رنيم ضاهر: الشعر أطياف آلهة وأشباح شياطين

الخميس 2015/01/29
الشاعرة تخضع القصيدة لمختلف التجارب

قد يكون الشعر في إحد تعريفاته ذاك المزيج العجيب بين المتناقضات جميعها التي يحويها العالم، وصولا إلى منطقة الوعي واللاوعي، قد يكون أيضا ذلك الخطاب الكثيف الذي يحمل قرّاءه إلى عوالم لا يخلقها ولا يقدمها له غير الشاعر والشاعرة، تلك العوالم الكثيفة هي ما يميز الشاعرة اللبنانية رنيم ضاهر، التي تكتب نصها بشكل أصدق من الخلق.

رنيم ضاهر شاعرة لبنانية شاركت في عدد من الأمسيات والندوات بلبنان والعالم العربي، صدر لها ديوانان شعريان “سأقص على النسيان حكايات طويلة” عن دار النهضة العربية، و”أتثاءب في مخيلة قطة” عن دار “الغاوون”. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الشاعرة حول ملامح تجربتها الشعرية.


الشعر ليس معادلة


بداية ومن خلال قراءة حوارات سابقة مع الشاعرة رنيم ضاهر، نلاحظ أن إجاباتها متشابهة في الأسلوب، يغلفها الشعر، كأنها نوع من الهرب عبر اللغة، عن سبب هذا الحضور الكثيف للمجاز، تقول الشاعرة: «ربما أجد نفسي متورطة في الشعر، بجمل خيالية، غير ملموسة، أو مترابطة دائما. أعتقد أن الشعر تفريغ لما يعترينا من أشباح داخلية ولمخزون مشبع بعقد الذنب، وأنا مأخوذة باللغة منذ زمن طويل، تعتريني في لحظات البرد والتأمل، لذلك عندما أفكر في إجابة، فكأنني أطرح على القارئ مزيدا من الشك في السؤال والجواب والفلسفة، أهرب، وهروبي يكون باستعمال المجاز».

وعن وصف الشاعر وديع سعادة لها، بأنها طفلة الشعر، ولا تشبه إلا نفسها، وإن كانت حقا تعتبر نفسها بلا آباء شعريين؟ تجيب ضاهر: «أعتقد أن الشاعر وديع سعادة قصد الخصوصية، التأثر فعل جميل، لكن بشرط التخلص منه في محاولة البحث عن لغتنا الخاصة النابعة من تجاربنا ومن بيئتنا، لو أردت تغيير عبارة آباء شعريين، لقلت ببساطة خالصة هناك شعراء كالأيقونات، كالمدن الغريبة، كالأزقة والموسيقى والجن وأكثر. إلى هذا الحدّ يتلبسونني، ولكن رغم ذلك أتخلص منهم قبل الكتابة».

في قصائدها سرد ما، كأنها تنسج الحكايات عبر الشعر، بعبارة ما كأنها تقتل قاصة في داخلها، عن سبب تغلغل تلك التفاصيل السردية في ما تكتبه، تؤكد ضاهر قائلة: «القصيدة التي أكتبها بشكل عام مكثفة وقصيرة، أقرب إلى الهايكو، يظهر السرد في عدد قليل من النصوص لديّ، لكن هذا لا يعني أنني أفكر في كتابة رواية رغم شغفي بهذا الفن».

الشعر هو الوعي واللاوعي، مشاعر كثيرة ومتناقضة، شيء من الإلياذة والآلهة والشياطين، والمسارح المعلقة

وعن الخمس سنوات التي تفصل بين ديوانها الأول “سأقص على النسيان حكايات طويلة”، والثاني “أتثاءب في مخيلة قطة”، وخاصة أنها تعتبر تلك المدة الزمنية طويلة نسبيا.

تقول ضاهر: «لا أعرف، لكنني فقدت رغبتي في الكتابة، سواء النثر أو الشعر. كأنني اختبأت داخل ذاتي أو وراء ستارة. كنت أقرأ لكنني لم أكتب كلمة واحدة. أستطيع أن أقول إنني فقدت خيالي أو دخلت في حالة البياض، اختبرت الشعور بالجفاف الذي يعاني منه الكتاب والشعراء والذي عرّفته بالعماء».

قالت رنيم ضاهر ذات مرة “إن الشاعر الحقيقي هو من يقنع الناس بأوهامه”، فهل كان الشعر بالنسبة إليها هو نوع من تعاطي الوهم؟ تجيب موضحة: «الشعر نوع من الوهم الساحر، حين نصدقه نقتنع بجدواه. وهذا هو جوهر الخلاف الدائم بين الشعر والفلسفة. الشعر هو الوعي واللاوعي، مشاعر كثيرة ومتناقضة وأبعد من ذلك، شيء من الإلياذة والآلهة والشياطين، والمسارح المعلقة».

لدى الشاعرة مهارة عالية في اقتناص الصور، واللعب بالمجازات، لكن ماذا لو كان في الأمر مبالغة ما، لتقديم أو لترويج، سوريالية ما، تستدرج من خلالها القارئ، للوقوع في فخاخ لغوية؟ تجيب ضاهر: «لا أقصد ذلك بالطبع، السوريالية جزء مني، أعبر من خلالها عن اللامسمى الذي يحمل في طياته معاني كثيرة. ليس بغية إدهاش القارئ أو حثه على التفكير بما وراء اللغة، أو، أو.. الشعر ليس معادلة علمية أو رسما بيانيا لذلك يحتمل المجاز وأبعادا أخرى، يحتمل مفردات جديدة على السمع، شرط أن تكون ضمن سياقها العام، لذلك أنا ممن يخضعون القصيدة لمختلف الأوبئة والتجارب، والإعدام إذا لزم الأمر».


انتظار غودو

أغلب قصائدها تكون أقرب إلى الهايكو


ثمة احتفاء بالشاعرة رنيم ضاهر، ربما كان مبالغا فيه بالنسبة إلى شاعرة لديها مجموعتان شعريتان فقط، فهل مردّ ذلك تمايز شعري وموهبة فرضت نفسها، أم أن العلاقات تلعب دورا في مثل هذه الحالات، أو إن كان زواجها بشاعر معروف كشوقي بزيع، مهد لها الطريق، وفتح لها أبوابا، يحمل هو مفاتيحها؟ تقول: «المقالات التي كتبتها والشهادات التي سمعتها كثيرة وإيجابية. شوقي بزيع ناقد أيضا، وكما تعرفين لا يساوم على المستوى، لذلك شجعني كثيرا ورأيه في شعري لا علاقة له بكوني زوجته. بدأت بكتابة الشعر باكرا، ولم أقصد يوما أن أصل إلى هنا، أحيانا الصدف وتقاطع الطرق قد تكون مؤثرة، لكن لا شك أن زواجي من شاعر معروف أضاف إليّ أصدقاء أحبهم كثيرا، وأهتمّ بآرائهم النقدية».

عن المبدعين الذين تقرأ لهم، من الشعراء بصورة عامة، وشعراء جيلها بصورة خاصة، تجيب ضاهر: «أقرأ كثيرا الرواية، الشعر، الفلسفة، المسرح، علم النفس. لكن ذكر الأسماء يشعرني بالذنب، أحب القصيدة الجميلة والنص الجميل والرواية الصاخبة التي لا أميّز بينها وبين ذكرياتي. حين أقرأ كتابا جميلا أشعر بأهمية الحلم وانتظار غودو».

عن اهتماماتها بالسياسة، وإن كانت متابعة لما يجري على الساحة العربية، والساحة اللبنانية، ورأيها في ما سمي بثورات الربيع العربي تبيّن الشاعرة: «أتابع الحراك الشعبي الذي يحصل في أكثر من دولة عربية. في البداية كنت مع الثورات، واعتبرتها بداية للتخلص من القمع والفقر، لكنني الآن أصبت بالإحباط. فما يحصل على أرض الواقع مخيّب للأمل».

وعمّا اعتبره الإعلام العربي انبعاث العنصرية في تفكير وسلوك قطاع كبير من اللبنانيين نحو اللاجئين السوريين في لبنان، تردّ رنيم ضاهر قائلة: «الشعب اللبناني استقبل عددا هائلا من النازحين السوريين دون قيد أو شرط، ولم يُقِم مخيمات لاجئين على غرار الدول الأخرى».

وتضيف:«أما عن تذمّر بعض المسؤولين من الوضع الراهن، فهو نتيجة التزايد المتصاعد للاجئين، والذي بدأ يؤثر اقتصاديا على البلد، ورفع الصوت لمؤازرة لبنان الذي يعاني من أزمات مادية واقتصادية من قبل الأمم المتحدة والمنظمات العالمية، وهذا لا علاقة له بالحسّ العنصري تجاه السوريين المقيمين في لبنان».

15