رهان أميركي روسي على لقاء القدس لبلورة تسوية في سوريا

مراقبون يرون أن جوهر الاختلاف بين الجانبين الروسي والأميركي يكمن في سبل التعاطي مع الوجود الإيراني في سوريا.
الجمعة 2019/06/07
بصيص من نور

حسم ملف إدلب قد يشكل مقدمة لاختراق في الملف السوري، وهذا ربما ما يفسر غياب الضغط الدولي الكافي لوقف العملية العسكرية في تلك المنطقة الخاضعة لاتفاق خفض تصعيد بين روسيا وتركيا.

 دمشق – تراهن كل من الولايات المتحدة وروسيا على اللقاء المنتظر عقده هذا الشهر في مدينة القدس، لتحقيق اختراق في الأزمة السورية، خاصة وأن العمل العسكري بات في مراحله الأخيرة من خلال الحملة التي تشن حاليا في آخر معاقل الفصائل المعارضة والجهادية في شمال غرب البلاد.

ويعيق تضارب المصالح بين روسيا والولايات المتحدة التوصل إلى تسوية في سوريا التي تشهد حربا متعددة الأبعاد والأطراف منذ العام 2012 راح ضحيتها مئات الآلاف من القتلى والجرحى فضلا عن ملايين النازحين، معظمهم يواجهون صعوبات في الدول المضيفة.

وكثر في الأشهر الماضية لغط حول وجود صفقة بين موسكو وواشنطن برعاية إسرائيلية لإنهاء الصراع، بيد أن الطرفين ينفيان وجودها، ويبديان في الآن ذاته تفاؤلا حذرا حيال ما يمكن التوصل إليه خلال الاجتماع الأمني الذي تشارك فيه إسرائيل.

وقال نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فيرشين في تصريحات لوكالة “سبوتنيك” الخميس إنه لا توجد أي صفقة مع واشنطن وتل أبيب حول سوريا.

وأوضح فيرشين “لا يدور الحديث عن أي صفقة. لأنها متاجرة”، مضيفا “إننا نعمل من أجل تحقيق الاستقرار والتسوية في سوريا، كما هو الحال في هذه المنطقة بأكملها، على أساس احترامنا لسيادة جميع بلدان المنطقة واستقلالها السياسي ووحدة أراضيها. ليس لدينا أي أساس آخر. لذلك نحن لا نقبل أي صفقات”.

جيمس جيفري: سيعقد اجتماع حول الشرق الأوسط، ونعمل على التفاصيل
جيمس جيفري: سيعقد اجتماع حول الشرق الأوسط، ونعمل على التفاصيل

وكان المبعوث الأميركي الخاص للشؤون السورية، جيمس جيفري، رد في وقت سابق على تقارير تداولتها وسائل الإعلام حول اعتراف الولايات المتحدة بالرئيس السوري بشار الأسد، مقابل ضغوطات روسية على إيران بأنها غير صحيحة.

وقال جيفري في معهد الشرق الأوسط بواشنطن “سيعقد اجتماع حول الشرق الأوسط، ونعمل على التفاصيل”. وأضاف “بطبيعة الحال، حتى الآن لا يوجد مثل هكذا اتفاق، لا أثق بما تم تداوله”.

ويرى مراقبون أن جوهر الاختلاف بين الجانبين الروسي والأميركي يكمن في سبل التعاطي مع الوجود الإيراني في هذا البلد، فضلا عن النظام السياسي المراد إرساؤه في سوريا مستقبلا، إلى جانب القضية الكردية.

وتحتضن مدينة القدس قمة أمنية غير مسبوقة تضم كلا من مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون ونظيريه الروسي نيكولاي باتروشيف والإسرائيلي مئير بن شابات، حيث تتصدر الأزمة في سوريا أجندة المباحثات بحسب مسؤولين في البيت الأبيض.

ويبدي محللون تفاؤلا بشأن إمكانية تحقيق اختراق، خاصة وأنه في حال استعاد النظام السوري بدعم من حليفته روسيا محافظة إدلب فإنه سيكون لزاما على أطراف النزاع الجلوس إلى الطاولة لحل باقي النقاط الخلافية والتي لا يمكن تسويتها خارج الأطر الدبلوماسية كالوجود الإيراني والملف الكردي.

ويقول المحللون إنه بالرغم من الأصوات المنبعثة من هنا وهناك والتي تدين العملية العسكرية في إدلب فإن هناك شعورا بوجود اتفاق دولي ضمني على ما يحدث في المحافظة وجوارها، حيث هناك قناعة بأن حسم المعركة في تلك البقعة لا يمكن أن يتم إلّا بعمل عسكري في ظل وجود تنظيمات جهادية تسيطر عليها.

وعلى خلاف المعارك الاستراتيجية السابقة في سوريا كالغوطة الشرقية وقبلها حلب التي شهدت تركيزا إعلاميا لافتا، فإن تغطية معركة إدلب اتسمت بالضعف والارتباك في ظل هيمنة جبهة النصرة المصنفة إرهابية على المحافظة.

ويقول محمد زاهد المصري ممثل تحالف المنظمات غير الحكومية السورية “العالم بأسره يشاهد المذبحة الجارية ويلزم الصمت، والأمم المتحدة لم تحرّك ساكنا”.

ويرى المحللون أن هناك شبه قناعة بأن حسم ملف إدلب، قد يشكل نقطة فعلية لمسار التسوية ولكن الخلاف يكمن في كيفية تجنب حدوث مجازر، وموجات نزوح، وهو الأمر الذي يبدو أنه إلى حد الآن مسيطر عليه، وإن كان خبراء عسكريون يرون أن المعارك ما زالت تدور في أماكن مفتوحة ولا تشهد ضغطا شعبيا.

ويشن الجيش السوري وحليفه الروسي منذ نهاية أبريل قصفا عنيفا على جنوب محافظة إدلب ومحيطها، بالتزامن مع اشتباكات على الأرض بين القوات الحكومية من جهة والفصائل الجهادية والمقاتلة من جهة أخرى. وتسيطر هيئة تحرير الشام التي تقودها جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقا) على الجزء الأكبر من محافظة إدلب وأجزاء من محافظات حماة وحلب واللاذقية المجاورة، كما تتواجد في المنطقة فصائل إسلامية ومقاتلة أخرى أقل نفوذا.

تحتضن مدينة القدس قمة أمنية غير مسبوقة تضم كلا من مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون ونظيريه الروسي نيكولاي باتروشيف والإسرائيلي مئير بن شابات

وقتل أكثر من 300 مدني بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان فيما اضطر أكثر من 270 ألف شخص إلى النزوح وفق أرقام الأمم المتحدة. وطال القصف أكثر من 23 منشأة طبية و35 مدرسة.

وبين الحين والآخر ترد تغريدة مستنكرة من مسؤول غربي على غرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي كتب على تويتر الأحد “العالم يراقب هذه المذبحة. ما هو الهدف منها؟ ما الذي ستحصلون عليه منها؟ توقفوا!”.

وحذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 7 مايو من أن “الوضع الإنساني في سوريا حرج، وأي خيار عسكري غير مقبول”. لكن دبلوماسيا علّق “ماذا تعني تغريدة صادرة عن الرئيس؟” منددا بـ“الحد الأدنى” الذي يلزمه الغربيون العاجزون عن التأثير على مجرى الأحداث.

وتؤكد روسيا، الداعم الأكبر لدمشق، أنها تستهدف “إرهابيين” في إدلب، وقد منعت موسكو في مطلع مايو صدور بيان عن مجلس الأمن الدولي يدين الحملة العسكرية في إدلب ويحذر من كارثة إنسانية في حال شنت القوات الحكومية هجوما واسع النطاق.

ميشال دوكلو: في ظل الوضع الراهن يفضل تحويل النظر في اتجاه آخر
ميشال دوكلو: في ظل الوضع الراهن يفضل تحويل النظر في اتجاه آخر

ورأى مصدر دبلوماسي فرنسي أن “الأميركيين محرجون”. ومن جهته، سعى ماكرون لإقامة حوار مع موسكو من خلال مجموعة اتصال تضم ست دول، دون أن ينجح في جهوده. ولم تعلن دمشق رسميا بدء هجوم واسع، لكنّ الإعلام الرسمي يواكب يوميا تقدم القوات الحكومية.

وتخضع المنطقة المستهدفة لاتفاق روسي-تركي ينص على إقامة منطقة منزوعة السلاح تفصل بين قوات النظام والفصائل الجهادية والمقاتلة، لم يتم استكمال تنفيذه.

ولطالما توعدت دمشق باستعادة كافة المناطق الخارجة عن سيطرتها وفي مقدمها إدلب، وهو ما يشير إليه تصعيد القصف والمعارك على الأرض.

وقال المصدر الدبلوماسي الفرنسي “نعلم أن الروس والأسد قرروا أنه ينبغي (التحرك)”. ورأى ميشال دوكلو، السفير الفرنسي السابق في سوريا والمستشار الخاص لدى معهد “مونتينه” للدراسات، أن الأسرة الدولية تعاني منذ وقت طويل من “إحساس بالعجز” و“في هذه الحالة، يفضّل الواحد تحويل نظره في اتجاه آخر”.

وأشار دوكلو، مؤلّف كتاب بعنوان “الليل السوري الطويل”، إلى “تراجع أيضا في حدة الاستنكار من حلب (2016) إلى الغوطة (ريف دمشق، 2018) ثم إدلب” متسائلا إن لم نكن في نهاية المطاف “نعتاد المآسي الإنسانية” في سوريا؟

ويقتصر الجانبان الأميركي والفرنسي على التحذيرات من مغبة شن القوات الحكومية أي هجوم كيميائي في إدلب، ملوحة بضربات جوية في حال تجاوزت دمشق هذا “الخط الأحمر”، كما حصل في 2018 في الغوطة.

2