رهان الأمومة

الاثنين 2017/05/22

الأمومة لا تعترف بمنصب أو انشغال، لا يؤمن الصغار بأعمال أهاليهم، إنما هو نداء الطبيعة الذي تلبيه البعض من النساء وتتملص منه بعضهن.

حاجيات الصغار لا تعترف بالانتظار ولا تستسلم للوقت، قوانين العمل الصارمة لا تنطبق عليهم ولا تعنيهم، فكم مرة كنت في كامل أناقتك عزيزتي المرأة وفي أبهى زينتك، وعلى وشك الخروج لعملك، وفجأة صرخ طفلك جائعا، وكم مرة أذابت دموع صغيرك مساحيقك قبل حفل كبير، أو بعثر فتات طعام وأنت تستعدين لاستقبال ضيف مهم، كم من موعد تأخرت عليه لتهدئة بكاء الرضيع أو تغيير حفاظته، كثيرة هى المواقف التي لا يغلفها المنطق ولكن يغلفها الحب فقط، ليس العقل، ولكنها أمومتنا التي لا يمكننا التنصل منها.

منذ بضعة أيام ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بخبر قيام البرلمانية الأسترالية الشابة لاريسا ووترز، نائبة زعيم حزب الخضر عن ولاية كوينزلاند، بإرضاع صغيرتها داخل قاعة البرلمان الأسترالي، وكل أدلى بدلوه، بين مؤيد لفعلها وتغليبها أمومتها فوق كل اعتبار، وبين من ينتقد مجرد إصطحابها لصغيرتها إلى قدسية البرلمان، معللين ذلك بأنه ليس “حضانة أطفال”.

وحدها لاريسا ووترز واجهت الأمر بكل فخر وعزة، وحدها اعترفت عبر حسابها على تويتر بقولها “فخورة بأن تكون ابنتي عليا أول طفلة يتم إرضاعها داخل البرلمان، وأردت من خلال هذا أن أرسل رسالة لجميع النساء الشابات أنهن حاضرات أيضا داخل البرلمان”.

كان الوقت مفصليا وحضورها يعد تقرير مصير في حق الحزب الذي تنتمي إليه وتمثله، فالنائبة عن ولاية كوينزلاند اصطحبت رضيعتها البالغة من العمر شهرين فقط، لأنه يوم التصويت على اقتراح قانون لحزب الخضر، الذي تمثله، خلال إحدى جلسات البرلمان. ونقلت شبكة CNN الحدث عبر القناة الإخبارية.

بالتأكيد يحمل الحدث من الجرأة ما يجعله مادة دسمة ورائعة لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة، ولكن ما يدعو للفخر هو استمتاع تلك النائبة بأمومتها وعدم ترك عبء تربية الصغيرة والاعتناء بها لغيرها كالمربية أو والدتها، بل تحمّلت نصيبها من عناء ومسؤوليات الأمومة، كما كان رد فعل النائبة محترما للغاية، فقبل أن تضع بعض المقالات أوزارها، وتتهم النائبة بما يثير حفيظتها، ويعكر صفو أمومتها، وينال من فعلها، ويعطل مسيرتها، ألجمت الألسنة وأظهرت سعادتها البالغة كون ابنتها أول طفلة ترضع داخل البرلمان.

أستراليا الديموقراطية التي تتبنى قيم الحرية والتسامح وحرية التعبير تركت بصمتها على لاريسا ووترز، وصبغتها بحرية الفعل وإرادة التحقق.

كم أسعدني رد الفعل البرئ من كل ذنب، غير المتكلف، المتحرر من أعباء التبريرات الواهية التي يمارسها البعض دائما، نافضين عن أنفسنا غبار الخطأ الذي نحمله رغما عنّا في مجتمعات تشغل نفسها بالآخر أكثر مما تنشغل بأحوالها، انتصرت نائبة حزب الخضر لأمومتها مرتين، الأولى حين اصطحبت الصغيرة معها ولم تبال بما ينسج حولها من شائعات وأقاويل وهمز ولمز، والثانية عندما تفاخرت بما فعلت ووجهت رسالة قوية للنساء بألا تعارض بين أمومتهن ونجاحهن، وأنه لا ينبغي أن يطغى أحدهم على الآخر ولا يجب أن يكون لدى الأم العاملة ضحايا ولا يجوز ولن تقبل هي أن يكون أبناؤها أحد هؤلاء الضحايا.

ليت الصغيرة تتذكر ذات يوم حين تكبر، أمها النائبة التي لم تدخل الحليب الصناعي إلى البراد ولم تمسك بمقبض الباب وهي تنادي على الخادمة لإرضاع الصغيرة حين تصرخ جائعة، بل أدخلت الصغيرة ذاتها الى قاعة البرلمان الأسترالي وألقمتها ثديها أمام الجميع حين يصبح الرهان على الأمومة أكبر من مجرد ترجيح كفة على أخرى.

كاتبة مصرية

21