رهانات حماس الإقليمية: لا مجال للعب على جميع الأوتار

تعمل حركة حماس هذه الأيام جاهدة لإنهاء عزلتها الدولية عبر إعادة إحياء علاقاتها الإقليمية، واستعادة المصادر السابقة للدعم المالي والسياسي واكتساب مصادر جديدة. لكن استراتيجية التحوّط الحذرة التي تعتمدها لتصحيح الأضرار في علاقاتها الدولية لم تولّد سوى نتائج متفاوتة، مما يجعلها مطالبة بتوضيحها أكثر، وفق دراسة للباحثة بينيديتا برتي صادرة عن مركز كارنيغي للسلام الدولي.
السبت 2015/09/19
حماس ورقة ضغط بيد الإيرانيين يؤمنون بها مصالحهم مع الغرب ليس أكثر

بيروت - تجد حركة حماس نفسها اليوم عالقة بين إعادة الإعمار المتعثّرة لقطاع غزة، والشقاق السياسي المستمر مع فتح، والأزمة المالية الخانقة، ولذلك تسعى إلى إيجاد حل للخروج من المحنة التي تتخبّط فيها منذ حرب 2014، من خلال بحثها عن إعادة التموقع إقليميا. وهو خطوة يرى محللون أنها يجب أن تكون ثابتة هذه المرة وواضحة إذا ما أرادت الحركة النجاح فيها، خاصة أنها إن أرادت بصدق العودة إلى الحضن السعودي، وربما المصري، فعليها أن تلتزم بفك ارتباطها بإيران الساعية إلى التوسع في المنطقة، وأن تكف عن معاداة النظام المصري.

وقد سبق لحماس أن ظنّت بأنها اكتسبت حليفا بدعمها صعود الإخوان المسلمين في مصر، لكنها سرعان ما خسرته لاحقاً. ولا يمكن التقليل من شأن الأضرار الاقتصادية والسياسية الناجمة عن تدهور علاقاتها مع مصر: فحملات التضييق على اقتصاد الأنفاق في غزة، وإنشاء منطقة عازلة، والقيود الشديدة على الحدود تسبّبت مجتمعةً بتفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية الرديئة جداً في القطاع.

محاولات رأب الصدع

نظرا إلى مكانة مصر الإقليمية ودورها التاريخي وثقلها في الشؤون الفلسطينية الداخلية، اضطُرَّت حماس، على الرغم من اعتراضاتها الشديدة على سياسات الرئيس عبدالفتاح السيسي تجاه المجموعات الإسلامية في مصر، إلى تمضية العام الفائت في محاولة احتواء الأضرار اللاحقة بها.

ولهذه الغاية، لم تكتفِ بتسليط الضوء مرارا وتكرارا على مصلحتها في رأب العلاقة مع مصر، إنما عمدت أيضاً إلى التشديد على مخاوفها الأمنية المشتركة مع مصر والتزامها بكبح التنظيمات السلفية الجهادية، بما فيها تلك التي تعلن ولاءها لتنظيم “الدولة الإسلامية” وتنشط في قطاع غزة. وحتى الآن، لم تتحقّق سوى نتائج متواضعة، على غرار قيام مصر إلى حدّ ما بتليين خطابها المناهض لحماس في خطوةٍ يعود فيها الفضل أيضاً إلى الوساطة السعودية.

لكن ليست هناك مؤشّرات بأنّ السياسة المصرية ستشهد تغييرا كبيرا في هذا الإطار؛ فقد فُتِح معبر رفح لثمانية عشر يوما فقط بين يناير ويوليو 2015، وعلى الرغم من فتحه لمدّة أربعة أيام في أغسطس الماضي، إلاّ أنّ الخطوات الصغيرة التي اتّخذتها مصر لا ترقى إلى مستوى مراجعة سياستها في عزل حمـاس في ظـل الإرهاب الـذي يمارسه حلفاء هذه الأخيرة (الإخوان) على الأراضي المصرية.

مصلحة حماس في الحفاظ على روابطها مع طهران تتعارض مع الجهود التي تبذلها من أجل ترميم علاقاتها مع السعودية

خاصّة أنّ حماس ما فتئت تصدر تصريحات انفعالية وغير محسوبة العواقب، تغضب الجانب المصري؛ فبعد شيوع نبأ اختطاف أربعة من عناصر الجناح المسلّح لحركة حماس بطريقة غامضة في سيناء في أواخر أغسطس الماضي، في عملية يُشتبَه بأنها من تنفيذ مجموعة تابعة لتنظيم “الدولة الإسلامية”، ردّت حماس بمزيج من الاستياء والتشكيك، منتقدة مصر على عدم قيامها بما يلزم لتسوية أزمة الرهائن. ويكتسي تدهور العلاقات بين حماس ومصر أهمية متزايدة نظرا إلى التشنّجات التي تشوب العلاقة بين التنظيم الفلسطيني وإيران.

ومما لاشك فيه أن التمويل الإيراني لغزة تراجع في العامَين الماضيين، وعلى الرغم من الشائعات المتكرّرة عن زيارة سيقوم بها رئيس المكتب السياسي في حركة حماس، خالد مشعل، إلى طهران، إلا أن هذه الزيارة لم تتم بعد.

لعب على جميع الأوتار

يكشف العمل على إعادة إحياء العلاقات مع إيران، المصالح المتناقضة التي تسعى حماس خلفها. فالحفاظ على روابط جيدة مع إيران يكتسي أهمية خاصة بالنسبة إلى الجناح المسلّح للحركة الذي يدرك أنه من غير السهل استبدال الدعم العسكري الذي تقدّمه له طهران من دون الرضوخ إلى مخططاتها وألاعيبها في المنطقة. كما أن استراتيجية السياسة الخارجية الأوسع التي تعتمدها حماس في المنطقة، بما في ذلك تجديد انخراطها مع السعودية ومواقف هذه الأخيرة من النزاع في كل من سوريا واليمن، تجعل من المستحيل العودة إلى التحالف الاستراتيجي الوثيق الذي كان يربط حماس بطهران قبل العام 2011.

واقع الحال هو أن مصلحة حماس في الحفاظ على روابطها مع طهران تتعارض مع الجهود التي تبذلها الحركة من أجل ترميم علاقاتها مع السعودية التي ابتعدت عن حماس إبان نزاعها مع فتح في العام 2007. وفي العام 2015، أدّى التغيير في القيادة الداخلية في السعودية واعتلاء العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز سدّة الحكم، والجهود التي تبذلها حماس للتواصل مع العالم الخارجي، إلى تقارب مطّرد إنما تدريجي بين الطرفَين.

الحفاظ على روابط جيدة مع إيران يكتسي أهمية خاصة بالنسبة إلى الحركة

وتُوِّجت هذه العملية بالزيارة التي قام بها وفد رفيع المستوى برئاسة مشعل إلى الرياض في يوليو 2015. بيد أن القول أن هذه الاجتماعات تعكس “تحوّلا استراتيجيا” لدى حماس بعيدا من إيران، مبالَغ فيه إلى حدّ كبير، فصحيح أن السعودية باتت الآن أقرب إلى حماس مما كانت عليه منذ العام 2007؛ لكن الرياض بذلت كل ما بوسعها كي تنفي رسمياً أي تغيير في سياستها حيال الحركة، مؤكّدة أن زيارة حماس إلى السعودية لم تكن سياسية بل دينية الطابع.

بيد أن السعودية أظهرت بكل تأكيد اهتماما متزايدا بالتوسّط من أجل التوصّل إلى مستوى ما من التفاهم بين حماس ومصر؛ وقد يؤدّي تجدّد علاقاتها مع حماس إلى زيادة دعمها المادي للحركة في إطار جهودها الهادفة إلى تثبيت معسكرها الإقليمي، في مقابل محاولات التوسع المحموم الإيرانية، وهو بالتالي ما يستوجب من حماس توضيح موقفها أكثر.

ضرورة الحسم

يبدو أنّ حماس ما زالت تسعى إلى حد كبير إلى تحسين علاقاتها مع السعودية مع الحفاظ في الوقت نفسه على محاوريها الإقليميين ومنهم إيران.

وعبر اتّباع استراتيجية التحوّط نفسها في المنطقة، تحافظ حماس أيضا على علاقاتها مع الدوحة وأنقرة، لكنها تدرك أن الدعم السياسي والمادّي من هذَين البلدين، على الرغم من أهمّيته، لا يمكن أن يكون بديلا عن الدعم الذي يمكن أن تقدمه السعودية.

وقد جرى إلى حد ما تضخيم الدعم السياسي التي تقدّمه قطر لحركة حماس؛ في حين أنه يبقى أقل بكثير من التعهّدات التي قطعتها.

الجانب العربي لن يقبل بأن تتحول حماس إلى ذراع أخرى من الأذرع التي تعمل من خلالها إيران على زعزعة أمن دول المنطقة

وتأمل حماس باستخدام هذه العلاقات إلى إنهاء عزلتها الدولية وزيادة الدعم الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي لها إلى أقصى حد. وتشكّل أنقرة والدوحة والرياض اليوم والقاهرة، بدرجة أقل، جزءا من دبلوماسية حماس المكّوكية التي تندرج في إطار عملية متأنّية لإعادة إرساء التوازن في السياسة الخارجية للحركة، والتي حقّقت حتى الآن تحسّنا متواضعا على الأقل في مكانة حماس الإقليمية.

أما هؤلاء اللاعبون الإقليميون فيهتمّ كل منهم، على الرغم من الاختلاف في الأسباب والشعور بالإلحاحية، ليس فقط بمسألة المصالحة الداخلية الفلسطينية، إنما أيضا بالانخراط في حوار طويل الأمد مع حماس حول التوصّل إلى وقف مطوّل لإطلاق النار مع إسرائيل.

وعلى الرغم من غياب الحوار المباشر أو إطار العمل المتّفق عليه بين جميع الأطراف، إلا أن كل الفاعلين الإقليميين الأساسيين تقريباً (بما في ذلك مبعوث اللجنة الرباعية سابقاً، طوني بلير، بصفته الشخصية)، يُبدون اهتماماً بطرح أطر عمل مختلفة يمكن أن تقود إلى هدوء يدوم لفترة أطول بين حماس وإسرائيل.

وهذا الاهتمام الدولي المتجدّد بالتوسّط من أجل التوصّل إلى تفاهم غير رسمي، وبإعادة إعمار غزة، هو تطوّر إيجابي في حد ذاته. لكن النجاح صعبٌ من دون استراتيجية إقليمية متماسكة.

وفي المقابل، من شأن الفشل في تحقيق اختراق في موضوع غزة أن يتسبّب بمزيد من الضغوط على حماس، لاسيما وأن الوضع يصبح أقل قابلية للاستدامة يوماً بعد يوم، ما يزيد من احتمالات اندلاع جولة أخرى من النزاع.

وفي هذا السياق الذي يسوده الالتباس، يبدو أن حماس تمضي في استراتيجيتها التحوّطية الاستباقية، معتقدة أنها بذلك تتجنّب الوقوع في فخ الاستقطاب السياسي المتزايد في المنطقة واضطرارها إلى الاختيار بين طهران والرياض، في حين أنه لا مناص من هذا الاختيار. خاصة أنّ الجانب العربي، وأساسا المملكة العربية السعودية، لن يقبل بأن تتحول حماس إلى ذراع أخرى من الأذرع التي تعمل من خلالها إيران على زعزعة أمن دول المنطقة والتدخل في شؤونها بغاية السيطرة عليها، على شاكلة الميليشيات التي تنشط في كل من العراق ولبنان وسوريا.

كما يبدو أنّ حماس بدأت تعي، وفي ظل استمرار الانقسام والاستقطاب في السياسة الإقليمية،أنها قد تجد صعوبة أكبر في الحفاظ على توازنها الداخلي كحركة.

وبهذا المعنى، فقد يكون اختيار حماس لشـركائهـا الإقليميين اليـوم مهما بالنسبـة إلى استراتيجيتها الإجمالية وتماسكها الداخلي على المدى الطويل، بمـا قد يؤدّي إلى تغيير التوازن بين أهدافها السياسية والعسكرية.

7