رهان إعلامي مصري جديد بوصفة قديمة: تغيير الوجوه دون المضمون

ملامح إقصاء إعلاميين بدأت عقب تساؤلات السيسي: لماذا لا تصل رسائل الحكومة إلى الناس ولا يصدقون إنجازاتها.
الخميس 2018/09/06
المهمة انتهت

تعتمد الخارطة الجديدة للإعلام المصري على تغييب وجوه تلفزيونية بارزة واستبدالها بجيل جديد من الشباب، لكن مشكلة الجهات التي تدير المشهد الإعلامي هي أن خططها تفتقر إلى حلول جذرية لتطوير المحتوى والتركيز على قضايا جوهرية تهم المواطن.

القاهرة - يعيش الوسط الإعلامي في مصر، حالة ارتباك وترقب مع إقصاء وجوه إعلامية بارزة، وعلمت “العرب”، أن اختفاء عدد من إعلاميي الصف الأول عن المشهد، يأتي في سياق خطة حكومية لاستبدال مراكز القوى التقليدية في المؤسسات الإعلامية، بجيل جديد من الشباب سيتم الاعتماد عليهم بشكل تدريجي.

واتسعت دائرة إقصاء الإعلاميين أصحاب الجماهيرية خلال الأيام الماضية فجأة، رغم التنويه بمناقشة مجموعة من القضايا المهمة، آخرهم لميس الحديدي مقدمة برنامج “هنا العاصمة” على فضائية “سي.بي.سي”، ووائل الإبراشي مقدم برنامج “العاشرة مساء” على قناة “دريم”، وجابر القرموطي مقدم برنامج “مانشيت” على فضائية “النهار”.

ومن بين أهداف ترتيب المشهد الإعلامي وتغييب مقدمي برامج مؤثرين، أن تضعف قنواتهم التي تعتمد عليهم بشكل أساسي، مقابل تقوية محطتين فضائيتين مملوكتين تقريبا لأجهزة تابعة للحكومة، الأولى “دي.أم.سي نيوز” بعد دمجها في صفقة إعلامية مع “إكسترا نيوز”، لتكون قناة الدولة الإخبارية، و”أون سبورت” لتصبح القناة الرياضية، بعد إلغاء “دي.أم.سي سبورت”، ثم تختفي برامج الـ”توك شو”، وتتحول باقي الفضائيات لمنابر اجتماعية وترفيهية وفنية ودرامية.

وأكدت المصادر أن “أكثر الدوائر الحكومية أدركت صعوبة توصيل الرسائل إلى الجمهور عبر الوجوه الإعلامية الحالية، وأصبح من الضروري إبعادهم والاستعانة بوجوه شبابية غير محسوبة على أحد، ولم تعمل مع أنظمة سابقة، وليس لها مواقف سلبية تعيق مصداقيتها، كي تحظى بقبول عند الجمهور”.

وعلمت “العرب”، أن الإعلاميين الذين سيجري الاعتماد عليهم تباعا، شارك أكثرهم في تقديم وإعداد المؤتمرات الشبابية التي يحرص الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي على إقامتها بشكل دوري.

من هؤلاء، عمرو خليل ومحمد عبدالرحمن ومروج إبراهيم وآية عبدالرحمن ودينا زهرة ودنيا سالم، وبعضهم بدأ فعلا قبل فترة بتقديم برامج أساسية في “دي.أم.سي”، على غرار رامي رضوان، وإيمان الحصري.

وتتعامل دوائر حكومية مع غالبية إعلاميي الصف الأول، باعتبارهم إرثا ثقيلا من الماضي، والقاعدة العريضة منهم كانوا ضمن معسكر الرئيس الأسبق حسني مبارك، وبعضهم أمسك العصا من المنتصف إبان ثورة 25 يناير 2011، ووقف بين دعمه والانقلاب عليه لمجاراة غضب الشارع والبقاء في المشهد.

وتفسر دوائر إعلامية ما يجري على الساحة، بأن الحكومة تسعى لإبعاد الوجوه التي عظمت دورها في وصول السيسي إلى الحكم، وهي النبرة التي رفضها ضمنيا، وتوحي بأن مؤسسات الدولة مدينة لهؤلاء بفواتير مطلوبة الدفع، كالبقاء في المشهد لأطول فترة.

رهان على وجوه شابة غير محسوبة على أنظمة سابقة
رهان على وجوه شابة غير محسوبة على أنظمة سابقة

ورأى محمد المرسي، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، أن إقصاء مذيعين معروف عنهم الولاء الكامل للنظام “مطلوب لأنهم يسيؤون للإعلام والحكومة، وأن التغييرات الحاصلة في المشهد الإعلامي إذا لم تواكبها توازنات في الرأي بين الإيجابيات والسلبيات، فلا فائدة منها”.

وكانت ملامح الإقصاء لكبار الإعلاميين بدأت عقب تساؤلات طرحها السيسي خلال مؤتمر الشباب الأخير الذي عقد في جامعة القاهرة، أغسطس الماضي، عندما قال: لماذا لا تصل رسائل الحكومة ومؤسسات الدولة إلى الناس، ولا يصدقون أن هناك إنجازات، هل العيب في الناس أم في الشخصيات التي تنقل الرسائل؟.

حملت تساؤلات السيسي آنذاك، إسقاطات مباشرة على الإعلاميين الذين اعتاد الناس توجيه اللوم، واتهامهم بالإخفاق في مهمة إقناع الشارع بالتحديات والإنجازات.

وجاء التخلص من بعض الإعلاميين مفاجئا، فمثلا لميس الحديدي التي أوقفت برنامجها لإجازة صيفية، وبعدما أعلنت أنها ستخرج على الجمهور السبت الماضي، مع وعود بشكل ومحتوى جديدين، وكان من المقرر استضافة السفير البريطاني في القاهرة جون كاسن، أُبلغت بتأجيل البرنامج قبل موعده بدقائق دون تفسير.

ويبدو أن طريقة الإقصاء ذاتها مرشحة لأن تطول بعض الشخصيات الصحافية داخل المؤسسات التي تشارك أجهزة حكومية في إدارتها، مثل “اليوم السابع” المملوكة لشركة “إعلام المصريين” التي تستحوذ جهات أمنية على النصيب الأكبر فيها.

وكانت الصحافية مي الشامي اتهمت أحد مسؤولي الإدارة بالتحرش الجنسي بها، وأصبحت الواقعة محل نقاش واسع داخل الوسط الإعلامي، في مؤشر ينم عن نية الشركة الاستغناء عن قيادات في الإدارة والتحرير، وتريد أن تكون الواقعة مدخلا للتخلص منهم بذريعة سوء السمعة، لأن الصحافية صعدت ضد كبار المسؤولين بالجريدة، دون تدخل “إعلام المصريين”.

وتوحي التغيرات المتسارعة أن قائمة الوجوه المهددة بالإبعاد مرشحة للزيادة.ويرى مراقبون، أن إقصاء إعلاميين ذوي تاريخ مهني طويل مقابل صعود وجوه شابة، لا يفتح المجال أمام حرية الرأي والتعبير، بل يشي بالمزيد من الانحدار.

وقال هؤلاء، إن أزمة الجهات التي تدير المشهد الإعلامي في مصر، في عدم اقتناعها بأن استعادة الجمهور تتطلب قدرا من النقد والكف عن التوجيه للتركيز على الإيجابيات فقط، دون التطرق إلى مشكلات الناس والتعامل مع المنابر الإعلامية باعتبارها صوتا للنظام فقط. وأضاف المرسي لـ”العرب”، أن هناك تحديات كثيرة تحول دون نجاح التجربة الجديدة، على رأسها غياب جماهيرية الوجوه الشابة، ما يشكل عقبة أمام تأثيرهم في الرأي العام، ويحول دون نجاحهم في توصيل الرسائل إلى الجمهور.

18