رهانات البشير الخاطئة تنتهي به معزولا

القوات المسلحة السودانية تُطيح بالرئيس عمر البشير الذي حكم البلاد بقبضة حديدية على مدى 30 عاما، معلنة "التحفظ عليه".
الجمعة 2019/04/12
التحق بالمغادرين

الخرطوم – يلفّ الغموض مصير الرئيس السوداني عمر حسن البشير بعد أن أعلن الجيش الخميس عزله والاحتفاظ به في مكان آمن، وسط تساؤلات بشأن ما إذا كان سيتم تسليمه للمحكمة الجنائية الدولية التي تتهمه بارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور، أم أنه ستتم محاكمته داخليا، على التجاوزات التي ارتكبها على مدار ثلاثة عقود من حكمه.

وتقرر إنهاء حكم البشير (75 عاما) عندما لبى الجيش مطالب الشارع وتدخل الخميس للإطاحة به وهو الذي جاء إلى السلطة في انقلاب قاده تحالف هجين بين الجيش وجبهة الإنقاذ الإسلامية على الحكومة المنتخبة ديمقراطيا برئاسة الصادق المهدي في العام 1989.

وشهد السودان منذ 19 ديسمبر الماضي مسيرات احتجاجية غير مسبوقة، احتجاجا على الأوضاع الاقتصادية قبل أن تتحول إلى مطالب سياسية حملت شعار “ارحل بس”، في وجه البشير.

وحاول الرئيس السوداني المعزول قمع الحراك الذي تقدمه تحالف نقابي (تجمع المهنيين) ما أدى إلى مقتل أكثر من 51 شخصا، بيد أنه فشل في ذلك، ليصعّد بإعلان حالة الطوارئ في 22 فبراير كان نتيجتها اعتقال المئات من المتظاهرين.

وبالتوازي مع ذلك عمد الرئيس المعزول إلى استخدام لعبته المفضلة وهي محاولة جرّ أقدام المعارضة إلى حوار معلنا عن تخليه عن رئاسة حزب المؤتمر الوطني الذراع السياسية للحركة الإسلامية، ووقوفه على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية.

وفي البداية أفلحت خطته في تقليص شدة وحجم الاحتجاجات، ولكن بعد فترة قصيرة عاد الزخم والحماسة للحراك حيث ساهمت الاحتجاجات في الجزائر في إيقاد جذوته مجددا، وبدلا من محاولات طرق أبواب القصر الجمهوري قصد المحتجون مقر قيادة الجيش السوداني حيث اعتصموا هناك منذ السبت الماضي مطالبين بتدخل الجيش للإطاحة به وهو ما تحقق بالأمس.

وعلى مدى سنوات أثبت البشير قدرة كبيرة على الاستمرار، وتجنب محاكمته أمام المحكمة الجنائية الدولية، وتغلب على العديد من التحديات الداخلية والخارجية.

واشتهر البشير، الذي يتمتع بخلفية عسكرية، بخطابه الشعبوي وبحرصه على التقرب من الحشود ومخاطبتها باللهجة المحلية، بيد أن أقواله ظلت دون أثر فعلي، الأمر الذي أدى إلى انعدام الثقة به.

وفي 2009 أدانته المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور في غرب السودان، ولكن أعيد انتخابه مرّتين رئيسا للسودان في انتخابات قاطعتها المعارضة.

وفي 2010 أدانته المحكمة مرة أخرى بارتكاب عمليات إبادة. ولكن قرار الحكومة رفع أسعار الخبز ثلاثة أضعاف هو ما دفع السودانيين إلى الخروج إلى الشوارع في ديسمبر، وسط معاناة البلاد من نقص متكرر في الأغذية والأدوية والعملة الصعبة.

وسرعان ما تحولت التظاهرات إلى احتجاجات ضد حكم البشير هي الأكبر منذ توليه السلطة. وألقى البشير كلمات أمام العديد من التجمعات الموالية له، ووعد بدفع التنمية الاقتصادية والسلام في أنحاء البلاد، ولكن كلماته لم تلق آذانا صاغية.

وفي تجمع جرى مؤخرا واصل البشير، الذي اشتهر برقصه وتلويحه بعصاه أثناء مخاطبة الموالين له، تحديه وقال إن التظاهرات لن تؤدي إلى تغيير النظام، وأن الطريق الوحيد هو صندوق الاقتراع. ولكن مع تزايد الضغوط في الشارع، توقف عن الحديث عن رغبته في الترشح لفترة رئاسية ثالثة في الانتخابات التي كان من المقرر أن تجري العام المقبل.

فرحة بنصر شعبي
فرحة بنصر شعبي

وولد البشير في العام 1944 في قرية حوش بانقا شمال الخرطوم، وسط أسرة من المزارعين. ودخل الكلية الحربية في سن مبكرة، وترقى في المناصب ثم انضم إلى فوج المظليين، وشارك في حرب 1973.

وفي عام 1989، قاد انقلابا ضد الحكومة المنتخبة ديمقراطيا برئاسة الصادق المهدي. ودعمته حينها الجبهة الإسلامية بقيادة حسن الترابي الذي توفي في 2016.

وتحت تأثير الترابي، قاد البشير السودان نحو حكم إسلامي أكثر تشددا. واستضاف في التسعينات زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن ثم عاد وطرده بطلب من الولايات المتحدة.

وردا على اتهامات عدة بانتهاك حقوق الإنسان، فرضت واشنطن حصارا تجاريا على السودان في العام 1997. وفي 1993، أدرجت الولايات المتحدة السودان على قائمة “الدول الراعية للإرهاب”. وبعد أربع سنوات فرضت على الخرطوم حظرا تجاريا على خلفية اتهامات عدة من بينها انتهاكات لحقوق الإنسان، رفعته في 2017.

ووصلت التوترات بين البشير والترابي إلى أعلى مستوى في أواخر التسعينات. وفي محاولة لإخراج السودان من عزلته الدولية وفي سياق الصراع على النفوذ داخل الحركة الإسلامية، عمد البشير في العام 1999 إلى إقصاء الترابي من دائرته المقربة.

لكن تنفيذ الحكومة حملة عنيفة عام 2003 للقضاء على تمرد في منطقة دارفور الغربية عرّض البشير للمزيد من الانتقادات. وأدى النزاع في دارفور إلى وقوع أكثر من 300 ألف قتيل وتشريد أكثر من 2.5 مليون شخص، بحسب تقديرات الأمم المتحدة.

ومنذ العام 2011، واجه البشير حركة تمرد بقيادة الجيش الشعبي لتحرير السودان – شمال في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق.

ويرى مراقبون أن ما حدث منذ ديسمبر وحتى الأمس شبيه بذلك الذي وقع في العام 1985 حينما انتفض السودانيون على حكم جعفر نميري (16 عاما) لينتصر لهم الجيش. ولئن وجد الأخير من يستقبله بيد أن الأمور أعقد بالنسبة للبشير، حيث أن سياساته المتذبذبة إقليميا ودوليا فضلا عن الاتهامات التي تلاحقه تجعل من الصعب لدولة أن تستضيفه، وإن أبدت تركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان قلقا على وضعه.

وقال أردوغان الخميس “نتلقى أنباء متضاربة، ولا يمكننا معرفة مصير عمر البشير، وما إذا كان في منزله أم في مكان آخر”.

2