رهاب الطائرة.. وهم تبدده العلوم أم منطق تؤيده الوقائع

“لتذهب الفيزياء النظرية إلى الجحيم, هاتوا من يقنعني كيف تطير كتلة خمسين طنا أو ما يزيد من الحديد والعباد والأمتعة فوق السحاب ولا تسقط…إلا بسبب واحد يبدد خوفي وسوف أكون أول الصاعدين والمهللين لهذه الطائرة وأكثر الناس حبا للسفر عبر الأجواء“، هذا ما قاله محمد عبدالوهاب، الفنان المعروف برهابه من الارتفاعات والجراثيم المنتقلة عبر المصافحات ورغبته بالموت في صحة جيدة أمام أعين الأهل والأطباء. وهذا ما همست به في أذن الصديق الفنان (ج ش) ونحن في قاعة الانتظار بمطار قرطاج تونس ذات يوم شتوي مرعد وممطر، وقبيل الصعود إلى الطائرة المغادرة نحو دمشق مرورا بالعاصمة الأردنية عمّان.
الثلاثاء 2016/08/30
التكنولوجيا تمسك المقود والإنسان يتعلم

صمت الصديق المعروف بنكاته وخفة ظله، وبدا لونه يميل إلى الاصفرار بعد إذاعة النداء الأخير للتوجه إلى البوابة المؤدية إلى الطائرة (أو المصير المجهول)، وزادت من تطيره تلك اللافتة المكتوب عليها “بوابة الرحيل” بدل عبارة المغادرة، كما هو سائد ومعروف في بلاد المشرق العربي، فعلق متذمرا “أنتم التوانسة عندكم عربية عجيبة غريبة…ألم تجدوا كلمة ألطف من الرحيل؟”.

دخلنا نفقا رمادي اللون يؤدي إلى الطائرة فتساءل لماذا لا يأتوننا بالأوتوكار الزجاجي المريح، فنودع سماء تونس وهواءها بدلا من هذا النفق اللعين، ثم توقف عند عبارة “نودّع” وتشاءم منها مستدركا “على كل حال أنا راجع في الشهر القادم”.

تابع تعليمات السلامة بانتباه شديد ثم طلب مني استبدال المقعد والجلوس مكاني إلى جانب الشباك وباب الطوارئ, قلت له “لم أسمع بأحد نجا من كارثة طيران بفضل هذه التعليمات المسجلة على شريط مهترئ، وتمثلها المضيفة وهي تتثاءب بكسل وروتين شديدين”, نظر إلي بانزعاج واضح يطلب مني السكوت وقد بدأت الطائرة تزيد من سرعتها استعدادا للإقلاع فأردفت “هذه أصعب وأخطر مرحلة معروفة في الطيران, كيف سيواجه هذا الحجم الهائل معضلتي الثقل والجاذبية؟”, كتم أنفاسه وتحركت شفتاه بأدعية خافتة، انتهت مرحلة الإقلاع بسلام وانطفأت الإشارات الحمراء، ففك الركاب أحزمتهم وبدأ أفراد الطاقم مرة أخرى يرحبون بالمسافرين ويستعدون لتقديم الوجبات، فتنفس صديقي الصعداء إلا أنني قلت له من جديد “هل تدري ما قاله لويس بونويل في مذكراته؟ قال “إنني أخشى من الطائرة عندما يكون كل شيء على ما يرام”، لا معنى لتسميتها بـ”الكوارث” إن هي أنذرتك أو توقعتها قبل حدوثها.

تمنى صديقي اللدود أن يرميني من الطائرة في تلك اللحظة، ثم تمالك نفسه وقال “إذا صار شي ـ لا سمح الله ـ ما رح أموت لوحدي”. هكذا يخفف المرء من قسوة الفاجعة وهول المصاب حين يقتسمهما مع الآخرين، ألم تقل الخنساء “ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي”. المطبات الهوائية كانت كثيرة، وبدأت بالتزايد مما جعل صديقي يحجم عن الأكل ويكتفي بالماء أو المشروبات “البريئة” الساخنة، وهو يراقب ابتسامات المضيفات فيستمدّ منها بعض الطمأنينة، ولا يعلم أن المضيفة لا تبتسم إلا في الحالات الحرجة كي تحافظ على الهدوء وارتفاع المعنويات لدى الركاب وبقية زملائها من أفراد الطاقم.

بدأت الطائرة بالهبوط التدريجي نحو مطار عمّان فانبسطت أساريره ونظر إلي نظرة الشامت لأنه سينزل، ويودّع سلسلة الخوف التي طوقته بها، أما أنا فسأكمل الرحلة إلى دمشق, قلت له “لا تبتهج كثيرا…ادع الله كي تنفتح وتنزل دواليب الطائرة أولا.. هل تعلم أن النسبة الأكبر من حوادث الطيران كانت بسبب الهبوط، ذلك أنّ الابتعاد عن الأرض أكثر أمانا من الاقتراب منها، هذا ما كتبه أنطوان سانت إكسيبري، وكان طيارا، ومات صاحب ‘الأمير الصغير’ ميتة النسور، بعد أن تحطمت طائرته في عرض البحر ولم يعثر له إلا على ساعة جيب”. لامست عجلات الطائرة أرضية المطار وصفق غالبية الركاب مهنئين أنفسهم بالوصول سالمين, نزل صديقي اللدود ليغادر في ما بعد إلى بغداد الملبدة سماؤها بالحرب، ساعتها خفت عليه، وبقيت منتظرا إقلاعا آخر وهبوطا آخر.

الطريق نحو المطار أخطر من ركوب الطائرة

حلم بشري تحقق فوق السحاب

الطائرة جعلت من الإنسان “سيد الوقت”، وبالإذن من ابن الفارض، وغيره من الصوفيين وأصحاب الكرامات في استخدام هذا المصطلح، فإن هذا الأمر صار حقيقة في عصرنا الراهن، وأصبح بإمكان الواحد أن يسافر “اليوم” ليصل “أمس”، كما هو الحال في الطائرات فائقة السرعة، والمسافرة في اتجاه شروق الشمس.

يعد زمن الرحلة من أهم العوامل التي يأخذها مسافر العصر الحديث بعين الاعتبار عند اختيار وسيلة النقل. وفي الوقت الذي توفر فيه الطائرات أسرع زمن للسفر، لا تزال الرحلة بالباخرة وسواها من وسائل النقل البري، تستغرق وقتا طويلا بالمقارنة مع الطائرة.

وتستغرق الرحلة على سبيل المثال بين لندن ونيويورك بالطائرة 12 ساعة تقريبا، في حين تحتاج الباخرة إلى حوالي 5 أيام لتقطع نفس المسافة، وهذا أمر لم يكن ليتخيله أو يحلم به إنسان ما قبل الطائرة. ينظر الكثير من الناس إلى بعض سلبيات الطائرة، إن وجدت، كما ينظر الخائفون من الصعقة الكهربائية، يهولون من إمكانية حدوثها، ويتناسون إنجازات هذه الطاقة المدهشة في بناء الحضارة الحديثة.

حوادث الطيران تستأثر باهتمام الإعلام وتثير مخاوف العامة لأنها كارثية، وتقتل أعدادا كبيرة من الناس بلا تفرقة وفي وقت واحد، وبالمقارنة، فإن إحصاءات وفيات الصدمات القلبية في الولايات المتحدة وحدها مثلا تتعدى 2200 حالة وفاة يوميا، ولكنها لا تثير مخاوف أحد، ذلك أنها لا تقع في وقت واحد أو في الموقع نفسه. حوادث سقوط طائرات الركاب مازالت نادرة، وتمثل خطرا لا يزيد على واحد من 11 مليونا للمسافر العادي، وبالمقارنة، فإن خطر الوفاة في حادث طريق يزيد على واحد من خمسة آلاف، ومع ذلك، فإن معدل الخوف من السفر الجوي يفوق القلق من قيادة السيارة.

التقدم التكنولوجي في صناعة الطائرات وفر لقائد الطائرة فرصا أكبر لتحديد وحصر تلك المخاطر، بحيث تمكنه من تفاديها وإدارتها بفعالية أكبر، وفي هذا الصدد أشار محمد الخاجة، نائب رئيس إدارة السلامة والمعايير في طيران الإمارات، أثناء ندوة أقيمت في هذا الخصوص، إلى أن تركيز قائد الطائرة ومساعده، أصبح ينحصر في عدد محدود من الأجهزة الرقمية المتطورة التي تقوم بالعديد من المهام وبدقة متناهية، وأصبحت عونا لطاقم القيادة في إدارة تلك المخاطر بتركيز وفعالية أكثر، ما يقلل من نسبة حدوث أخطاء العنصر البشري.

"أنا أخاف الطائرة لألف سبب، والآخرون يتجرأون على امتطاء هذا الكائن المعدني بلا أدنى سبب"، هذا ما قاله أحد الكوميديين الفرنسيين أثناء تطرقه إلى فوبيا ركوب الطائرة

الطبيعة البشرية، وخصوصا في بلادنا العربية، ميالة إلى التشكيك في المنجز العلمي، وتغليب اختيار فكرة “الأنسنة” (أو ادعائها) في القيادة، متناسية الأخطاء البشرية التي يمكن حصولها، كما أنّ الكثير من الناس، يترددون في تسليم أمرهم إلى مقود لا يجلسون خلفه، مثل تلك التي تجلس إلى جانب زوجها في السيارة، وتكثر من إعطاء الإرشادات والتنبيهات، وهي لا تتقن القيادة أصلا.

ويقول العالم النفسي الأميركي بول سلوفيك، إنه عندما يتحكم الشخص في المركبة، مثل حالة القيادة، فإنه يكون أقل قلقا من حالة عدم التحكم بالمرة، مثل حالة الطيران.

الرهاب من الطائرة، حالة متفشية لدى الكثير من الناس، وبمختلف أعمارهم وثقافاتهم، وهي تصنف كحالة مرضية، ويمكن معالجتها أو التخفيف من أعراضها في عيادات متخصصة، لكن هذه الحالة كثيرا ما تصيب بعض الذين ينقصهم جانب الاهتمام بالإنجازات العلمية والتكنولوجية، ذلك أنّه من الطبيعي أن يعادي الإنسان ما يجهله، كما أنّ كثرة الحديث عن حوادث الطيران، وربط أغلبها بالإرهاب في السنوات الأخيرة، قد زادا من مخاوف هؤلاء، وغفلوا عن فكرة أنّ الإرهاب يستهدف الجميع دون استثناء، وضحاياه في البر أكثر منهم في الجو.

هناك الكثير من شركات الطيران في العالمين العربي والإسلامي، تبدأ استقبالها للركاب قبل الإقلاع بـ”دعاء السفر” المأثور، وهو “أمر طيب ومستحب”، كما جاء في قول نوري البرهومي (مدرس التربية المدنية في أحد المعاهد الثانوية بتونس)، وذكّر زميل له بحالة نجاة غريبة وطريفة، يتناقلها بعض شهود العيان دون التسليم المطلق بمدى صحتها، وتتمثل في ما حلّ بأحد الركاب أثناء حادثة سقوط طائرة مصرية على ربوة بالقرب من مطار قرطاج التونسي، إذ انقسم هيكل الطائرة إلى نصفين، وخرج الراكب الذي كان يجلس بجانب الشباك سالما دون أي خدش، وجد حقيبته معلقة على شجرة، تناولها الراكب المحظوظ ومضى مشيا إلى بيته القريب.

ويضيف البرهومي “ولكن لا بأس لو أضفنا إلى دعائنا شيئا من تعليمات السلامة، وزادت الشركة الناقلة من الانضباط والمراقبة التقنية والأمنية للطائرة، قبل تركها في حفظ الله وحده”.

الجنون هو الإقبال على شيء يمتلك كل أسباب رفضه

المضيف هو الآخر، لم تفده تعليمات السلامة

“أنا أخاف الطائرة لألف سبب، والآخرون يتجرأون على ركوب هذا الكائن المعدني العجيب بلا أدنى سبب”، هذا ما قاله أحد الكوميديين الفرنسيين أثناء تطرقه إلى فوبيا الطائرة، والذي زاد مع حوادث الإرهاب، وصار أشبه بالمتلازمة.

وينسب للمنشد والمغني الحلبي السوري الراحل أديب الدايخ، قوله ـ وهو الذي يعادي ركوب الطائرة ـ “لست في عجلة من أمري، أحبذ الباخرة للاستمتاع بوقتي”، فقيل له لا وجود لخط بحري للسفر من حلب إلى تونس والمشاركة في المهرجان الغنائي، فرد أنه يحبذ المشي سيرا على الأقدام، وإن كلفه ذلك الوصول إلى المهرجان في دورته القادمة. وقال (ع ) وهو إعلامي معروف من الجزائر “لمن يقول إن فوائد الطائرة لا تحصى، فإن كوارثها تحصى وضحاياها قد تعد، لكن حياتي لا تقدر بثمن ولا تختصر باختصار الوقت”.

أغلب حجج الذين لا يحبذون السفر بالطائرة، تأخذ تبريرا منطقيا، فقد أوضح المتخصصون أن مرحلة الهبوط أو الإقلاع، تعد من أكثر مراحل التحليق بالطائرة صعوبة، وتدخل عوامل عدة في إنجاح أو إفشال تلك العملية، وأهمها طول مدرج الهبوط ونوعية أرضيته وسوء الأحوال الجوية، وخبرة ومعرفة الطيار بالمطار، أمّا ثاني مخاطر السلامة الجوية فهي تصادم الطيور بجسم الطائرة، حيث تشكل الطيور خطرا على الملاحة الجوية، خصوصا على محركات الطائرة في عملية الإقلاع. البرق والصاعقة، هما أيضا من المخاطر العديدة التي تهدد الطائرة، حيث تبين دراسات لشركة «بوينغ» أن معدل تعرض طائرة نقل المسافرين لضربة صاعقة هو بمقدار مرتين سنويا.

كذلك الجليد والثلوج، حيث يتراكم الجليد على جسم الطائرة أثناء وقوفها على أرض المطار، وينصح الخبراء الطيار قبل الإقلاع بإزالة أي نوع من أنواع الثلج من على سطح أجنحة الطائرة، إضافة إلى إمكانية حدوث حريق، وهو نادر جدا على متن الطائرة بحسب الخبراء، ولكنه يمكن أن يحدث في مخزن البضائع. هذا بالإضافة إلى ما يعرف بـ”الرماد البركاني”، حيث يمكن تدفق عدد كبير من جزئيات الزجاج الصغيرة الحادة التي تصطدم بمحرك الطائرة، وتسبب عطلا وتهديدا لأجهزة الاستشعار الخارجية للطائرة ووحدة التحكم الرقمية للمحرك، وأداة مقياس السرعة وتتسبب في حجب الرؤية عن الطيار.

حوادث سقوط طائرات الركاب مازالت نادرة، وتمثل خطرا لا يزيد على واحد من 11 مليونا وخطر الوفاة في حادث طريق يزيد على واحد من خمسة آلاف

أمّا أخطر المخاطر في نظر الكثيرين من معارضي السفر بالطائرة، فهو العنصر البشري، حيث لا يزال العنصر البشري أهم العناصر الأساسية في قيادة الطائرة رغم الثورة التكنولوجية الحديثة في صناعة الطائرات، وهو “ليس منحصرا من جانب أفراد الطاقم، لكن ممن هم على الأرض مثل مراقبي الحركة الجوية وموظفي الخدمات الأرضية والمهندسين”، كما يقول الخبير الإماراتي محمد الخاجة. ويقول كريم بن رمانة وهو محام تونسي متخصص في قضايا التأمينات “قد تستغرق سنوات عديدة حتى يتم التوصل إلى معرفة الأسباب الحقيقية لتحطم الطائرة، وذلك لأسباب تقنية، وأخرى إدارية ومالية تتعلّق بهوية الطائرة والشركة المصنعة”.

أشهر الحالات الطبية المعروفة، الناتجة عن الطيران طويل المدى، تكوّن الجلطات الدموية في الساقين، وهي حالة خطرة تؤدي إلى الوفاة في بعض الأحيان. ومن أشهر المصابات بهذه الحالة، لاعبة التنس الأميركية سيرينا ويليامز التي أصيبت بعد رحلة طيران عبر الولايات المتحدة. وينصح الأطباء بالحركة أثناء السفر الجوي لتجنب هذه الحالة التي يمكن أن تصيب أي إنسان يجلس بلا حركة لمدة تزيد على الأربع ساعات. ومن المخاطر الأخرى التعرض للأشعة الكونية والنوعية الرديئة للهواء داخل المقصورة، وتأثير السفر الجوي على الساعة البيولوجية للجسم. وتقول مصادر شركات الطيران إن حالات الطوارئ الطبية ازدادت في الآونة الأخيرة على متن الطائرات التجارية.

وهناك أيضا حالات تعرف باسم «جنون الطيران» وهي ناتجة عن عدة عوامل مجتمعة، منها الخوف المبطن من الطيران مع الشعور بفقدان السيطرة على الموقف مع حالة نفسية من الاضطراب والضغط العصبي. ويمكن أن يكون تناول الكحول بمثابة الزناد الذي يطلق هذه الأوهام دفعة واحدة، فيقوم الراكب بأفعال جنونية يتحتم معها تقييد حريته حتى تهبط الطائرة بسلام. وهذه الحالات من جنون الطيران ليست خطرا على أصحابها فقط وإنما على كافة المسافرين في الطائرة نفسها. ومن الثابت طبيا أيضا أن رحلات الطيران تساهم في انتشار الأوبئة والأمراض المعدية بسبب سوء التهوية داخلها. ولاحظ الأطباء تأخر موسم الأنفلونزا في أميركا لمدة 13 يوما في عام 2001 بعد حوادث 11 سبتمبر2011 بسبب تراجع رحلات الطيران بشكل كبير خلال الفترة التي أعقبت الحادث الإرهابي.

12