رهائن الغرب في تركيا

تركيا تتحول إلى أول دولة تتبنى النهج الإيراني في استخدام الغربيين كأوراق مساومة سعيا للحصول على مكاسب خصوصا من قوى أوروبية تناصبها العداء.
السبت 2018/02/24
رئيس وقائد جيش وقاضي القضاة ولاعب كل الأدوار

لندن - عندما كان الغرب يضغط على إيران، كان الحرس الثوري يزيد من وتيرة الاعتقالات بين صفوف الأجانب ومزدوجي الجنسية، وعندما كانت قبضة العقوبات تتراجع، كان العدد يقل تلقائيا.

نجحت إيران عبر هذه السياسة في الإبقاء على توازن قائم على المد والجزر مع قوى الغرب. وفي نهاية المطاف قادت، مع عوامل أخرى أبرزها رغبة إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما في تحقيق انتصار دبلوماسي تاريخي ووساطة سلطنة عمان وثقل كاهل إيران بالعقوبات، إلى توقيع الاتفاق النووي عام 2015.

إيران التركية

وسط كل هذا الصخب كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يراقب دبلوماسية “الرهائن الغربيين” ومكاسبها عن كثب. وبمجرد ظهور بوادر لنجاحها، أدرك أردوغان أنه قد عثر للتو على نقطة ضعف الغرب الوحيدة، وقرر إيلامه.

وسرعان ما تحولت تركيا إلى أول دولة تتبنى النهج الإيراني في استخدام الغربيين كأوراق مساومة سعيا للحصول على مكاسب خصوصا من قوى أوروبية تناصبها العداء.

وبدأت السلطات التركية بالألمان من أصول تركية، إذ اعتقلت عدة أشخاص بتهمتين فقط، الإرهاب والتجسس.

وتمثل قضية الصحافي دينيس يوجيل، الذي أطلق صراحه منتصف الشهر الجاري، أبعاد طريقة التفكير التركية في التعامل مع هذا الملف الحساس، إذ يبدو أن استهداف يوجيل وسجناء آخرين، يتم عبر كاتالوج محدد ومنسوخ بطريقة القص واللصق من كتاب القواعد الإيراني.

 

أطلقت تركيا الجمعة سراح الصحافي الألماني من أصل تركي، دينيس يوجيل، دون حكم قضائي. وقبل إطلاق سراح يوجيل بيوم، تدخلت تركيا لدى أوكرانيا للإفراج عن مواطن ألماني من أصل تركي ثان كان معتقلا في أحد السجون الأوكرانية. بالتزامن مع ذلك، أصدرت محكمة أخرى قرارا بالحبس المؤبد لثلاثة صحافيين أتراك، على الرغم من قرار المحكمة الدستورية بضرورة إخلاء سبيلهم، الأمر الذي يأخذ عملية الإفراج إلى أبعاد لا علاقة لها بالعدالة القضائية بل بسياسة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي أثبت من خلال قرار الإفراج عن يوجيل أنه يحكم سيطرته على القضاء كما على بقية مفاصل الدولة ومؤسساتها، ضمن طريقة حكم وسياسة تلتقي في نواح كثيرة مع طريقة الحكم في إيران التي تعد رائدة سياسة الابتزاز بالرهائن واستخدام المعتقلين الغربيين أوراق مساومة في العلاقات الدولية.

ووجهت السلطات إلى يوجيل، الذي نشر سلسلة مقالات هاجم فيها أردوغان واتهم حكومته بالفساد وبدعم تنظيم داعش في سوريا، اتهامات بالإرهاب، لكنه قبع في السجن لعام كامل دون أن ترفع أي محكمة تركية مذكرة اتهام رسمية بحقه.

لكن بعد تحسن يبدو هادئا في العلاقات بين أنقرة وبرلين، وجد يوجيل نفسه فجأة حرا. وبمجرد الإفراج عنه نشر شريطا مصورا قال فيه إن شخصا ما أعطاه خطابا أثناء خروجه من السجن يؤكد أن المحكمة قررت بأنها ستستمر في إجراءات محاكمته، ومع ذلك تم إطلاق سراحه.

وقال يوجيل “لا أعرف لماذا أفرج عني اليوم أو لماذا تم اعتقالي العام الماضي، لكنني أدرك أن لا اعتقالي ولا أخذي كرهينة لهما أي علاقة بحكم القانون”.

وعلى ما يبدو كان يوجيل محقا. وتقول الكاتبة والأكاديمية التركية بينار ترمبلاي إن اعتقال يوجيل كان “قضية إحراز نقاط بين تركيا وألمانيا، لأن السلطات الألمانية كانت تعتقل بدورها العديد من نشطاء حزب العدالة والتنمية، وأردوغان أراد الإفراج عنهم”.

والعام الماضي اعتقل مواطنون أتراك يقيمون في ألمانيا بتهمة التجسس بعد تعقبهم لأعضاء في حركة خدمة بقيادة رجل الدين المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن، كما تم اعتقال داعمين لحزب العدالة والتنمية حاولوا الاعتداء على نشطاء أكراد. وعلى الفور انتهجت تركيا سياسة مماثلة تماما.

ويقول متخصصون في الشأن التركي إن أردوغان “مهووس” بشعار “المعاملة بالمثل” مع الدول التي يشعر أنها قادرة على تقويض نفوذه في الخارج. وردد مسؤولون في الحزب الحاكم ووسائل إعلام مقربة من أردوغان هذا الشعار مرارا.

القاضي أردوغان

يتعامل الرئيس التركي مع القضاء في بلاده بمنطق الخلفاء الإسلاميين في القرن الأول لهجرة النبي محمد. ويرى مساعدون له أن سلطاته المطلقة، التي اكتسبها بعيد موجة تطهير كبيرة أفضت إلى استبعاد الآلاف من القضاة المستقلين، عقب محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، حق “شرعي” له.وساهمت هذه العقيدة في انتهاج أردوغان سياسة تقوم على التدخل المباشر واليومي في عمل الجهات القضائية في البلاد.

ويقول ناشط تركي، فضل عدم الكشف عن هويته، إن أردوغان تحول إلى “قاضي القضاة” في تركيا.

ويشبه هذا النهج ممارسات مماثلة يتمسك بها الرئيس التركي في تعامله مع الجيش، الذي يخوض حربا شرسة مع الأكراد في شمال سوريا، أصر أردوغان على الإمساك بزمامها.

ووصل الأمر إلى إدارة دقيقة للمعارك يعكف عليها الرئيس التركي بنفسه، مغلقا بذلك الباب أمام جنرالاته للتصرف بحرية أكبر، وللتمتع بقدر من الاستقلالية في اتخاذ القرارات.

وقضت عقيدة أردوغان في تعامله مع القضاء بشكل شبه تام على سيادة القانون في البلاد، وحولته إلى قاض أوحد قادر على إصدار أحكام الإدانة أو البراءة بشكل علني، وأمام الآلاف أحيانا، كما فعل قبل قرابة عام عندما قال “طالما بقيت في منصبي هذا فسيظل يوجيل قابعا في السجن”.

وتشبه قضية يوجيل نفس ظروف اعتقال الصحافية البريطانية – الإيرانية نزانين راتكليف في إيران.

ورغم المزاعم الإيرانية بمحاولة راتكليف “العمل على إسقاط نظام الحكم”، لم تقم أيضا أي محكمة إيرانية بتوجيه اتهامات رسمية لها بشكل علني.وقالت مصادر الخميس إن إيران حولت راتكليف إلى ورقة تفاوض من أجل رفع نسبة الفائدة على غرامة تصل إلى 450 مليون جنيه إسترليني، من المقرر أن تدفعها بريطانيا لإيران بعد أن ألغت من جانب واحد صفقة أسلحة معها في سبعينات القرن الماضي.

وأدركت أنقرة وطهران على ما يبدو أن الابتزاز، عبر تحويل قضايا إنسانية إلى فرص سياسية واقتصادية، هو الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها شل حركة الغرب عن تبني أي ممارسات عقابية في حقهما.

والجمعة، أفرجت تركيا عن مواطن ألماني آخر كان مسجونا لأسباب سياسية، كما أعلن متحدث باسم وزارة الخارجية الألمانية. ولم تقدم برلين أي إيضاح عن هوية هذا الشخص، ولا عن تاريخ وأسباب اعتقاله وظروفه، لكنها ذكرت أن ليس مسموحا له مغادرة الأراضي التركية.

دينيس يوجيل: لا أعرف لماذا أفرج عني أو لماذا تم اعتقالي العام الماضي، لكنني أدرك أن لا اعتقالي ولا أخذي كرهينة لهما أي علاقة بحكم القانون
دينيس يوجيل: لا أعرف لماذا أفرج عني أو لماذا تم اعتقالي العام الماضي، لكنني أدرك أن لا اعتقالي ولا أخذي كرهينة لهما أي علاقة بحكم القانون

ولم يقتصر التدهور في علاقات تركيا على ألمانيا فقط، بل امتد إلى تحالف استراتيجي وتاريخي مع الولايات المتحدة، التي وصل منسوب علاقاتها مع تركيا إلى أدنى مستوياته منذ عقود. وعلى الفور انسحبت دبلوماسية الرهائن التي ينتهجها أردوغان على المواطنين الأميركيين.

وحاول وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، خلال زيارة قام بها منتصف الشهر الجاري إلى أنقرة، التفاوض مع المسؤولين الأتراك من أجل إطلاق سراح مواطنين أميركيين وموظفين في القنصلية اعتقلتهم السلطات التركية ردا على رفض الولايات المتحدة تسليم فتح الله غولن دون إجراءات قضائية.

لكن محاولات تيلرسون باءت بالفشل لفك الاشتباك التركي مع الولايات المتحدة، التي خصصت للتو في ميزانية العام الجديد 550 مليون دولار لدعم قوات سوريا الديمقراطية، التي تقاتل فلول تنظيم داعش، في شمال سوريا.

ولا تقتصر سياسة “الرهائن الغربيين” على أبعادها الدبلوماسية فقط، لكنها مرتبطة بامتدادات داخلية أيضا، إذ بدأ حزب العدالة والتنمية التجهيز لإنتخابات رئاسية من المقرر أن تجرى العام المقبل.

وقال أيكان إردمير، كبير الباحثين لدى مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، ومقرها واشنطن والعضو السابق في البرلمان التركي، لموقع أحوال الصادر بالتركية والإنكليزية والعربية، “ستظل علاقات أنقرة الدبلوماسية ضحية لقلق وتكتيكات أردوغان بشأن الانتخابات حتى انتخابات الرئاسة التركية في 2019“.

وقد تمنح هذه السياسة فرصة لأردوغان للظهور أمام أنصاره في الداخل كزعيم مستقل يقاوم “مؤامرات” الغرب على تركيا، لكنها ستترك حتما تراكما سلبيا في العلاقات السياسية مع الولايات المتحدة ودول أوروبية من الصعب ذوبانه في المستقبل القريب.

7