رهانات على وجوه جديدة في انتخابات البرلمان المصري لا تخلو من ارتجالية

توليفة قائمة حزب مستقبل وطن الانتخابية تشكل عبئا على السلطة.
الاثنين 2020/10/05
السير ضمن توجه واحد لا مجال فيه للرأي المخالف

القاهرة - تبذل الحكومة المصرية قصارى جهدها للعبور بانتخابات مجلس النواب إلى بر الأمان، وتحاول تمريرها في هدوء، وتفشيل رهانات قوى في المعارضة على تحويلها إلى فضيحة سياسية للنظام الحاكم، وإعادة تكرار سيناريو انتخابات جرت قبل عشرة أعوام، مهدت لسقوط نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك.

تعتمد خطة الحكومة لنجاح الانتخابات البرلمانية التي يبدأ التصويت فيها يوم 21 أكتوبر الجاري، على إجراء عملية تبديل وتوفيق في أسماء المرشحين ضمن قائمة حزب مستقبل وطن، الداعم لها، وعدد من المرشحين الفرديين، حيث ضم وجوها جديدة من الشباب والعناصر النسائية، وزوجات ضباط شهداء في الجيش والشرطة.

وتحاول من خلال هذه التوليفة توسيع دائرة المشاركة، وإيجاد تمثيل نوعي لقوى مختلفة لاستقطاب دوائر عديدة، استنادا إلى تعديلات الدستور الذي كفل تمييزا إيجابيا لضمان تمثيل فئات، مثل الشباب والمرأة والأقباط ومتحدي الإعاقة والعمال والفلاحين والعاملين المصريين بالخارج، في مجلس النواب.

يبدو للوهلة الأولى أن دفع حزب مستقبل وطن لهذه الفئات ضمن “القائمة الوطنية من أجل مصر”، اتجاه يعزز دور وكفاءة المجلس المقبل، لكن المكونات الرامية إلى تمثيل فئات مهمشة بشكل عادل فقدت هدفها بفعل التطبيق الخاطئ، فغالبية الأسماء والعناصر ليست كوادر سياسية في محيطها أو دوائرها.

وجرى إهمال أو التغافل عن اختيار القيادات النسوية الشعبية، والكوادر الشبابية الحقيقية التي تمد جسور التواصل الفعلي مع الشارع، وتحمل رؤى سياسية.

جاءت بعض الأسماء مخيبة للآمال بين قطاع من المؤيدين للحكومة، الذين انتقدوا طريقة الاختيارات، حيث بدت مجرد ملء مقاعد وتسديد خانات أو حصة ونسبة (كوتة)، دون أن تحمل وعيا سياسيا كافيا، أو تعبر بشكل كبير عن الفئات الممثلة لها.

وأصبح التمثيل أقرب إلى “الصوري”، وخرجت غالبية الأسماء التي تم ترشيحها ضمن قائمة حزب مستقبل وطن، بما يشبه التعيين لأهل الثقة، وليس الكفاءة، ضمن قائمة مطلقة مغلقة ومضمون فوزها.

قال مراقبون، إن هذه التوليفة تشكل عبئا على السلطة، التي تفقد تدريجيا ظهيرها الشعبي الحقيقي من الناس البسطاء، وكانت بحاجة إلى أفراد يملكون قدرة على إقناع الجماهير، وامتصاص الغضب جراء الأزمات المتراكمة.

وأوضح خبير النظم السياسية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، عمرو الشوبكي، أن ضم القائمة الوطنية لعناصر من الشباب والمرأة أمر إيجابي، لكن فكرة أن تكون هناك قائمة مضمون نجاحها مسألة تضعف مشاركة المواطنين واهتمامهم بالعملية الانتخابية.

عمرو الشوبكي: فكرة وجود قائمة مضمون نجاحها تضعف الاهتمام بالانتخابات
عمرو الشوبكي: فكرة وجود قائمة مضمون نجاحها تضعف الاهتمام بالانتخابات

وكان الشوبكي، الذي نجح في الانتخابات الماضية وحصل على أحكام قضائية تؤكد ذلك ولم يدخل مجلس النواب، اقترح أن تكون هناك قوائم تخص محافظات الجمهورية، ولكل محافظة قائمة، وتتم إتاحة الفرصة للتنافس أمام الأحزاب، وتشجيعها على تشكيل تكتلات، بحيث يكون هناك على الأقل بين 20 إلى 25 قائمة تتنافس معا.

ويشير متابعون إلى وجود تحديين يواجهان انتخابات البرلمان المقبلة، هما غياب التنافس عن القوائم، وحضور المال السياسي بوفرة في النظام الفردي، ما يبعث المخاوف من تكرار عزوف حدث في انتخابات مجلس الشيوخ الأخيرة.

من أهم ملامح انتخابات مجلس النواب وجود نحو تسعين عضوا من أعضاء المجلس السابق ضمن قائمة مستقبل وطن، وهؤلاء مضمون فوزهم، بخلاف من سيخوضون الانتخابات عبر المقاعد الفردية.

يعد ترشح هؤلاء النواب بمثابة إغفال لتوجهات الشارع، إذ لم يحظ البرلمان الماضي برضاء شعبي، وثمة نوع من فقدان الثقة في ممثليه الذين انحازوا إلى الحكومة على حساب المواطن الذي منحهم أصواته، فقد أقر النواب قوانين مجحفة، وتخلوا عن مساندة مطالب وهموم ومشكلات دوائرهم.

هناك ظواهر أخرى طغت على مرشحي انتخابات مجلس النواب، منها توارث العضوية، اعتمادا على تربيطات وعصبيات قبلية، تتعاظم في أماكن مختلفة.

وشهدت الأحزاب المنضوية تحت لواء القائمة الوطنية انحسارا في الاختيارات بلغ حد العصف بقيادات بعض الأحزاب، ووصلت هذه الأزمة إلى حزب مستقبل وطن نفسه، حيث تقدم عدد من أعضائه باستقالات، وكالوا الاتهامات بعدم اتباع معايير الكفاءة في اختيار المرشحين.

قال رئيس حزب الكرامة محمد سامي لـ”العرب” “أصل المشكلة، هي صياغة قانون الانتخابات على أساس القوائم المغلقة المطلقة، التي تدمر كل فرصة لتداول المرشحين، فهدفها أن يسيطر حزب مستقبل وطن على غالبية مجلس النواب، وثمة مصادرة لإرادة الناس لصالح اتجاه محدد”.

جاءت المفاجأة باستبعاد قائمة التيار الوطني المصري، التي يقودها اللواء طارق المهدي، وهو عضو سابق بالمجلس العسكري، وكان يُعول عليها في المنافسة، لأسباب وصفها المهدي بـ”الواهية، لتذليل العقبات والموانع أمام القائمة الوطنية”.

وأعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات قبل أيام أن استبعاد القائمة يأتي بسبب أن إقرار الذمة المالية للمهدي، المرشح الأساسي في القائمة، خلا من ذكر بيانات الزوجة.

وهو ما خيب التوقعات التي راجت بأن الحكومة تنوي السماح بتوسيع دائرة المنافسة، لكنها أثبتت أنها مستمرة في نهج التضييق.

واعتبر رئيس حزب الكرامة أن تمثيل المعارضة في مصر عموما وداخل البرلمان خصوصا قضية حيوية، لا بد أن يكون هناك حضور حقيقي لها، لأن ذلك يمثل نوعا من الرشادة السياسية، وتقديم رؤية مغايرة لصانع القرار بشأن بعض الأمور.

وأضاف لـ”العرب” أن “ملاحقة المعارضة والتضييق على أعضائها ومحاصرتهم تعطي رسالة تفيد بأنه لا مجال لأي رأي مخالف، ومحاولة ترويج أن المعارضة ضعيفة تبرير واه، فالقوة أو الضعف يأتيان من إتاحة المناخ الذي يسمح بالممارسة السياسية”.

واستعانت السلطة بأحزاب كانت محسوبة على المعارضة، وانضوت تحت لواء الحركة المدنية المعارضة، مثل الإصلاح والتنمية والحزب المصري الديمقراطي، وحاولت من خلالهما الإيحاء بأنها تحتضن كل التيارات، ويبدو الأمر أمام الرأي العام الداخلي والخارجي كما لو أن ثمة معارضة داخل البرلمان، فيما تضمن السلطة “معارضة مدجنة ومروضة ولا تتجاوز السقف المتاح لها”.

ووصف رئيس حزب المصري الديمقراطي فريد زهران هذا التحالف بأنه “انتخابي وليس سياسيا، وثمة فارق بينهما، ومواقف الحزب واضحة ومحددة، وتنحاز إلى التحول الديمقراطي والإصلاح، والانفراج لن يكون عطية من السماء، بل محصلة جهد ونضال تبذله طلائع تحاول الارتباط بالناس وتخلق من العمل المنظم قوة فاعلة ومؤثرة”.

وتعتقد بعض الدوائر السياسية أن انتخابات البرلمان تبدو استكمالا لشكل ديمقراطي مصطنع، وقد يعيد المصريين إلى عهد ما قبل ثورة يناير 2011، حين قاطعوا ممارسة حقوقهم الدستورية، وكفروا بأهمية أصواتهم وجدوى مشاركتهم في الاستحقاقات المختلفة، ليصبح المشهد حدثا عابرا، لا يشعر به المواطن ولا يهتم به، وهو ما لاحت بوادره في انتخابات مجلس الشيوخ.

2