"رهاب البيض" يصيب نهضة تونس

الأربعاء 2013/09/11
المخرج نصر الدين السهيلي يمثل أمام القضاء لرشق وزير الثقافة ببيضة

تونس- يحتج صحفيون في مؤسسات إعلامية عامة ضد تعيينات موالية للحزب الحاكم في تونس، كما يمثل اليوم الطاهر بن حسين أحد رموز المعارضة لحكم بن علي أمام القضاء.

يمثل اليوم صاحب محطة تلفزيون تونسية خاصة طاهر بن حسين أمام قاضي التحقيق للرد على اتهامات بـ»التآمر على أمن الدولة»، حسب ما أعلن الإثنين وكيله المحامي عبيده كافي لوكالة فرانس برس.

يشار إلى أن صاحب محطة «الحوار التونسي» هو أحد قادة حزب نداء تونس المعارض. وسيمثل خصوصا بتهمة «التآمر على الأمن الداخلي للدولة» و»التحريض على حمل السلاح» وهذه تهم إذا ثبتت تعرض صاحبها للإعدام، حسب ما قال المحامي باسم لجنة الدفاع عن طاهر بن حسين.

واعتقل بن حسين الإثنين من قبل الشرطة القضائية قبل إحالته على المحكمة التي حددت موعدا لاستجوابه اليوم وأفرجت عنه.

وجعل طاهر بن حسين وهو معارض يساري سابق من محطته منبرا لمعارضي الحكومة التي تقودها حركة النهضة الإسلامية. وقد انضم إلى الحزب الذي شكله رئيس الحكومة السابق الباجي قائد السبسي، المنافس الأبرز للنهضة.

وقبل الثورة، كانت محطته ومقرها في الخارج ناطقة باسم المعارضة التونسية. وقال مصدر بحزب «نداء تونس» الإثنين «بن حسين كان مرفوقا بثلاثين محاميا. تم التحقيق معه وأخلي سبيله».

والطاهر بن حسين إعلامي ومعارض سياسي شرس ضد الحكومة الإسلامية وكرس قناة الحوار لتوجيه انتقادات مستمرة إلى حركة النهضة الإسلامية.

ويدعو بن حسين صراحة خلال نداءاته عبر قناته إلى الإطاحة بالحكومة وهو أحد منسقي «اعتصام الرحيل» لجبهة الإنقاذ الوطني بساحة باردو أمام مقر المجلس التأسيسي.

والمحاكمة ليست التطور السيء الوحيد في الشارع التونسي، إذ أعلن سليم بقة مدير جريدة «أوداس» الناطقة بالفرنسية عن طلبه اللجوء السياسي إلى فرنسا التي عاش فيها سنوات طويلة وخصّص جريدته للمعارضين لنظام بن علي، خصوصاً للرئيس المؤقت محمد المنصف المرزوقي والإسلاميين واليساريين.

وكان قد اعتقل نهاية الأسبوع الماضي بتهم «السكر وإثارة الهرج والاعتداء بالعنف على طليقته»، وهي ما وصفها بقة بـ»الكيدية الهادفة إلى إسكات جريدته التي فضحت ملفات الفساد التي تورط فيها وزراء ومسؤولون كبار في السلطة الجديدة».

في سياق متصل، أصدرت «النقابة الوطنية للصحفيين» بياناً دعت فيه الصحفيين إلى مقاطعة رئيس المكتب السياسي لحركة «النهضة» الحاكمة عامر العريض بعد توجيهه إهانات إلى الصحفي الطيب بوزيد في برنامج حواري على القناة الوطنية الأولى، إلى جانب تعمده التدخل في عمل الصحفيين وتهديده بعرض مؤسسة التلفزة الوطنية للبيع.

واعتبرت النقابة أنّ تصريحات العريض تكشف عن «عقلية فاشية وإقصائية».

وتزامن هذا البيان مع إضراب مفتوح عن الطعام دخله الصحفي سفيان بن فرحات بعدما أنهى فتحي البحوري المدير العام لقناة «شمس أف. أم». تعاونه مع الإذاعة في الوقت الذي تخلت فيه قناة «نسمة» عن خدماته، معتبراً أنّه مستهدف من «النهضة».

وتؤكد مؤشرات عن تراجع سقف الحرية في تونس ونجاح «النهضة» في وضع يدها على القنوات الخاصة ومحاصرة الصحفيين في الإعلام الرسمي. صاحب قناة «حنبعل» الخاصة العربي نصرة مثلاً التحق بـ»ائتلاف الدفاع عن الشرعية» الذي تقوده «النهضة»، فيما بيعت قناة «الجنوبية» لرجل الأعمال محمد العجرودي الذي أنشأ حزباً انضم بدوره إلى الائتلاف السياسي نفسه، كما أجبرت قناة «التونسية» على الإقفال، وغيّرت قناة «نسمة» خطها التحريري بعدما اقتنى رجل الأعمال سليم الرياحي القريب من «النهضة» جزءاً من أسهمها.

هكذا، وقع الإعلام التونسي بين فكي السلطة ورجال الأعمال الذين يبحثون اليوم عن موقع في سلطة الإسلاميين.

ويحتج صحفيون في مؤسسات إعلامية عامة ضد تعيينات موالية للحزب الحاكم وضد ما يعتــبرونه محاولات السلــطة لتطويــع الإعلام عبـــر التدخل في الخط التحــريري ومضمــون البرامج المقدمة وقوائم المدعويــن.

وكانت نقابة الصحفيين التونسيين أعلنت إضرابا عاما في 3 أيلول/سبتمبر الجاري في الإذاعات العامة احتجاجا على التعيينات التي أقدم عليها المدير العام لمؤسسة الإذاعة التونسية.

وشهدت الإذاعات العامة إضرابا الأسبوع الماضي بعد تعيينات لمدراء إذاعات من قبل رئيس الحكومة.

فأكد ناصر الزغلامي المدير السابق لإذاعة تطاوين لفرانس 24 إن المرحلة الانتقالية تقتضي من أجل السير في طريق الديمقراطية إصلاح القطاع الإعلامي «ولكن ما يحدث اليوم بعيد كل البعد عن الإصلاح، فهذه التعيينات وكثير من التدخلات تسعى إلى التدجين والعودة إلى المربع الأول قبل الثورة».

وحذرت من جانبها نجيبة الحمروني رئيسة النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين من التهديدات التي تحدق بحرية الصحافة واستقلالية الإعلام من «تعيينات حسب ولاءات سياسية وحزبية، وتحالف سياسي مالي، فهناك رجال أعمال يشترون مؤسسات إعلامية وأصحاب مؤسسات إعلامية يكونون أحزابا سياسية».

الطاهر بن حسين إعلامي ومعارض سياسي شرس ضد الحكومة الإسلامية وكرس قناة الحوار لتوجيه انتقادات مستمرة إلى حركة النهضة

من جانب آخر، مثل المخرج التونسي نصر الدين السهيلي الذي رشق وزير الثقافة ببيضة أمام القضاء، إلى جانب المصور الصحفي مراد المحرزي الذي صور الحادثة.

ويواجه الرجلان عقوبة بالسجن تصل إلى سبع سنوات نافذة بتهم «التآمر لتدبير وارتكاب اعتداء على موظف عمومي والتشهير والنيل من الآداب العامة وإهانة الغير».

ورشق السهيلي وزير الثقافة ببيضة يوم 16 أغسطس الماضي خلال لقاء أقيم في الفضاء الثقافي «ابن خلدون» بالعاصمة بمناسبة مرور 40 يوما على وفاة الممثل التونسي عزوز شناوي.

واعتبر العديد أن ما فعله السهيلي حركة احتجاجية رائجة في بلدان ديمقراطية عديدة حيث ترشق رموز السلطة بالبيض أو زجاجات المرطبات، ويرجح أنها كانت ردة فعل على تقصير وزارة الثقافة في مساندة عائلة الممثل الراحل خلال فترة مرضه رغم النداء الذي وجهته لها عائلته.

ومراد المحرزي مصور صحفي يعمل في قناة «اسطرلاب» التي تبث على الإنترنت، ونشر المحرزي مقطع فيديو عن الحادثة على الشبكة العنكبوتية. والمحرزي مساعد الكاتب العام لنقابة التقنيين السينمائيين. وارتفعت عدة أصوات من جمعيات حقوقية ونقابات وشخصيات من عالم الفن والسينما والمسرح والصحافة للتنديد بهذه الاعتقالات.

واعتبر اعتقال المحرزي اعتباطيا حيث لم يشكل تصويره للحادثة سوى أداء لعمله ولا علاقة للتصوير بالعنف، ورأت عديد الأطراف في هذا الاعتقال مسا بحرية التعبير والديمقراطية. فدعت منظمتا «مراسلون بلا حدود» و»هيومن رايتس ووتش» إلى الإفراج عنه كونه كان يقوم بعمله كمصور. وأطلقت عدة تحركات احتجاجية لمساندتهما على غرار «فيديو» جائعون للحرية وغرافيتي لمجموعة «زواولة»، الذي نشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وتظهر فيه وجوه إعلامية وفنية وناشطون من «شباب الثورة» يقولون فيه «طردت بن علي أخرجتك من السجن وأعدتك من المنفى فجرمت فني وألقيت بي في السجن».

ويبدو أن رسالتهم موجهة إلى قياديي وأعضاء حركة النهضة الإسلامية الذين قبعوا في السجون وعاشوا في المنفى في زمن الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، ثم أفرج عنهم وعادوا من منافيهم بعد ثورة 14 يناير2011 وهم اليوم يقودون الحكومة التونسية.

وتتهم المعارضة الحكومة التونسية التي تقودها حركة النهضة الإسلامية بانتهاك حرية التعبير في تونس وهي اتهامات تنفيها الحركة باستمرار.

وتعلق الساحة الفنية والإعلامية والحقوقية في تونس أنظارها على محاكمة السهيلي والمحرزي، تقف فيها بيضة على كفة والتساؤلات والمخاوف حول المستقبل السياسي للبلاد على كفة أخرى.

18