رندة فخري ترسم عنفا مُلطفا تحت أقنعة واهية

الفنانة المصرية تمزج الظاهر بالباطن لترسم أوجاعا بسيطة لكنها مريرة.
الأربعاء 2021/06/23
حكايات خرافية شديدة الواقعية حتى الجرح

تستعد الفنانة التشكيلية المصرية رندة فخري لتقديم معرض فردي جديد في مدينتها القاهرة، في انتظار أن يخرج البشر من أزمة الوباء التي دامت أكثر من عام حتى الآن. معرض لن يخرج عن خط الفنانة العام لا من ناحية الأسلوب ولا من ناحية المضمون، ولكن سيضم لوحات توغل أكثر في عوالم النفس الإنسانية برعاية نظرتها الفلسفية إلى الأمور، بعيدا عن البرودة المعرفية التي غالبا ما تُتلف أي عمل فني.

تعرّفت بالصدفة على عالم الفنانة المصرية رندة فخري منذ بضعة أسابيع حين وقع نظري على لوحة مؤثرة بعنوان “السمكة” عن سيدة مُسنة أمامها صحن عليه سمكة لا يبدو أنها تستثير شهيتها. وتحمل السيدة في ملامحها ووضعية جسدها آثار جمال سابق وفطنة واضحة.

ملامح موشومة بمشقّة وجودية لن يدرك عمقها، على الأغلب، إلاّ من تقدّم به العمر، ولاسيما إن كان مريضا.

مذاق الزائل

نشرت فخري صورة لهذا العمل على صفحتها الفيسبوكية مُرفقة بنص صادق ودلاليّ تكشف فيه صاحبة “الأقنعة الواهية”، إذا صحّ التعبير، مناسبة نصها الفني هذا بكلمات ناصعة “في فترة من زمان، من حوالي خمس سنوات.. ماما كانت زهدت الطعام شوية.. ومهما حاولنا كانت لا ترضى إلاّ بالقليل، القليل.. كنت سأفقد عقلي شاعرة بعجزي أمام هذا الموقف. فنزلت إلى المرسم وبقيت حتى الصباح. اشتغلت هذه اللوحة بكل الحب والخوف الذي في قلبي عليها، اليوم أقولها إنها أغلى ما في حياتي ونور الدنيا وشمسها وقمرها”.

هكذا تعرّفت على الفنانة وقد قُرعت كل أجراس روحي أمام هذه اللوحة المُعبّرة بحسّ فنيّ وذكاء تشكيلي عن ألم رندة فخري وألم كل إنسان لم يزل إنسانا.

تواصلت معها لاحقا وجرى حديث بيننا ليتبيّن لي أن الفنانة تشبه لوحاتها من حيث الرقّة والعفوية التي لم تفسدها المعرفة. فالفنانة حاصلة على بكالوريوس الفنون الجميلة وعلى ماجيستير في التصوير وهي اليوم مدرّس مساعد بقسم التصوير بكلية الفنون الجميلة جامعة حلوان، وحاصلة على دكتوراه فلسفة التصوير سنة 2011.

وساهمت الفنانة المصرية في معارض تشكيلية جماعية عديدة، ولها أيضا معارض فردية كثيرة منها ما يحمل هذه العناوين “المهرج” و”فينا.. زهور”.

غالبا ما يكون لأي فنان في سيرته الفنية الكاملة أو على إيقاع التكوين معرض بالغ الأهمية ليس لغنى الأعمال مضمونا وهيئة، ولكن لأنه يمثل مفتاحا ذهبيا يدور في كل باب مُغلق أو موصد لأي معرض قدّمه سابقا أو سيقدّمه لاحقا في حياته الفنية.

في سرداب الفنانة السخية بلوحاتها تكمن بصمت الأحلام ولحظات فرح نادر وخيبات وانتصارات خجولة وعزم ورفق

والفنانة رندة فخري ليست استثناء، بل على العكس، إذ يمثل معرضها الفني الذي حمل عنوان “السرداب” مفتاحا لمنطق ونبض ممارستها الفنية الغزيرة بشكل عام.

معرضها هذا يُمكن اعتباره استعراضا لما تهجس به الفنانة ولما تريد سبر أغواره في كل أعمالها الفنية. ويقع مفعول عنوان “السرداب” على أذن المهتمين بالفن بشكل عام وقعا يختلف بين شخص وآخر.

فهناك من سيراه عنوانا دراميا فيه الكثير من الرعب، ومنهم من سيراه مدخلا إلى أسرار فيها حلاوة ومرارة يلتحفها مذاق الزائل/ المؤقت حتما عند أول شعاع ينفذ إلى داخل هذا السرداب، أو إلى هذا الفلك الذي تعوم فيه الحكايات “الخرافية” الشديدة الواقعية حتى الجرح. مثلها كمثل القصص الخرافية في نسخها الأصلية قبل أن تُغطّسها في العسل شركة والت ديزني للإنتاج السينمائي.

ويأخذنا هذا العالم حيث تتألّق فيه شخوص الفنانة بسحنتها السمراء وبتعابير وجوهها المختلفة التي تتشارك جميعها بتعبير واحد وهو “السكون”، إلى فيلم إسباني رائع عميق عنوانه “بانز لابرينتس”، أو “سرداب بان” حيث يمتزج الخيال بالواقع والظاهر بالباطن والخرافي بالرعب والدم.

وكما في لوحات الفنانة المصرية كذلك في هذا الفيلم يخرج “السكون” من منطق معناه المُباشر ليشمل معاني كثيرة كالثبات والحنين، والعنف المُلطف تحت أقنعة واهية لم تستطع فخري في لوحاتها أن تخفي المستور، وربما لم ترد ذلك، بل أرادت إدخال الناظر إلى لوحاتها في لعبة خطيرة أشبه بمتاهة “طفولية” حاذقة، أكثر من كونها سردابا، لن يخرج منها الزائر كما دخل إليها.

سراديب الحياة

عناصر تزيينية تفيض بالحياة رغم الألم
عناصر تزيينية تفيض بالحياة رغم الألم

في سرداب الفنانة فخري السخية بلوحاتها تكمن بصمت الأحلام ولحظات فرح نادر وخيبات وانتصارات خجولة وعزم ورفق، ليس فقط بباقي الكائنات كالحيوانات المُرحبة بها دائما في لوحاتها، ولكن أيضا الرفق بالأشياء، الرفق بالأجواء والخلفيات التي تقف أمامها وتتداخل معها أحيانا الشخوص. لا وجود لمنطق اللعبة التي كنا نتلهّى بها عندما كنا صغارا، والتي نسميها “إنسان/ حيوان/ شيء”.

كل الموجودات وكل العناصر التي تضعها الفنانة في لوحاتها تدب فيها حياة إنسانية. فلا الكلبة السوداء اللون، التي تجلس براحة وشعور بالأمان وتنظر بحكمة وحنان واستسلام إلى المرأة التي تقف إلى جانبها حاملة/ حاضنة جروها المولود حديثا هي بحيوان.

ولا هي كذلك السمكة الحمراء السابحة في الوعاء والناظرة إلى وجه المرأة الحاملة للوعاء كمن يحمل وعاء سكبت روحه فيه للتوّ. وليس هذا القفاز الذي يغلف يد بطل اللوحة هو “بشيء” إنما هو جلد حيّ يريد أن يخفي صاحب اليد. جلد تنفر منه العروق حتى يكاد يُسمع النبض.

وليست الزخارف التي تدخل إلى لوحاتها من خلال قصاصات “الديكوباج” هي مجرد عناصر تزيين بل هي تفيض حياة، هي صدى لما يحدث في اللوحة.

تبتكر الفنانة شخوصها حتى تسألها عمّا يدور في خلدها وماذا يجري من حولها؟ وتصبح الكائنات مثل السلحفاة والعصفور والكلب والأرنب هي أشبه بوسائط وقناة اتصال ما بين شخص اللوحة والناظر إليها.

ولعل كلام الفنانة عن معرضها “السرداب” الذي ينضح صدقا وذكاء يكاد ينطبق على عموم فلسفة مسارها الفني. هذه مقتطفات منه “مخطئ من يظن أن في السرداب أمواتا، ومخطئ من يظن أن في السرداب نهايات، ومخطئ من يظن أنها سراديب للنسيان، لنا في السراديب أحلام، لنا في السرداب أمانة حفظناها، الحقيقة أن لنا في السرداب حياة.. أخفيناها حفاظا عليها، وربما لأن هذه الأشياء اختارت لنفسها الاختفاء حفاظا علينا”.

16