رن تشنغ في بين الاتهام بالتجسس والتفوق على آيفون

الأحد 2017/09/24
رن تشنغ في صيني يحارب العم سام بسلاحه التكنولوجي "هواوي"

عمان- الهيمنة على مبيعات الهواتف الذكية كانت في وقت سابق محصورة بين اثنين من اللاعبين هما العملاقان أبل وسامسونغ. لكن هواوي الشركة المنطلقة بسرعة الصاروخ استطاعت مؤخرا اللحاق بالركب، حين ارتفعت مبيعاتها متجاوزة مبيعات أبل، لتصبح بذلك ثاني أكبر صانع للهواتف الذكية في العالم، وفقا لبحوث “كونتيربوينت”.

هواوي التي تمتلك العديد من الهواتف الذكية، مازالت تسعى إلى بناء قاعدة شعبية تكنّ الولاء لعلامتها التجارية، وهذا هو أحد أسباب مكافحة هواوي لدخول السوق الأميركية، وفيما ينتظر الناس هواتف آيفون أو سامسونغ المقبلة، فإنّ هواوي لديها الكثير من الهواتف للاختيار من بينها.

هواوي هي أكبر شركة صينية لإنتاج معدات الاتصالات في العالم، وتنتشر منتجاتها في أكثر من 170 دولة حول العالم، وصاحبة عدد هائل من مكاتب البحث والتطوير، ومالكة لعشرات الآلاف من براءات الاختراع، حيث كان لها النصيب الأكبر في براءة اختراع تقنية التطور بما يختص بجودة المعيار طويل الأمد “شبكات الجيل الرابع المتقدمة”، عندما أخذت الشركة الموافقة على 466 من مقترحات الشركة بخصوص تلك التقنية بوصفها تمثل معايير أساسية، مما مكنها من احتلال المركز الأول والاستئثار تقريبا بنحو 25 بالمئة من المقترحات التي نالت الموافقة على مستوى العالم.

تعتبر هواوي من أوائل الشركات الفاعلة في مجال البحث والتطوير المخصص لمستقبل شبكات الجيل الخامس، إذ تبلغ استثماراتها في هذا المجال أكثر من ستمئة مليون دولار حتى الآن، ومع نهاية عام 2013 كانت الشركة قد انضمت إلى عدد كبير من المؤسسات العالمية المتخصصة بوضع معايير ومقاييس تكنولوجيا قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات، عندما استثمرت هواوي 5.4 مليارات دولار أميركي أي 14 بالمئة من إجمالي عائدات مبيعاتها في برامج البحث والتطوير.

مهندس جيش التحرير

خلال ثمانينات القرن الماضي دفعت الحكومة الصينية بجهودها نحو استراتيجية متعددة الجوانب لتطوير البنية التحتية للاتصالات في البلاد، وكان أحد العناصر الأساسية لشبكة الاتصالات هو مفاتيح مقاسم الهاتف، حينها تقدمت عدة مجموعات بحثية صينية لشراء وتطوير تقنية مقاسم الهاتف، وكان ذلك يتم عادة من خلال مشاريع مشتركة مع شركات أجنبية، وفي ذلك الوقت كانت كافة تقنيات الاتصالات في الصين مستوردة من الخارج.

كل ذلك شجّع المهندس السابق في جيش التحرير الشعبي رن تشنغ في على تأسيس شركة اتصالات صينية محلية قادرة على إنتاج مثل هذه المقاسم دون الاعتماد على المشاريع المشتركة لنقل التقنية من الشركات الأجنبية، فتأسست بذلك هواوي سنة 1987 في مدينة شنزن الصينية.

من يصدق أن رأسمال هواوي المسجل في وقت تأسيسها كان لا يزيد على ثلاثة آلاف وخمسمئة دولار أميركي، وفي سنواتها الأولى كان نموذج أعمالها يتركز فقط على بيع مقاسم هواتف خاصة مستوردة من هونغ كونغ، لكن الشركة عززت استثمارها في مجالي البحث والتطوير لتصنيع تقنيتها الخاصة، وبحلول عام 1990 كان لديها نحو 55 موظفا في مجالي البحث والتطوير، وبدأت بتصنيع منتجاتها الخاصة من المقاسم مستهدفة الفنادق والشركات الصغيرة.

"هواوي" البطل القومي

إحدى النقاط المفصلية بتاريخ هواوي كانت سنة 1996 عندما تبنت الحكومة الصينية سياسة صارمة نحو دعم مصنعي معدات الاتصالات المحليين وتقييد استخدام المنتجات الأجنبية المنافسة، وهذا الأمر جعل الشركة الصينية في نظر الحكومة والجيش بطلا قوميا، دفعها لتأسيس عددا آخر من مكاتب البحث والتطوير.

تعاقدت هواوي مع شركة “آي بي إم” الأميركية للاستشارات الإدارية وأجرت تعديلات جوهرية على إدارتها وهيكلة تطوير منتجاتها في الفترة من 1998 إلى 2003، وزادت بذلك من وتيرة تمددها نحو الأسواق العالمية، وحققت مبيعات عالمية تجاوزت مئة مليون دولار، كما أسست أول مركز للبحث والتطوير خارج الصين، وكان ذلك في مدينة ستوكهولم السويدية.

في عام 2003 بدأت الشركة أخيرا في تصنيع هواتفها المحمولة الخاصة بها، واليوم نمت الشركة إلى حدود ما وراء الصين، وأصبحت أول شركة صينية تقتحم قائمة “انتربراند” لأعلى 100 علامة تجارية عالمية.

استمر نجاح هواوي بشكل لافت حتى ظهر اسمها لأول مرة عام 2010 في قائمة أغنى خمسمئة شركة، والتي تنشرها سنويا مجلة “فورتشن” الأميركية، وذلك بعد وصول مبيعاتها السنوية إلى 21.8 مليار دولار وصافي أرباحها إلى 2.67 مليار دولار.

مؤسس شركة هواوي رن تشنغ في لا يتوقف عن تحقيق طموحاته، وهو الذي جعل شركته ثالث أكبر صانع للهواتف الذكية في العالم، في وقت قياسي مقارنة مع كل مصنعي هذا المجال على مر التاريخ، كما استطاع تشنغ بفضل تخطيطه المستمر الوصول بهواوي إلى رأس قائمة بائعي معدات الاتصالات العالميين.

بدأ رن تشنغ في طريقه إلى إنشاء هواوي باستيراد معدات شبكات الإنترنت الرخيصة من هونغ كونغ، لكنه فيما بعد تمكن من تصنيع منتجاته التي شهدت نموا هائلا مع نهاية التسعينات.

رجل الأعمال التكنولوجية الأول في الصين رن تشنغ في لا يحبذ كثيرا التعامل مع الإعلام، ونادرا ما يجري حوارات صحافية، وعندما يظهر في أي مؤتمر دولي أو مناسبة إعلامية يعلن عداءه الكبير لسياسة الولايات الأميركية المتحدة فيما يتعلق بالسوق التكنولوجية.

في شهر يوليو عام 2014 قال تشنغ لشبكة الصين الرسمية، إن الولايات المتحدة الأميركية لا تريد رؤية قوية لوطنه الصين، كما قال في حفل توزيع جوائز داخلية لشركته بحضور ممثلين لوسائل إعلام “عندما تصبح الصين قوية تضربها أميركا بعنف. في الواقع إن هواوي ليست ما تريد الولايات المتحدة الأميركية ضربه حقّا، ما يريدون ضربه هو الصين لأن أميركا لا تريد أن ترى الصين أصبحت قوية، فيجب عليهم إيجاد بعض الطرق لاستخدام قوتهم لكبح الصين. لذلك أعتقد ستكون هناك صعوبات لتطور هواوي، ولا نعرف ما هو حجم هذه الصعوبات لكن يجب علينا أن نحاول بجد واجتهاد لمعرفة كيفية التغلب عليها”.

صحيفة “اوستراليان فاينانشال ريفيو” كانت قد نشرت مقابلة عام 2013 مع مايكل هايدن الرئيس السابق لوكالة المخابرات المركزية الأميركية “سي آي إيه”، قال فيها إنه يعلم بوجود أدلة دامغة على أن شركة هواوي الصينية للتكنولوجيا تجسست لصالح حكومة الصين.

وقال هايدن، الذي رأس أيضا وكالة الأمن القومي في المقابلة ذاتها، إن شركة هواوي قدمت للدولة الصينية معلومات دقيقة وحساسة عن أنظمة الاتصالات اللاسلكية الاجنبية التي تشارك فيها الشركة.

هواوي هي أكبر شركة صينية لإنتاج معدات الاتصالات في العالم، وتنتشر منتجاتها في أكثر من 170 دولة حول العالم، وصاحبة عدد هائل من مكاتب البحث والتطوير، ومالكة لعشرات الآلاف من براءات الاختراع، وكان لها النصيب الأكبر في براءة اختراع "شبكات الجيل الرابع المتقدمة"

رد هواوي الرسمي كان متأخر جدا، حيث قال رئيسها التنفيذي رن تشنغ للصحافيين على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي “دافوس” بسويسرا عام 2015 “لم نتلق أي طلب من الحكومة الصينية بإجراء عمليات تجسس على الدول الأخرى”.

وقارن بسخرية أعمال شركة هواوي بالشركات المتخصصة في صناعة مواسير المياه، وقال “نهتم فقط بحمل المياه، وكل ما نصنعه هو لوح الحديد الذي تصنع منه الماسورة ومن الناحية الاقتصادية لا توجد أي فائدة تعود علينا من التجسس”.

لكنه أكد في ذات الوقت أن هواوي بصفتها شركة صينية ستدعم حتما الحزب الشيوعي الصيني والحكومة، وشدد تشنغ على أن شركته لن تضر بمصالح الدول الأخرى، وأضاف “نحن نلتزم بقوانين وقواعد الدول التي لدينا أعمال معها”. ويضيف رن تشنغ في أن المنظمين البريطانيين قرروا أن منتجات هواوي بسيطة للغاية ولا يمكن استخدامها كأدوات تجسس.

هاتف ذكي "خارق" منتظر

الولايات المتحدة وصفت هواوي أكثر من مرة بالتهديد الأمني وعرقلت مرارا محاولاتها دخول السوق الأميركية، وقال محللون إن القانون الأميركي كان ذريعة لممارسة حماية تجارية للمنتجات الأميركية المحلية، كما دعت الحكومة الصينية مثيلتها الأميركية إلى احترام الحقيقة وعدم التحيّز ضد الصين من أجل تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري المتبادل.

ينظر رن تشنغ في إلى هواوي باعتبارها المنافس الأكبر لنفسها، ويعتقد أن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يعترض طريق تقدمها هو الفساد الداخلي. لا يزال رن تشنغ في على اعتقاده بأن هواوي لم تنضج بعد كشركة، فقال ذات مرة “إننا شركة شابة ولا نستطيع حمل أوزان ثقيلة جدا على أكتافنا، لذلك نحن في تطور متسارع”، وهو يغتنم الفرصة في أي حديث صحافي ليؤكد أن هواوي هي شركة صينيّة تبنّت نمط العمل الدولي، كون لديها أكثر من 40 ألف موظف أجنبي.

كشفت تسريبات مؤخرا على الشبكة الاجتماعية الصينية “ويبو”، أن شركة هواوي ستفاجئ العالم بهاتف ذكي جديد، من شأنه أن يضم كاميرا مزدوجة في الواجهتين الأمامية والخلفية على حد سواء، وهذا ما يعني أن هذا الهاتف سيضم أربع كاميرات في المجموع، ويقال أيضا إنه سيضم المعالج الثماني النوى 659، وقد يحتوي بطارية بسعة 3240 ميلي أمبير، في حين لا تزال المواصفات الأخرى غير معروفة حاليا، ومن المتوقع أن هذا الهاتف الذكي الجديد سيطرح باسم “هواوي راهون”.

في نفس الوقت، ستقوم شركة هواوي بإزاحة الستار رسميا عن الهاتف “مات 10” في منتصف الشهر القادم أكتوبر، علما وأنه من المتوقع أن يتم الكشف عن نسختين من هذا الهاتف.

9