رهاب الأجانب.. تجارة أساسية لليمين الأوروبي

صعود الحركات الشعبوية اليمينية في الديمقراطيات الغربية، والتي أصبحت سلعتها الأساسية هي كراهية الأجانب، حيث تستخدمُ ضمان حرية التعبير لنشر هذه الآراء وكسب مكان في الهيئات التشريعية عن طريق الأدوات الديمقراطية.
الأربعاء 2020/03/04
مواجهة العنصرية والكراهية للحفاظ على الحريات

في الأيام الأخيرة يدور النقاش بشكل رئيسي في أوروبا حول لحظة دهس حشد من الناس في عرض كرنفال في مدينة فولكمارسن الألمانية الصغيرة، حيث توجهت الأفكار للوهلة الأولى نحو الإرهاب الجهادي أو اليميني المتطرف.

وكما اتضح فيما بعد، قالت شرطة فولكمارسن إنه لا يوجد أيّ مؤشر على أن السائق الألماني البالغ من العمر 29 عاما كانت له دوافع سياسية، وأن تصرفه يوم الـ24 من فبراير الماضي لم يكن بالضرورة هجوما إرهابيا.

وهذا التحليل يستبعد الإرهاب الجهادي أو اليميني المتطرف، لكنه لم يبدد المخاوف بشأن احتمال حدوث تأثير الدومينو.

وقع حادث فولكمارسن بعد أيام قليلة من تعرض ألمانيا لهجومها اليميني المتطرف الثالث منذ ثمانية أشهر. حيث قتل رجل، يدعى توبياس راجين، عشرة أشخاص، معظمهم من أصول مهاجرة، في باريْن في ضاحية هاناو في فرانكفورت.

وبحسب ما ورد أعرب المسلح عن وجهات نظر يمينية متطرفة في خطاب اعتراف عثر عليه بعد أن قتل نفسه. وفي كتابات ومقاطع فيديو تم نشرها على الإنترنت قبل واقعة إطلاق النار، دافع القاتل عن الإبادة الجماعية وأعرب عن كراهيته للمهاجرين ونظريات المؤامرة التي نشرها النازيّون الجدد، وكتب منشورات حول نظرية مؤامرة الاستبدال العظيم، وهي الادعاء بأن اليهود والليبراليين يريدون استبدال العرق الأبيض الأوروبي بغير الأوروبيين.

لكن الإدانة الرسمية كانت سريعة. حيث شجبت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل “سمّ” العنصرية والكراهية في ألمانيا. وعبّرت وزيرة العدل، كريستين لامبريشت، عن قلق الألمان من السرطان الذي ينتشر داخل الجسم السياسي عندما قالت إن عمليات القتل التي ارتكبت ضد المهاجرين أظهرت أن “التطرف اليميني والإرهاب اليميني هما أكبر تهديد لديمقراطيتنا اليوم”. كما أقر وزير الداخلية الألماني، هورست سيهوفر، أن “التهديد الذي يمثله التطرف اليميني ومعاداة السامية والعنصرية كبير للغاية”.

ويتضح الأمر كذلك من خلال الخسائر المأساوية التي حدثت في العام الماضي. ففي أكتوبر، قتل مهاجم شخصين وحاول اقتحام كنيس يهودي في هالي بوسط ألمانيا. قام الجاني ببث الهجوم مباشرة على الإنترنت واعترف لاحقًا بدوافعه اليمينية المتطرفة.

في الوقت الذي واجهت فيه لندن ومدريد وباريس وبروكسل هجمات جهادية متكررة، كانت هناك رؤية تقر بوجود تهديد إرهابي خطير خلف الرادار

وفي يونيو، تم إطلاق الرصاص على رأس فالتر لوبكه، وهو سياسي إقليمي دعّم سياسة ميركل في الترحيب باللاجئين السوريين، من مسافة قريبة. وكان للقاتل صلات باليمين المتطرف. وكان هذا أول اغتيال لسياسي على يد متطرف يميني منذ نشأة جمهورية ألمانيا الاتحادية في عام 1949.

وأشار سيهوفر إلى فترة زمنية أطول واتجاه متطرف أكثر عمقا، وخاصة هجوم عام 2016 على المهاجرين في مركز تجاري في ميونيخ، والمسار الدموي الذي امتد من عام 2000 إلى عام 2007 وتضمن عمليات قتل المهاجرين على أيدي مجموعة أطلقت على نفسها اسم “الاشتراكيون الوطنيون تحت الأرض”.

وهناك أمران يستحقان الملاحظة. أولاً، وحتى وقت قريب، كان التهديد الذي يمثله اليمين المتطرف أمرا مستهانا به ولا ينال ما يستحقه من الأهمية في ألمانيا وفي معظم أنحاء أوروبا، وكان التركيز على التطرف الإسلامي حتى حدثت هجمات كرايستشيرش وتشارلوتسفيل ومسجد فينسبري بارك.

وكان الأمر منطقيا، في الوقت الذي واجهت فيه لندن ومدريد وباريس وبروكسل ومدن أوروبية أخرى هجمات جهادية متكررة، كانت هناك رؤية تقرّ بأن هناك تهديدا إرهابيا خطيرا يحدث خلف الرادار. وهذا أحدث تغييرا في ألمانيا وبريطانيا.

وعلى مدار عامين، أجرت وكالة الاستخبارات البريطانية تحقيقات جادة في مؤامرات اليمين المتطرف المشتبه فيها، والتي تصفها الشرطة بأنها أسرع تهديد إرهابي في البلاد.

وفي الآونة الأخيرة، وافقت الحكومة الألمانية على مشروع قانون لمقاومة خطاب الكراهية والتطرف على الإنترنت، بما في ذلك النوع الذي قدمه حزب ألمانيا البديل المعادي للمهاجرين في ألمانيا.

وعلى الرغم من أن حزب البديل الألماني لا يؤيد العنف بشكل صريح، إلا أن خطاباته قد تغذي الكراهية والتطرف. وبعد حادثة هاناو أصدر حزب البديل الألماني إدانة رسمية، لكنه أشار أيضا إلى أن سياسات ميركل المفتوحة للاجئين كانت السبب في أن الألمان العاديين “انقلبوا”.

لكن الهجوم المعارض الذي أصدره الحزب كان قويا. ففي حين أن الحزب يبلغ عمره 7 سنوات فقط وحصل على أقل من 13 في المئة من الأصوات في الانتخابات الأخيرة، فإنه يضم أعضاء في جميع المجالس التشريعية في ألمانيا وعددها 16، وهو أكبر حزب معارض على المستوى الوطني.

إن قدرة حزب البديل على التأثير في الخطاب السياسي الألماني تنقلنا إلى النقطة الرئيسية الثانية محل النقاش: وهي صعود الحركات الشعبوية اليمينية في الديمقراطيات الغربية، والتي أصبحت سلعتها الأساسية هي كراهية الأجانب، حيث تستخدمُ ضمان حرية التعبير لنشر هذه الآراء وكسب مكان في الهيئات التشريعية عن طريق الأدوات الديمقراطية.

حان الوقت لشن معركة للحفاظ على الحريات من خلال مواجهة جميع أشكال الكراهية والعنصرية.

13