)- تقدم التشكيلية السورية رندا مداح في معرضها “ربطة شعر”، نتاج سنة من العمل في نحت ما يزيد عن خمسين عملا فنيا من البرونز والطين والجبس، وتقول مداح عن معرضها الذي يتواصل إلى غاية الـ29 من سبتمبر الجاري بـ”غاليري 1” في رام الله بفلسطين “أعمالي تنطلق من مفهوم المكان الذي نشأت فيه”، وتضيف “المكان الذي أتيت منه هو هضبة الجولان السوري المحتلة، من مجدل شمس القرية الحدودية، وبالتالي نحن مفصولون بشكل قسري منذ عام 1967 عن سوريا”.

وترى مداح أن دراستها للفن في سوريا خلقت لديها “حالة من الشعور بالتعلق بين مكانين؛ فأنت تنتمي إلى مكان لا تستطيع أن تكون فاعلا فيه أو جزءا من مشكلاته وتفاصيله”. وتبدو الأعمال البرونزية لرندا مداح تجسيدا بشكل أو بآخر لعرائس مسرح الدمى ذات الأشكال الشريرة بوضعيات مختلفة، ويظهر الشعر في الكثير منها مستخدما لتعليقها أو ربطها، وهي تجسد امرأة أو طفلا أو رجلا.

وتشير مداح إلى أن طبيعة أعمالها تغيرت من الرسم بقلم الرصاص على الورق أو رسم الاسكتشات إلى النحت، متأثرة بالواقع الذي تعيشه وما يشهده بلدها سوريا، وتقول إنها ابتعدت عن الرسم بالرصاص واتجهت إلى النحت، لأنها رأت أنه أكثر تعبيرا عن شعورها بالإحباط، إذ ترى أن “الواقع يتغير من سيء إلى أسوأ”. وتضيف “قبل أن أبدأ العمل أنطلق من فكرة عامة، وعندما أبدأ العمل فإني لا أفكر في شيء؛ العمل يكون نتيجة الإحساس”.

رندا مداح: حكايتي هي تمرير الذاكرة عن إرث موحش لم يدركه النسيان بعد

وعن ثنائية الحضور والغياب البادية في أعمالها النحتية تقول الفنانة السورية “كل واحد منا لديه أشياء تشدّه وتمنعه من تحقيق أهدافه، منها الواقع المفروض عليه والتقاليد والوضع الذي نعيشه، وكلها عوامل تشده وتمنعه من التقدّم أو التغير في حياته وتفاصيلها، الشد والتعلق بين مكانين يشكلان حالة ضياع”. وتوضح أنها أنجزت جميع الأعمال الفنية المعروضة بالطين، ثم اختارت تنفيذ عدد منها بالبرونز وأخرى بالجبس، وترى مداح أن التعامل مع الطين أسهل، إذ يمكن تشكيله باليدين كيفما شاء الفنان، بينما تحتاج أعمال البرونز والجبس إلى قوالب خاصة.

وتختصر الفنانة السورية تقديم معرضها في جملتين تقول فيهما ضمن كتيْب حول المعرض “على مساحة موازية يحدث كل هذا، أرض مشطورة وسماء لا تكترث والكثير من الحكايات بينهما”، وتضيف “حكايتي هي تمرير الذاكرة عن إرث موحش لم يدركه النسيان بعد”. ويصف الكاتب البريطاني جون بيرغر أعمال رندا مداح الفنية بأنها “ساحرة”، حيث يقول في كلمته ضمن كتيب حول المعرض “أعود إلى فلسطين وأتأمل الأرض التي أمشي عليها.. وأفكر في قرارة نفسي؛ إنها كلها تشكل شظايا ليست من الأرض بل من الوطن، وهذا ما تعكسه الأشكال التي تخلقين”.

ويضيف موجّها كلامه إلى مداح “أنت تخلقين الصور الشخصية لهذه الجزيئات الأرضية من ذاتك، وكأنك تحملين حصى هضبة الجولان في يسراك، وبيمناك ترسمين أحشاءها”. ويواصل بيرغر واصفا عمل مسرح العرائس لرندا مداح “هناك قوة ما في هذا العمل الفني لم أرها في ما عداه، إنها تطالب بأحقيتها في الأرض التي تقف عليها، وقد جعلت من ساحة القتل بين المتفرجين المذعورين والضحايا المعذبين ساحة مقدّسة.. لقد حوّل هذا العمل الفني أرض المرآب، بشكل ما، إلى أرض ممسوحة”.

ويقدم الشاعر السوري الكردي، المقيم في فرنسا، جولان حاجي، أعمال رندا بقوله “ليست هذه المخلوقات هاربة من الجحيم، إنها قطعة منها؛ البعض من وجودها”. ويضيف “رندا تظهر لنا ما لا نراه، من نار لا ترى إلى نيران تجوب العالم حولنا، يلفح اللهب الجميع ويساوي بينهم أمام الرعب، فيصفع ملامحهم ويصهر أشلاءهم ليوحّدهم الذوبان، أو يفرّقهم ويشتّت بالتهديد شملهم، وهذه خصوبة الموت وتوالد النهايات من بعضها البعض”.

ويتابع حاجي قوله “في هذه الوجوه تختلط الأزمنة والأعمار وتمتزج الطفولة بالشيخوخة والحنان بالمرض.. الأنوف مجدوعة والأفواه لا تزال مفتوحة بعد انتهاء الصراخ الذي لم نسمعه”. وتشير رندا مداح إلى أنه ليست لديها مخططات للعرض في أماكن أخرى، في الوقت الذي تستعد فيه للتوجه إلى فرنسا لإكمال دراستها في فن النحت على النحاس.

17